غادر بوشعيب “أبو مصعب”، محكوم في قضية تتعلق بالتطرف والإرهاب، أسوار السجن المحلي لمدينة سلا، بمناسبة عفو أصدره الملك محمد السادس بمناسبة عيد الأضحى الأخير، بفضل مراجعاته الفكرية وتبرئه الكامل من عقيدة التطرف الديني.
بوشعيب هو واحد من بين آخرين عانقوا الحرية ليلة عيد الأضحى بالمغرب، كانوا محكومين في قضايا التطرف والإرهاب، “بعدما أعلنوا بشكل رسمي تشبثهم بثوابت الأمة ومقدساتها وبالمؤسسات الوطنية، ومراجعة مواقفهم وتوجهاتهم الفكرية، ونبذهم التطرف والإرهاب”، وفق بلاغ لوزارة العدل المغربية.
ويرى مراقبون أن المقاربة المغربية في مكافحة التطرف والإرهاب لم تعد تكتفي بالردع والحزم الأمني المطلوب رغم كل شيء، بل حفته أيضا بشروط إعادة التأهيل الفكري والديني والنفسي، وهي أدوار يتكفل بها مركز “مصالحة”، بهدف التخلص من القناعات المتطرفة للسجناء ومنع عودتهم إلى الفكر المتشدد بعد مغادرة السجون.
ويبدو أن بوشعيب، المعتقل على ذمة قضية تطرف وإرهاب، قد استوفى جملة من الشروط جعلته مرشحا لنيل العفو الملكي الأخير، ومن ذلك نبذه العنف والإرهاب، والإعلان رسميا عن تمسكه بثوابت الأمة ومؤسساتها الوطنية.
وثوابت الأمة التي يُشترط الإعلان رسميا التمسك بها هي مؤسسة إمارة المؤمنين، والدين الإسلامي السمح القائم على العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي والتصوف السني الجنيدي، فضلا عن توقير مؤسسة الملكية الدستورية، والإقرار بالوحدة الترابية الوطنية.
ويورد الموقع الرسمي لمركز “مصالحة”، الذي عُهد إليه تأمين شروط إعادة إدماج فئة النزلاء المعتقلين بموجب قانون مكافحة الإرهاب ومحاربة التطرف، أن عملية العفو عن مداني الإرهاب بالمغرب تخضع لمعايير دقيقة، وترتبط بمدى نجاح المعتقلين في اجتياز برنامج “مصالحة”. كما أن العفو قد يشمل التخفيف من عقوبة السجن أو الإسقاط الكلي لما تبقى من مدة المحكومية.
ويعتمد برنامج “مصالحة” ـ وفق المركز نفسه ـ على تأهيل مداني ملفات الإرهاب والتطرف بشكل يجعلهم يتصالحون مع ذواتهم، ومع المجتمع، ومع النص الديني، ومع النظم والمعايير المنظمة للمجتمع في علاقته بالفرد وبالمؤسسات الشرعية الضامنة لتدبير الحياة العامة.
ويعمل مركز “مصالحة”، الذي تتداخل فيه عدة قطاعات حكومية وأمنية ودينية، على “تنفيذ إستراتيجيات وبرامج الوقاية من التطرف العنيف، وتأهيل السجناء المعتقلين بموجب قانون مكافحة الإرهاب لتمكينهم من الاندماج السلس في المجتمع”.
وتنفذ هذه المؤسسة الرسمية برامج وقائية متنوعة بهدف الحماية من مخاطر التطرف، وإطلاق نظام يقظة لرصد هذه المخاطر، بما في ذلك اتخاذ التدابير اللازمة لحماية المحيط الأسري للمستفيدين من البرامج من خطر تبني الأفكار المتطرفة، كما تواكب المدانين بالإرهاب بعد الإفراج عنهم، وتتبع تنزيل مشاريعهم واندماجهم السوسيو-اقتصادي بالمجتمع.
في السياق أفاد الباحث في الشأن الإسلامي محمد عبد الوهاب رفيقي بأن العفو عن مدانين في تهم تتعلق بالإرهاب والتطرف صار أمرا معهودا في الآونة الأخيرة، عند كل مناسبة دينية أو وطنية، وهي مبادرات تعد من أجمل المسالك التي سلكتها الدولة في تعاملها مع قضايا التطرف والإرهاب.
وأوضح رفيقي، وهو معتقل سابق على ذمة قضايا الإرهاب قبل أن يحظى بعفو ملكي خاص، أن استمرار هذه المبادرات يعطي مؤشرات قوية على أن باب العودة يظل مفتوحاً دائماً، وأن المعتقلين ضمن هذا الملف يملكون فرصاً حقيقية لاستئناف حياتهم وتغيير قناعاتهم وأفكارهم المتطرفة.
وأورد الباحث ذاته في معرض كلامه أن “برنامج مصالحة”، الذي ينبني عليه هذا العفو الملكي، تطور بشكل كبير لافت عما كان عليه الأمر في البداية؛ إذ أصبح له مركز مؤسساتي خاص، وأضحت عدة جهات رسمية وشريكة تتدخل فيه وتساهم في إنجاحه.
وزاد المتحدث مؤكداً أن “العفو عن هؤلاء المدانين يشكل في حد ذاته مؤشراً حاسماً على نجاح المقاربة الشمولية المعتمدة من طرف الدولة في التعامل مع قضايا التطرف والإرهاب”، مبرزاً أن التجربة المغربية، ومقارنة مع التجارب الأخرى التي عرفها العالم العربي في مجال المراجعات الفكرية، تكاد تكون التجربة الأنجح على الإطلاق.
ومضى رفيقي قائلاً إن هذا التميز والنجاح تؤكده الأرقام والوقائع؛ ففي وقت سجلت المبادرات العربية الأخرى حالات عود واضحة إلى التطرف والإرهاب فإن “برنامج مصالحة” المغربي، الذي انطلق منذ عشر سنوات، لم يسجل أي حالة عود واحدة في صفوف المستفيدين منه.
وخلص الباحث إلى أن “المشهد الحالي يؤكد مجدداً أن باب التصحيح ومراجعة القناعات وإعادة تأسيس التصورات الفكرية يظل مفتوحاً على مصراعيه لكل الراغبين في ذلك”، مشدداً على أن “الدولة تضمن لكل من سلك هذا النهج فرصة حقيقية ومنصفة لإعادة الاندماج من جديد في النسيج المجتمعي”.
من جهته أورد خالد التوزاني، أكاديمي ورئيس المركز المغربي للاستثمار الثقافي (مساق)، أن استمرار مبادرات العفو الملكي لفائدة المدانين في قضايا الإرهاب والتطرف، التي كان آخرها بمناسبة عيد الأضحى، يعكس مقاربة مغربية متميزة تتفرد بالجمع بين صرامة الدولة في حفظ الأمن ومرونتها في فتح آفاق جديدة للإدماج.
وتابع التوزاني بأن “هذه المقاربة تتجاوز مجرد الإجراء القانوني العابر، لتشكل جزءاً من فهم عميق للعلاقة بين الدولة والمجتمع، تتأسس على مفاهيم المصالحة، والاستدراك، وبناء المواطنة”.
وطرح الأكاديمي ذاته تساؤلاً جوهرياً حول مدى إمكانية تحويل قصة المراجعات الناجحة إلى نموذج عملي ومؤسساتي لمواجهة التطرف، مؤكداً أن ذلك ممكن شريطة الانتقال من الحالات الفردية إلى البناء المؤسساتي الشامل؛ كما بين أن قوة النموذج المغربي تكمن في عدم حصر المراجعة في مجرد التراجع عن العنف، بل في مصاحبتها بمسارات متكاملة لإعادة التأهيل النفسي، والديني المنفتح، والمهني.
وأردف الباحث نفسه مبرزاً الأثر البالغ لشهادات المعتقلين السابقين، إذ اعتبر أن خروج المعتقل السابق للحديث بصدق عن مسار انخداعه ثم عودته يقدم خطاباً مضاداً للتطرف يفوق في قوته أي خطاب رسمي، لكونه نابعاً من المعاناة والتجربة الواقعية، واسترسل موضحاً أن الشباب المغربي والعربي اليوم لم يعد يقتنع بالشعارات الرنانة، بل بالقصص الواقعية الحية التي تشبهه وتلامس واقعه.
واستطرد التوزاني بأن تعميم هذا النموذج وجعله قابلاً للتطبيق يستلزم توفر ثلاثة شروط أساسية، أولها حماية المراجعين من وصمة العار الاجتماعي وتوفير فرص حقيقية لاندماجهم الاقتصادي والاجتماعي، وثانيها ضرورة توثيق هذه التجارب أكاديمياً وإعلامياً بأمانة تامة وبعيداً عن أي تسييس، وثالثها ربط هذه الدينامية بمنظومة التربية والتعليم والخطاب الديني المعتدل.
وذهب المتكلم إلى أن “المغرب يملك اليوم فرصة حقيقية لتصدير نموذج عربي ودولي رائد، يؤكد من خلاله أن الدولة القوية هي تلك التي تملك شجاعة الصفح، وأن المجتمع السليم والمحصن هو الذي يملك القدرة على احتضان العائدين من غياهب التطرف والإرهاب وقبولهم”.
ورغم أن العفو الملكي يعبر عن ثقة رسمية في الرؤية المعتمدة لإعادة الإدماج التي أطلقها المغرب عام 2016 تحت مسمى “برنامج مصالحة”، وقدرتها على التأهيل الفكري والنفسي للمدانين في قضايا التطرف والإرهاب، فإنه يتيح في الوقت نفسه طرح أسئلة جوهرية حول الوضعية الاجتماعية والنفسية للمفرج عنهم.
في هذا الصدد أبرز محمد بوشيخي، مدير مكتب تريندز الافتراضي بالمغرب، أن تقييم درجات الاندماج يستلزم مقاربة حقوقية تراعي خصوصية هذه الفئة، التي تتجلى في تخوف شريحة واسعة من المجتمع من التعامل معها، ما يعرقل حصولها على السكن أو بناء علاقات مستقرة كالزواج، ولا سيما أن جزءاً مهماً منها يغادر السجن في سن متأخرة وبحالات صحية هشة.
وأورد بوشيخي أن استمرار الهيئات الحقوقية المعنية في التأكيد على صعوبات الإدماج وتبعات ما بعد الإفراج، مثل “اللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين” التي تطالب منذ تأسيسها عام 2011 بجبر الضرر المادي والمعنوي للضحايا، يؤكد أن التكلفة المالية لتسوية هذا الملف تتجاوز سقف المتاح بالنسبة للدولة.
وأشار الباحث ذاته إلى وجود مؤشرات إيجابية تلوح في الأفق، إذ إن ميل الدولة إلى طي هذا الملف بشكل نهائي تعكسه قرارات العفو المتتالية من العاهل المغربي، التي شملت ثلاث مناسبات وطنية ودينية خلال أقل من ستة أشهر في السنة الجارية، بالتزامن مع تركيز دعائم الدولة الاجتماعية.
واسترسل المتحدث قائلاً إن هذا التوجه قد ينعكس إيجاباً على هذه الفئة، وهو ما يستلزم ـ في تقديره ـ التزام المدخل الحقوقي من داخل المؤسسات الحكومية، خاصة بعد أن فشلت التحركات الموازية لهيئات المعتقلين وحضورها في الشارع في إحداث استجابة رسمية، رغم نجاحها الإعلامي في التعريف بمطالبها.
ومضى بوشيخي قائلاً إن إحداث التغيير المنشود في مسار هذا الملف يفرض على “المجلس الوطني لحقوق الإنسان” (مؤسسة حكومية) والأحزاب السياسية والهيئات الحقوقية، المتنوعة أيديولوجياً، لعب دور أساسي ومحوري يستوجب عملاً مشتركاً ومكثفاً يهدف بالأساس إلى رفع القيود الإدارية عن إجراءات “رد الاعتبار القانوني أو القضائي” بشكل حصري لهذه الفئة المعنية.
ودعا الباحث إلى اتخاذ تدابير تشريعية وإدارية ملموسة تيسر سبل العيش الكريم للمفرج عنهم، مقترحاً تعديل المدة الزمنية اللازمة لمحو “سجل السوابق العدلية”، والرفع من السن القانونية لولوج سوق العمل، لافتا إلى “أهمية تمكين هذه الفئة من الاستفادة من التسجيل المجاني في نظام التأمين الإجباري عن المرض، لضمان اندماج حقيقي يحمي كرامتهم ويصون أمن المجتمع”.
المصدر:
هسبريس