تشهد أسواق الذهب العالمية والمحلية حالة من عدم الاستقرار الجيوسياسي والاقتصادي، ففي وقت تتراجع أسعار المعدن الأصفر عالمياً تحت وطأة صعود الدولار والضبابية التي مازالت تكتنف أسواق النفط والحرب ترخي هذه الظلال بثقلها على السوق المغربية.
ومع توالي المناسبات والأعياد، واقتراب ذروة موسم الزفاف صيفاً بالمغرب، يواجه قطاع الصياغة وتجارة الحلي تحديات بنيوية كبرى تتأرجح بين “ركود” حركة البيع محلياً وتراجع القدرة الشرائية، وسط تغيّر السلوك الاستهلاكي لجيل مغاربة العالم الجديد، بالموازاة مع جهود حثيثة لضبط القطاع تنظيماً ورقابياً.
وبسط مهنيون، تحدثت إليهم جريدة هسبريس، واقع السوق الحالي ومؤشراته التي تنحو في اتجاه “هُبوطي” غير خافٍ في الأسابيع القليلة الماضية، مستعرضِين الأرقام والخلفيات الاجتماعية والاقتصادية التي تحكم “الركود الملازم” لهذا القطاع.
في الواقع استقر سعر الذهب من “عيار 18 قيراطاً” اليوم عند حدود 1050 درهماً للغرام، وذلك بعد أن كان بلغ ذروته في فترات سابقة من سنة 2026 الجارية مسجلاً 1420 درهماً. التأكيد هنا إدريس الهزاز، فاعل مهني في قطاع الحلي والمجوهرات ورئيس الفيدرالية المغربية للصائغين.
ورغم هذا الانخفاض “الملحوظ” في الأسعار، وفق توصيف الهزاز متحدثا لهسبريس، إلا أنه “لا يعكس انتعاشاً في حركة الطلب؛ فالزبائن عندما يلاحظون تراجع الأسعار يفضّلون التريث، ظناً منهم أنها قد تنخفض أكثر في الأيام المقبلة، وهو ما يزيد من ركود حركة البيع والشراء”.
وأضاف المتحدث شارحا: “لقد عشنا خلال أيام تسبق العيد وضعاً استثنائياً، إذ كان الإقبال منصباً على ‘البيع’ وليس الشراء؛ فقد اضطر الكثير من أفراد الطبقة الضعيفة والمسحوقة إلى بيع مدخراتهم البسيطة من الحلي (كالخواتم وغيرها) لتأمين تكاليف أضحية العيد، في ظل الموجة الخانقة لغلاء الأسعار. وفي المقابل غاب إقبال ‘الطبقة البرجوازية’ التي باتت تفضل مع الأسف التوجه نحو الماركات العالمية واقتناء حاجياتها من الخارج”.
وبحسب إفادة رئيس صائغي المجوهرات بالمغرب “يتطلع المهنيون بحذر لما بعد فترة العيد، آملينَ أن يشهد هذا العام موسماً فلاحياً جيداً (الصّابة)، لأن سكان البادية -الذين غابوا عن أسواق الذهب لسنوات بسبب توالي الجفاف- يمثلون محركاً أساسياً للسوق، وانتعاش محصولهم قد يعيدهم مجدداً للشراء”، وزاد: “أما الطبقة المتوسطة فهي تتآكل بشكل مستمر وتتراجع نحو خطوط الفقر جراء الأعباء المتزايدة (…) خاصة اضطرارَها للتحضير لمصاريف العطلة الصيفية مباشرة بعد الخروج من العيد. كل هذه المؤشرات تجعلنا نترقب استمرار الأزمة في القطاع”.
وأكد المتحدث ذاته أن “قطاع المجوهرات يعتمد تاريخياً على مغاربة العالم (العمّال بالخارج) الذين ينعشون الحركة التجارية خلال عودتهم في الصيف”، متأسفاً لـ”تحول جذري جارٍ بين الأجيال؛ فالجيل الأول كان حريصاً على اقتناء الذهب، والجيل الثاني تراجع إقباله نسبياً، أما الجيل الثالث الحالي فبات يفضل قضاء عطلاته والقيام بسفريات سياحية خارج المغرب، ولا سيما أن تكاليف الاستقبال والمعيشة هنا في المغرب شهدت ارتفاعاً كبيراً”، ومردفا: “هذا الجيل الجديد لم نعد نراه في أسواقنا، وبات تماماً خارج دائرة استهلاك الذهب”.
واستنتج المهني نفسه أن قطاع الصياغة “سائرٌ بوجه عام نحو تراجع مستمر”، خاتما حديثه بقوله: “رغم هذه القتامة يبقى الأمل معقوداً على المستقبل. ونأمل أن تتبنى أي حكومة جديدة منهجية وسياسات اقتصادية مغايرة تنهض بالقطاع وتقدم بدائل حقيقية تمكننا من المضي قدماً”.
من جانبه ركّز محمد مرشد، رئيس الجمعية الوطنية لحرفيي وصناعة الحلي والمجوهرات بالمغرب، على “الشق التنظيمي والرقابي الذي يضمن استقرار المعاملات وحماية المنتَج والمنتِج الوطني، على حدٍّ سواء”.
ووصف مرشد، ضمن تصريح لجريدة هسبريس، منحى الهبوط الحالي في أسعار المعدن الأصفر النفيس بأنه “معقول جداً ومنطقي”، موضحاً أن “السعر المرجعي للخام يتم تحديده بناءً على تداولات السوق المحلية (وصلَ إلى 1050 درهما للغرام في المتوسط يوم الجمعة 22 ماي)”، ومؤكداً في السياق ذاته أن “السوق تعيش حالياً حالة من الوفرة والارتياح في الإمدادات”.
أما بشأن آليات دعم المهنيين وتنافسية الصناعة الوطنية للحليّ والمجوهرات وصياغتهِما فأبرز المهني ذاته دور “التسهيلات الجمركية المتاحة”، مثمناً ذلك بقوله: “تمنح إدارة الجمارك رخصاً خاصة بشروط محددة للصنّاع تتيح لهم اقتناء سبائك الذهب من ‘عيار 24’ قيراطاً مع إعفائها من الرسوم الجمركية؛ والهدف الأساسي من ذلك هو تسهيل مأمورية المهنيين ودعم صناعة الحلي والمجوهرات المغربية”.
وفي المقابل شدد المصرح للجريدة على “الصرامة الرقابية” المنتهجة تجاه القطاع؛ حيث جرى “تسجيل نقص ملحوظ في محاولات الاقتناء غير القانوني للسبائك من طرف بعض المواطنين”، مؤكداً أن الأشهر الأخيرة –ومع ارتفاع قياسي في سعر الأونصة العالمية– شهدت فعلياً الشروع في “اتخاذ إجراءات زجرية صارمة في حق المخالفين، وذلك لقطع الطريق نهائياً على أي محاولات لاستغلال سوق المعادن الثمينة في تبييض وغسيل الأموال”.
المصدر:
هسبريس