بعد مرور 23 سنة على أحداث تفجيرات 16 ماي الإرهابية في الدار البيضاء، التي شكلت واحدة من أكثر المحطات دموية في تاريخ المغرب المعاصر، يتواصل النقاش حول مدى نجاح المملكة في مجابهة خطر الإرهاب والتطرف العنيف، خاصة في ظل استمرار التهديدات الإقليمية وتنامي التحولات الأمنية المرتبطة بالتنظيمات المتشددة في عدد من مناطق العالم، وعلى رأسها منطقة الساحل والمشرق العربي.
وفي هذا السياق، يرى منتصر حمادة، الباحث في مركز المغرب الأقصى للدراسات والأبحاث، أن مجرد تراجع المواكبة الإعلامية المكثفة لذكرى 16 ماي “يعد مؤشرا على تراجع الهواجس المجتمعية المرتبطة بالتهديد الصادر عن ظاهرة التطرف العنيف في نسختها الدينية”، معتبرا أن هذا الأمر لا يعني بالضرورة تراجع الهواجس الأمنية.
وأوضح حمادة، ضمن تصريح لهسبريس، أن الأجهزة الأمنية المغربية لا تزال تعتمد المقاربة الاستباقية في مواجهة الإرهاب، وهو ما يتجسد، بحسبه، في استمرار تفكيك الخلايا الإرهابية بين الفينة والأخرى، مضيفا أن التحقيقات الجارية مع الموقوفين تكشف باستمرار طبيعة هذه التهديدات، سواء كانت فردية أو جماعية.
وأكد الباحث ذاته أنه “محليا على الأقل، هناك ما يشبه مناعة مجتمعية ومؤسساتية تحول دون تفشي الخطر الإرهابي، وبالتحديد الإرهاب الممارس باسم الدين”، موضحا أن هذه المناعة تقوم على “تبني مقاربة مركبة في التفاعل مع الظاهرة”، بخلاف المقاربة التي أعقبت مباشرة أحداث 16 ماي.
وأشار حمادة إلى أن هذه المقاربة المركبة تشمل تداخل عدة قطاعات في تدبير ملف الإرهاب، من بينها الحقل الديني والأمني والاقتصادي، لافتا إلى أن المغرب لا يتوفر على حاضنة مجتمعية قوية للتطرف، بالنظر إلى وجود محددات تاريخية وثقافية لا تساعد على انتشار التدين المتشدد داخل المجتمع المغربي، وفي مقدمتها تأثير الخطاب الصوفي ومؤسسة إمارة المؤمنين.
وأضاف المتحدث أن مؤسسة إمارة المؤمنين لعبت دورا محوريا في تحصين المغرب من التطرف، سواء خلال عهد الملك الراحل الحسن الثاني أو في عهد الملك محمد السادس، مشددا على أن حتى التيارات الإسلامية المصنفة ضمن خانة “الوسطية والاعتدال” اختارت أخذ مسافة تنظيمية من الظاهرة المتطرفة، فضلا عن اندماج جزء من أتباعها داخل مؤسسات الدولة الدينية والسياسية والتعليمية.
ورغم هذا التطور الإيجابي داخليا، نبه حمادة إلى أن الخطر لا يزال قائما على المستوى الإقليمي، خاصة مع التطورات التي تعرفها منطقة الساحل وبعض دول المشرق، حيث تتداخل عوامل الهشاشة الأمنية مع أدوار قوى إقليمية تسهم في تغذية الظاهرة المتطرفة.
وقال الباحث إن “الوضع الداخلي يبقى تحت السيطرة، والظاهرة الجهادية في أفول أو لا مستقبل لها محليا”، لكنه شدد، في المقابل، على أن المغرب يواصل التعامل بحذر كبير مع محيطه الإقليمي، مبرزا أن “مؤشر الحيطة المغربية في التعامل مع الظاهرة في سياقها الإقليمي مرتفع، ويفرض حالة مواكبة مستمرة”.
واعتبر حمادة أن التجربة المغربية في مكافحة الإرهاب تحولت اليوم إلى “مدرسة” تستفيد منها عدة دول عربية وأوروبية، مشيرا إلى أن الرباط توصلت بطلبات رسمية من دول مختلفة قصد الاستفادة من خبرتها في هذا المجال.
من جانبه، أكد لحسن أقرطيط، الخبير في العلاقات الدولية، أن المغرب أصبح اليوم من بين أبرز التجارب الدولية في التعاطي مع الإرهاب، موضحا أن هذا الاعتراف “أصبح محل إجماع لدى عدد من دول العالم”.
وأرجع أقرطيط، ضمن تصريح لهسبريس، هذا النجاح إلى الاستراتيجية التي اعتمدتها المملكة بعد أحداث 16 ماي، والتي وصفها بـ”الاستراتيجية الشاملة”، لأنها لم تقتصر فقط على المقاربة الأمنية، بل شملت كذلك الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والدينية.
وأوضح أن المقاربة الأمنية المغربية اعتمدت منذ البداية على مبدأ “ضرب الإرهاب في المهد”، من خلال تفكيك الخلايا قبل انتقالها إلى مرحلة التنفيذ، وهو ما مكن الأجهزة الأمنية من تحقيق نتائج مهمة على مستوى الوقاية الاستباقية.
وفي المقابل، أشار أقرطيط إلى أن المغرب تعامل مع الإرهاب باعتباره ظاهرة مرتبطة بعوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية، لذلك عمل على “استئصال الظاهرة الإرهابية من داخل المجتمع”، عبر القضاء على أي حاضنة محتملة للتطرف.
وأضاف أن الدولة المغربية اشتغلت، خلال السنوات الماضية، على تقليص الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية، وإدماج الشباب داخل النسيج الاقتصادي والاجتماعي، إلى جانب إصلاح الحقل الديني وتحرير الخطاب الديني داخل المساجد والمؤسسات التعليمية، مع اعتماد نموذج الإسلام المعتدل وتكوين الأئمة.
كما شدد الخبير ذاته على أهمية التعاون الأمني الدولي في التجربة المغربية، معتبرا أن المغرب ينظر إلى الإرهاب باعتباره “ظاهرة عالمية ينبغي مواجهتها بشكل جماعي ومتعدد الأطراف”.
وفي هذا الإطار، أشار أقرطيط إلى أن المغرب تحول إلى شريك أساسي لـالأمم المتحدة في مكافحة الإرهاب، كما يحتضن مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، فضلا عن مساهمته في عدد من المبادرات والمنتديات الدولية ذات الصلة بمحاربة التطرف العنيف.
وتوقف المتحدث أيضا عند الدور الذي يقوم به المكتب المركزي للأبحاث القضائية، الذي وصفه بـ”الحصن المنيع” أمام التنظيمات الإرهابية، إلى جانب تنامي أهمية الأمن السيبراني الذي أصبح، بحسبه، “حزاما أمنيا جديدا” لحماية المؤسسات الوطنية والحدود الرقمية للمملكة.
وخلص أقرطيط إلى أن المغرب “نجح فعلا في ضرب الإرهاب والقضاء على التهديدات الإرهابية”، بفضل هذه الاستراتيجية متعددة الأبعاد التي تجمع بين الأمن والتنمية والإصلاح الديني والتعاون الدولي، معتبرا أن التجربة المغربية أصبحت اليوم نموذجا يحظى باهتمام دولي متزايد.
المصدر:
هسبريس