في ظل النقاش المتزايد حول حماية التراث اللامادي المغربي من محاولات الاستيلاء قدم عبد السلام أمرير، رئيس قسم جرد التراث بمديرية التراث الثقافي بوزارة الثقافة، توضيحات شاملة حول إستراتيجية المغرب في توثيق تراثه، وطبيعة التحديات المطروحة على مستوى المؤسسات الدولية، كاليونسكو.
وأوضح أمرير، الذي حل ضيفا على برنامج “نقاش هسبريس”، أن اتفاقية اليونسكو لعام 2003 المتعلقة بالتراث الثقافي غير المادي جاءت أساساً لإبراز تنوع التراث الإنساني، وأضاف أنها تهدف إلى التشجيع على تقبل الاختلاف مع الآخر في ثقافته وقيمه، وخلق نوع من التبادل والحوار بين المجموعات البشرية.
غير أن المتحدث ذاته أشار بأسف إلى أن “بعض الأطراف لم تفهم هذه الروح، فبدلاً من أن تكون الاتفاقية أداة لخلق جسور التواصل أصبحت تُستعمل كأداة لمحاولة السطو والاستيلاء على عناصر ثقافية تخص دولاً أخرى”، مفسرا ذلك بأن اليونسكو تهتم أساساً بـ”الصون”، أي استمرارية الممارسة؛ “فالمعيار لدى المنظمة هو انتقال الممارسة من جيل إلى جيل فوق تراب دولة معينة، ولا تهتم بالضرورة بالأصل التاريخي للعنصر”، وضرب مثلاً بأنه، وفقاً لمنطق الاتفاقية، يمكن لدولة أوروبية أن تسجل “الكسكس” إذا كانت لديها جالية تمارسه وتنقله عبر الأجيال.
وأكد رئيس قسم جرد التراث أن “المغرب يمتلك تنوعاً رهيباً في تراثه الثقافي، وهو تنوع يتجاوز حجمه الجغرافي والسكاني”، وأرجع ذلك إلى “الرصيد التاريخي العميق للمملكة، وتنوع الإطار الجغرافي والألسن، واستمرارية العناصر التراثية لقرون، بل لآلاف السنين، دون توقف، كالحلي التقليدية وأقدم آثار الخياطة المكتشفة نواحي الدار البيضاء، والشمولية والترابط؛ فالعنصر الثقافي المغربي (كالقفطان مثلاً) ليس معزولاً، بل مرتبط بحرف متعددة وعادات وممارسات منتشرة في مختلف المناطق”.
وشدد أمرير على أن “عناصر التراث المغربي، كالزليج والقفطان، لا تقتصر على منطقة جغرافية واحدة كفاس أو مراكش، بل هي تراث وطني ممتد من وجدة إلى أقصى الجنوب، وفي قمم الجبال كما في السهول”.
واعتبر المسؤول ذاته أن الخطوة الأولى لرد الاعتبار للتراث الوطني هي معرفته عبر ما يُسمى “الجرد”، مبرزا الجهود التي تم القيام بها في هذا الصدد، ومن بينها توثيق أغلب الحرف المغربية في الجبال والسهول والصحراء بالتنسيق مع قطاع الصناعة التقليدية، وكذا التدخل العاجل لتوثيق حرف نادرة في طريق الاندثار، مثل تقنية “النيال”، التي لم يعد يمارسها سوى شخص واحد في المغرب، مع الاعتماد على فرق تضم أساتذة جامعيين وباحثين متخصصين لجمع المادة العلمية والتاريخية لكل عنصر، وإنتاج كتب وكتيبات، بالإضافة إلى مقاطع فيديو وثائقية تُتاح عبر منصات رقمية للتعريف بهذا التراث.
وفي ما يخص تسجيل العناصر التراثية لدى المؤسسات الدولية أورد المتحدث نفسه أن “الملفات المغربية (مثل ملف القفطان) تتسم بالاحترافية والنبل في الإعداد، وتعكس مصداقية السياسة الخارجية للمغرب ووضوحها”، وأضاف أن “المغرب وخبراءه يحظون باحترام كبير داخل أجهزة اليونسكو”.
وعن الجانب القانوني أوضح أمرير أن “الملفات تمر عبر المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية (OMPIC) بالدار البيضاء، للتأكد من عدم وجود تسجيلات سابقة، قبل أن تُرفع إلى المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) بجنيف”، كما لفت الانتباه إلى دقة الصياغة في الملفات المغربية؛ فاستعمال مصطلح “القفطان المغربي” يؤكد صفته الخالصة، مشيراً إلى أن القفطان المغربي (بعقاده وسفيفته وشغل المعلم) يختلف جذرياً عما كان يُلبس في دول أخرى كتركيا أو مصر.
وتابع رئيس قسم جرد التراث بأن التراث اللامادي المغربي يشكل “قوة ناعمة” تساهم في إشعاع المملكة عالمياً، مردفا بأن “المغرب يتقبل استخدام ثقافات أخرى (كالبيتزا مثلاً) لكنه لا ينسبها لنفسه، فيما المشكل يكمن في الأطراف التي تتبنى ممارسات مغربية وتنسبها إليها”.
وشدد المتحدث على أن “الدفاع عن هذا التراث ليس مهمة قطاع حكومي واحد، بل مسؤولية مشتركة تتطلب تنسيقاً بين مختلف الوزارات، وتدخل الصحافة، والمؤثرين، والممارسين أنفسهم”، داعياً الجميع إلى الوعي بقيمة هذا الإرث الحضاري الاستثنائي.
المصدر:
هسبريس