تشكل الأحكام المشددة في قضايا الفساد المالي محطة متكررة في مسار تدبير الشأن العام بالمغرب. ومن يعتقد أن قضية محمد مبديع تمثل سابقة من حيث طبيعة الأحكام الصادرة، قد يجد في العودة إلى بعض المحطات التاريخية ما يكشف أن محاسبة كبار المسؤولين ليست أمراً مستجداً، بل ممارسة عرفتها الدولة المغربية في فترات مفصلية من تاريخها السياسي.
وكشفت المصادر التاريخية والأرشيف القضائي والسياسي المرتبط بفترة حكم الملك الحسن الثاني أن مساءلة مسؤولين كبار بتهم مرتبطة بالفساد واستغلال النفوذ تعود إلى عقود مضت، حيث تم اللجوء إليها في سياقات اتسمت بحساسية سياسية وأمنية خاصة.
شرارة المحاسبة سنة 1971
تعد ما عرف بـ”محاكمة الوزراء” أو “محاكمة الكبار” من أبرز المحطات السياسية والقضائية في المغرب خلال مطلع سبعينيات القرن الماضي. ولا يمكن فهم هذه القضية بمعزل عن سياقها التاريخي، خاصة بعد محاولة انقلاب الصخيرات في يوليوز 1971، التي كشفت حجم الاحتقان الناتج عن انتشار مظاهر الفساد والتبذير داخل بعض دوائر السلطة.
وفي خضم تلك الأجواء، برزت معطيات جديدة إثر اكتشاف ما سُمي بـ”الدفاتر السوداء”، وهي سجلات نسبت إلى رجل الأعمال والوسيط عمر بن مسعود، وتضمنت تفاصيل معاملات مالية وعمولات ورشى مرتبطة بصفقات واستثمارات أجنبية، إلى جانب أسماء مسؤولين ووزراء قيل إنهم استفادوا منها مقابل تسهيل إجراءات إدارية واستثمارية.
رشاوى شركات أجنبية
ارتبطت القضية، التي حظيت بمتابعة واسعة آنذاك، بشبهات تلقي رشاوى من شركات أجنبية كانت تسعى إلى الحصول على امتيازات استثمارية في القطاع السياحي والعقاري بالمغرب. ومن بين الأسماء التي ترددت في الملف شركات أمريكية وفندقية دولية سعت إلى الاستفادة من تسهيلات مرتبطة بإنجاز مشاريع سياحية كبرى.
وبحسب المعطيات المتداولة آنذاك، لعب عمر بن مسعود دور الوسيط بين المستثمرين الأجانب وبعض المسؤولين العموميين، حيث كان يتولى التفاوض بشأن الصفقات وتحويل العمولات وتوزيعها وفق مستويات التدخل والنفوذ داخل دوائر القرار.
عندما مثل الوزراء أمام القضاء
في خريف سنة 1972، تم إحداث هيئة قضائية استثنائية للنظر في جرائم الأموال المنسوبة إلى كبار المسؤولين، في خطوة غير مسبوقة آنذاك. وشهدت المحاكمة، التي احتضنتها الرباط، اهتماماً إعلامياً واسعاً، إذ جرى نقل مجرياتها عبر وسائل الإعلام الرسمية، في رسالة سياسية هدفت إلى إبراز إرادة الدولة في مكافحة الفساد وتعزيز صورة المؤسسات أمام الرأي العام.
وأسفرت المحاكمة عن إدانة عدد من الأسماء البارزة في المشهد السياسي المغربي. وكان من بينهم يحيى الشفشاوني، وزير الأشغال العمومية، الذي أدين بتهم مرتبطة باستغلال النفوذ، وصدر في حقه حكم بالسجن النافذ لمدة 12 سنة.
كما أدين عبد الكريم الأزرق، وزير المالية آنذاك، وحكم عليه بالسجن النافذ لمدة 10 سنوات، إلى جانب ممدوح بن عبد الجليل، وزير التربية الوطنية، الذي صدر في حقه الحكم نفسه. وشملت الأحكام أيضاً عبد الحميد كريم، وزير السياحة، الذي حكم عليه بأربع سنوات سجنا نافذا.
أما عمر بن مسعود، الذي اعتُبر المحرك الرئيسي للشبكة موضوع المتابعة، فقد صدر في حقه حكم بالسجن لمدة 15 سنة نافذة، باعتباره الوسيط الأساسي في تدبير العلاقات المالية المرتبطة بالقضية.
من الاستثناء إلى ترسيخ المؤسسات
ورغم الأحكام الثقيلة التي صدرت في حق المتابعين في هذا الملف وسط اهتمام شعبي وإعلامي كبير، فإن عددا منهم لم يستكمل مدة العقوبات المحكوم بها، بعدما شملتهم قرارات عفو خلال منتصف سبعينيات القرن الماضي، قبل أن يعود بعضهم إلى ممارسة أنشطة اقتصادية أو أدوار استشارية غير رسمية.
ويعيد استحضار هذه المحاكمة التاريخية إلى الواجهة حقيقة مفادها أن مكافحة الفساد ومحاسبة المسؤولين الكبار ليستا ظاهرتين مستحدثتين في المغرب، بل تمتدان إلى تجارب سابقة شكلت محطات بارزة في مسار بناء مؤسسات الدولة وتعزيز آليات الرقابة والمساءلة.
المصدر:
العمق