آخر الأخبار

بعد 23 سنة على أحداث 16 ماي.. خبير يبرز كيف صنعت حوكمة “إمارة المؤمنين” واليقظة الأمنية تفوق النموذج المغربي

شارك

أكد الباحث في القضايا الرقمية والأمنية، المحجوب داسع، أن المكتسبات التي حققها المغرب في مجال مكافحة التطرف بعد مرور 23 سنة على أحداث 16 ماي الإرهابية الأليمة، نقلت النموذج المغربي من منطق التدبير الظرفي للخطر إلى بلورة استراتيجية وطنية مندمجة وشمولية.

وأوضح داسع، في حوار خاص مع موقع “العمق المغربي”، أن هذه التجربة الفريدة تميزت بمزاوجة ناجحة بين المقاربة الأمنية الاستباقية بقيادة الأجهزة الاستخباراتية والمكتب المركزي للأبحاث القضائية (BCIJ) لوأد المخططات في مهدها، وبين إعادة هيكلة الحقل الديني تحت توجيهات مؤسسة إمارة المؤمنين عبر هندسة مؤسساتية متكاملة، إلى جانب أنسنة العقوبة وتأهيل المدانين فكرياً من خلال برنامج “مصالحة”، وهو ما توج بتصنيف المملكة عام 2026 ضمن البلدان الأقل تأثراً بالإرهاب عالمياً برصيد “صفر نقطة” في مؤشر الإرهاب العالمي.

وأضاف عضو منتدى الإنترنت العالمي لمكافحة الإرهاب، أن الفكر المتطرف الذي اعتمد سابقا على الخلايا التقليدية والوسائل المباشرة قد انحسر فعلياً، لكنه أعاد تشكيل نفسه في قوالب تكنولوجية جديدة تحت ما يسمى “التطرف الرقمي”، محذرا من خطورة “الخلايا النائمة افتراضياً” ونموذج “الذئاب المنفردة الرقمية” التي تستغل منصات التواصل والألعاب الإلكترونية المشفرة لتجنيد الشباب واليافعين عن بُعد، مستفيدة من تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتويات مفبركة وعالية الجاذبية للتحايل على أنظمة الرصد، مشيداً في هذا السياق بالوعي المغربي المبكر الذي تجسد في إطلاق المديرية العامة للأمن الوطني لمنصة “إبلاغ” الرقمية لإشراك المواطنين في تحقيق الأمن السيبراني.

بعد مرور 23 سنة على أحداث 16 ماي، كيف تقيمون تطور “النموذج المغربي” في مكافحة التطرف، وكيف استطاع المزاوجة بين المقاربة الأمنية الاستباقية وإعادة هيكلة الحقل الديني؟
أعتقد أن المكتسبات التي حققها المغرب في مجال مكافحة التطرف بعد مرور 23 سنة على الأحداث الارهابية الأليمة التي هزت مدينة الدار البيضاء 16 ماي 2003، لا تخطئها العين، وينبغي تثمينها والتأسيس عليها قصد معالجة الأنماط الجديدة للتطرف، خاصة التطرف في بعده الرقمي، غير أنه يمكن التأكيد بصفة عامة على أن النموذج المغربي في مكافحة التطرف انتقل من منطق التدبير الظرفي للخطر الارهابي، إلى بلورة الاستراتيجية الوطنية المندمجة والشمولية لمكافحة التطرف والارهاب، لم تهتم بجانب واحد في تشخيص ومعالجة الظاهرة الارهابية بل أخذت بعين الاعتبار أولا جميع العوامل المؤدية إلى التطرف والإرهاب، و استندت في معالجة هذا الخطر على مقاربات قانونية وحقوقية وأمنية ودينية، و اعلامية، وسوسيو اقتصادية واجتماعية.

من بين أهم ما يميز هذه الاستراتيجية الوطنية هو كونها نتاج تربة مغربية خالصة، انتقلت من الواقع المغربي، بغية تشخيص الأسباب والعوامل المؤدية للتطرف والارهاب، لتبلور بعد ذلك الحلول الناجعة للتعاطي مع الخطر الارهابي بالاستناد الى مقاربات مختلفة ومتكاملة، لعل أبرزها هذه المزاوجة كما جاء في سؤالكم، بين المقاربة الأمنية الاستباقية و اعادة هيكلة الحقل الديني، في تناغم قلما نجده في تجارب اقليمية أو دولية أخرى.

على الصعيد الأمني، نجح المغرب بفضل يقظة أجهزته الأمنية الاستخباراتية في وأد الخطر الارهابي في المهد، وذلك بفضل تبني عمل وقائي استباقي قائم على الرصد المبكر وتفكيك الخلايا قبل تنفيذ مخططاتها، مع التطوير المستدام للقدرات الاستخباراتية والتنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية، وهو ما مكن من إحباط عشرات المشاريع الإرهابية وتفكيك مئات الخلايا المرتبطة بتنظيمات متطرفة، خاصة مع صعود تنظيم داعش، وتهديد “الذئاب المنفردة”، كما عزز المغرب ترسانته القانونية والمؤسساتية، من خلال إنشاء المكتب المركزي للأبحاث القضائية، وتوسيع التعاون الأمني الدولي.

بالموازة مع هذه المقاربة الأمنية، بلورت المملكة المغربية تحت قيادة أمير المؤمنين، جلالة الملك محمد السادس، مقاربة دينية هي أيضا نتاج سياق مغربي خالص، شكل ورش اعادة هيكلة الحقل الديني عمادها الأساسي، حيث تم ضبط آليات عمل المؤسسات الدينية الرسمية، و اعادة النظر في اختصاصتها، وهيكلتها من اجل تحقيق المزيد من النجاعة في عملها، و تقريب المعرفة الدينبة الآمنة الخالية من ألغام التطرف من عموم المواطنين، بالاستناد طبعا الى الاختيارات الكبرى للمملكة عقيدة ومذهبا وسلوكا، وكل ذلك من اجل انتاج خطاب ديني متسم بالوسطية والاعتدال يمتح من ثوابت المملكة المغربية، لكن منفتح أيضا على مقتضيات السياق المعولم وما يفرضه من اجتهاد المؤسسات الدينية للاستجابة لانشغالات المواطنين الراهنة التواقين الى معرفة دينية تشبهم وتشبه واقعهم المعاش وخصوصياتهم الدينية والهوياتية والقيمية.

لذلك نجد اليوم أن تدبير الشأن الديني في المغرب ينتظم على شكل هندسة سباعية تعتبر فيها مؤسسة امارة المؤمنين بمثابة سارية العماد، التي تشتغل تحتها باقي المؤسسات في تكامل وظيفي، كل بحسب اختصاصاتها ووظائفها، من الحكامة والتدبير ممثلة في وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية، الى الفتيا ممثلة في مؤسسة المجلس العلمي الأعلى، الى البحث العلمي في العلوم الاسلامية و تفكيك خطاب التطرف ممثلة في الرابطة المحمدية للعلماء، الى المجالس العلمية الجهوية والمحلية التي يتمثل دورها في الارشاد الديني من خلال تحقيق مبدأ القرب من احتياجات المواطنين الدينية و الدنيوية، الى باقي المؤسسات التي تعنى بتخريج العلماء مثل دار الحديث الحسنية، ومعهد تكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات، وصولا الى البعد الافريقي للاستراتيجية المغربية من خلال عمل مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة. كل هذه المؤسسات الدينية أدوارها و اختصاصتها لا تتعارض بل تتكامل فيما بينها لتفرز لنا اليوم ما يسمى بهندسة تدبير الحقل الديني تحت توجيهات مؤسسة امارة المؤمنين، التي لها أدوار وظيفية تدبيرية، وهو ما يمنح المغرب، هذا التميز اقليما و دوليا، قلما نجده في تجارب أخرى.

لذلك فان المزاوجة بين المقاربة الأمنية الاستباقية و اعادة هيكلة الحقل الديني، هو الذي يمنح التجربة المغربية في مكافحة التطرف والارهاب هذا الزخم والثراء، والتفرد مقارنة بتجارب اقليمة افريقية أو عربية أخرى، ويجعلها تجربة فضلى تزداد الرغبة من اجل الاستفادة منها، خاصة و أود التأكيد على هذه النقطة أن المغرب انتقل من مرحلة انتظار وقوع الحدث الارهابي و التدخل بعد وقوعه إلى اعتماد استراتيجية استباقية للوقاية لا تكتفي بمحاصرة نتائج الإرهاب والتطرف، بل يوجه الجهود لمعالجة العوامل والأسباب العميقة التي تنتج الفكر المتطرف على جميع المستويات.

أود أيضا الاشارة الى مكسب مهم في تجربة المغرب في التعاطي مع التطرف والارهاب، ويتمثل في كون المملكة انتقلت من المقاربة الأمنية الصرفة إلى مقاربة إدماجية شمولية تراهن على الإنسان، وعلى إمكانية المراجعة الفكرية وإعادة الاندماج داخل المجتمع مجددا. بعد أن كان التركيز في مرحلة أولى منصبا على توقيف المتورطين وتفكيك الخلايا وإدانتهم، تطورت الرؤية المغربية نحو العمل على تأهيل هؤلاء المدانين ومواكبتهم فكريا ونفسيا واجتماعيا داخل المؤسسات السجنية، في إطار برنامج نوعي يسمى “مصالحة” الذي تم اضفاء طابع مؤسساتي عليه من خلال انشاء مركز “مصالحة”.

هذه المقاربة الادماجية حققت نتائج مهمة، من خلال تمكين عدد من المستفيدين من مراجعة قناعاتهم المتشددة، والانخراط مجدداً في المجتمع بروح جديدة قائمة على التعايش و الانضباط للمجتمع وقوانينه ومؤسساته ونظمه، وهو ما مكن العديد من المدانين في قضايا التطرف والارهاب من الاستفادة من العفو الملكي السامي في مناسبات عديدة، مما يؤكد أن قوة النموذج المغربي تكمن في كونه لم يختزل مكافحة التطرف في العقوبة فقط، بل جعل من التأهيل الفكري والمصالحة مع المجتمع مدخلاً أساسياً لتحصين الأفراد من العودة إلى الفكر المتشدد، وهو ما يمنح هذه التجربة المغربية بعدا إنسانيا واستراتيجيا بالغ الأهمية يتجاوز أسوار السجون الى مواكبة المدانين خارجها.

هل تعتقدون أن الفكر المتطرف الذي أنتج “انتحاريي 16 ماي” قد انحسر فعليا، أم أنه أعاد تشكيل نفسه في قوالب رقمية جديدة يصعب رصدها؟
انحسار الفكر المتطرف من عدمه، يمكن النظر اليه من زاوية الوسائل التي تعتمد من أجل التجنيد والاستقطاب والترويج للفكر المتطرف. ما هو مؤكد أن الفكر المتطرف الذي كان يعتمد على الجماعات الصغرى والضيقة باعتماد وسائل تقليدية مباشرة من كتب وأشرطة و منشورات في التعبئة والحشد والتجنيد والاستقطاب، انحسر فعليا بفضل يقظة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المغربية، و أيضا بفضل يقظة المواطنين المغاربة، و الجهود التي بذلتها الدولة طيلة السنوات الماضية في مجالات التربية والتعليم والاعلام، غير أن الطفرة الرقمية الراهنة أعادت كما جاء في سؤالكم تشكيل التطرف في صيغة جديدة يصطلح عليه اليوم ب”التطرف الرقمي” أو “الالكتروني” لايمكن التكهن بتشكلاته المستقبلية لكون العالم الرقمي اليوم مفتوح على جميع الاحتمالات التي تتيحها التكنولوجيا في مجال التطور.

لذلك تعمل الحركات المتطرفة على تطويع التكنولوجيا الرقمية لخدمة أجنداتها و أهدافها التخريبية، حيث تحولت منصات التواصل الرقمي، إلى فضاءات لنفث سم التطرف والكراهية والعنف، و استقطاب مستخدمي الانترنت، خاصة فئة الشباب واليافعين و المراهقين، الذين يعتبرون الفئة الأكثر اقبالا على شبكات التواصل الاجتماعي. مثلما تستخدم التكنولوجيا الرقمية بشكل ايجابي خدمة لأهداف التواصل الانساني بصفة عامة، وجدت الحركات المتطرفة في هذه الامكانيات الرقمية الجديدة فرصة لتحقيق أهدافها الايديولوجية، خاصة أن هذه المنصات تمتاز بخاصيات الجذب و التواصل التفاعلي، والابهار البصري، مما يحقق لها قابلية لدى فئات عريضة من مرتادي المنصات الرقمية، خاصة فئتي الشباب والأطفال عبر استعمال مثلا الألعاب الإلكترونية في نشر الدعاية المتطرفة والتجنيد و الاستقطاب.

هذا الوعي المبكر بأن الفكر المتطرف يبرز على شكل قوالب رقمية جديدة، دفع المديرية العامة للأمن الوطني الى اطلاق المنصة الرقمية “إبلاغ” المخصصة للتبليغ عن المحتويات غير المشروعة على شبكة الأنترنيت، والتي تسمح لمستخدمي شبكة الأنترنيت ورواد مواقع التواصل الاجتماعي بالتبليغ الفوري والآمن عن كل المحتويات الرقمية الإجرامية والعنيفة، أو تلك التي تتضمن تحريضا على المساس بسلامة الأفراد والجماعات، أو تنطوي على إشادة بالإرهاب والتحريض عليه، أو تمس بحقوق وحريات الأطفال القاصرين وغيرهم.

هناك اذن وعي مبكر و استحضار للبعد الرقمي في اعادة تشكل الفكر المتطرف، و وتعزيز التفاعل بين المؤسسة الأمنية ومحيطها المجتمعي، وكذا تطوير آليات عملية وناجعة لمكافحة الجرائم المرتبطة بالتكنولوجيات الحديثة عبر إشراك المواطنين في تحقيق الأمن الرقمي وصيانة الانترنت كفضاء آمن وخال من التهديدات والسلوكيات الإجرامية.

بصفتكم عضواً في منتدى الإنترنت العالمي لمكافحة الإرهاب، كيف تغيرت استراتيجيات الجماعات الإرهابية في استقطاب الشباب المغربي من “الخلايا التقليدية” إلى “الذئاب المنفردة الرقمية”؟
شهدت استراتيجيات الجماعات الإرهابية خلال العقدين الأخيرين تحولا جذريا؛ فبعدما كانت تعتمد على “الخلايا التقليدية” القائمة على اللقاء المباشر، والتجنيد داخل الفضاءات المغلقة، والارتباط التنظيمي الصارم، أصبحت اليوم تميل أكثر إلى نموذج “الذئاب المنفردة الرقمية”، الذي يقوم على الاستقطاب الفردي عن بعد، دون حاجة إلى بنية تنظيمية واضحة أو اتصال مباشر بالقيادات.

في مرحلة ما بعد 16 ماي، كان التجنيد يتم غالبا عبر شبكات محلية محددة: أحياء هامشية، حلقات مغلقة، علاقات شخصية، أو خطاب تعبوي مباشر، لكن تغيرات المعادلة حيث انتقلت الجماعات المتطرفة إلى استثمار البيئة الرقمية بشكل مكثف، مستفيدة من سرعة انتشار المحتوى، ومن الخوارزميات التي تعيد إنتاج ما يصطلح عليه بـ”فقاعات فكرية” مغلقة تسهل عملية التأثير النفسي والفكري على الشباب.

التحول الأخطر في سيرورة استقطاب وتجنيد الشباب نحو الجماعات المتطرفة والارهابية، هو أن التنظيمات لم تعد تبحث دائما عن عضو منضبط تنظيميا، بل عن فرد قابل للتأثر، يمكن دفعه إلى التطرف الذاتي أو تنفيذ فعل عنيف بشكل منفرد دون الحاجة الى العودة الى القواعد كما كان عليه الأمر سابقا، ومن هنا ظهر نموذج “الذئب المنفرد”، الذي قد لا تكون له علاقة تنظيمية مباشرة، لكنه يتشبع بخطاب التطرف عبر الإنترنت، ويتحول إلى مشروع تهديد قائم بذاته.

كما تغيرت أدوات الاستقطاب نفسها، فبدل الخطاب الدعوي التقليدي المتعارف عليها، أصبحت الجماعات المتطرفة توظف تقنيات رقمية حديثة، مثل فيديوهات قصيرة عالية التأثير العاطفي، ألعاب ورموز بصرية، غرف دردشة مشفرة، استغلال قضايا الهوية والتمييز والغضب الاجتماعي، توظيف الذكاء الاصطناعي والتعديل البصري لإنتاج محتويات أكثر جاذبية واحترافية. واللافت أن هذه التنظيمات أصبحت تخاطب الشباب بلغتهم النفسية والثقافية، لا فقط بلغتهم الدينية. فهي تستثمر مشاعر العزلة، وفقدان المعنى، والرغبة في البطولة أو الانتقام الرمزي، وهو ما يجعل المقاربة الأمنية وحدها غير كافية.

المثال على هذا التحول من الخلايا التقليدية الى الذئاب المنفردة الرقمية، هو حالة الشاب الذي تم توقيفه يوم الأحد 10 غشت 2025، بمدينة سطات، من قبل المكتب المركزي للأبحاث القضائية، بناء على معلومات استخباراتية وفرتها مصالح المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، حيث أظهرت الأبحاث أنه قام بالترويج عبر منصات إعلامية لمحتويات تتضمن عمليات إرهابية لمقاتلي ‘داعش’ وأخرى تحرض على تنفيذ مشاريع تخريبية، بعد أن كان على اتصال مع أحد القياديين الميدانيين المغاربيين لتنظيم داعش والذي قام بتحريضه على تنفيذ مشروع إرهابي بالمملكة ومده بمراجع وإصدارات تتطرق لكيفية صناعة المتفجرات.

أحداث 16 ماي تم التخطيط لها في فضاءات مادية؛ اليوم، ما مدى خطورة “الخلايا النائمة افتراضيا”، وكيف يساهم الذكاء الاصطناعي في تعقيد مأمورية رصد خطاب الكراهية؟
خطورة الخلايا النائمة افتراضيا تكمن في كونها تجاوزت الحيز المادي الجغرافي في مجالات الحشد والتعبئة والتجنيد والاستقطاب، لتنتقل في عملها نحو فضاءات رقمية افتراضية، فهذه الخلايا تواكب الطفرة الرقمية المعاصرة، و آخرها بروز الذكاء الاصطناعي، مما يضع الدول و منها المغرب أمام تحديات جديدة ينبغي الاشتغال على مواكبتها بتكوين جيل جديد من الموارد البشرية مؤهلة لمجارة هذه الدينامية المدمرة.

على المستوى الرقمي نحن اليوم أمام أفراد أو مجموعات قد لا تجمعهم علاقة تنظيمية مباشرة مبنية على التسلسل الاداري الهرمي، كما كان عليه الأمر في الفضاءات التقليدية المباشرة، حين كانت اللقاءات تتم بشكل مباشر في أماكن مغلقة، لكن اليوم نحن أمام بروفايلات قد لا تستطيع الوصول الى هويتها و تتلبس على شكل هويات مجهولة داخل فضاءات رقمية مشفرة وعابرة للحدود، ما يجعل عملية الرصد و التتبع أصعب بكثير مما كان عليه الأمر سابقا.

الخطر المحدق يتمثل في كون هذه الخلايا الافتراضية تعتمد على مايسمى بالتخفي ، أي أن مستخدما لموقع أو منصة معينة في الفضاء الرقمي، قد يبدأ بمتابعة محتويات تبدو عادية توفر كل خصائص الابهار البصري والجاذبية التي تبنى عليها المضامين الرقمية، ثم يجد نفسه تدريجيا دون أن يعي ذلك داخل دوائر أو فضاءات أكثر تشددا بفعل الخوارزميات والتوصيات الآلية للذكاء الاصطناعي، إلى أن يصل إلى مرحلة التطبيع مع خطاب الكراهية أو العنف الذي قد يأتي على شكل ألعاب الكترونية مثلا، وهنا مكمن الخطر الحقيقي لأن الشباب والأطفال والمراهقين واليافعين أكثر اقبالا على هذه الألعاب والمضامين التي تقدم على انها ترفيهية أو سياسية أو دينية عادية في الأساس، لكنها في الواقع تنفث خطابات تحرض على التطرف والارهاب والعنف والكراهية.

ما هو مؤكد أن الذكاء الاصطناعي، وامكانياته الهائلة يسهم في اعادة تشكيل المضامين الرقمية، بشكل يصعب معه معرفة هل هي حقيقية أم معدلة، وهو ما أضاف بعدا جديدا للتهديدات الارهابية. اليوم الحركات المتطرفة والارهابية لم تعد تكتفي بإعادة نشر الدعاية التقليدية، بل تشتغل على تطويع أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى أكثر احترافية وإقناعا، بتوظيف أكثر تقنيات الابهار البصري، من خلال إنشاء فيديوهات وصور مفبركة عالية الجودة، تقليد الأصوات والخطب، وتوليد محتوى بلغات متعددة بشكل فوري، و التحايل على أنظمة الرصد عبر تعديل الكلمات والصور والرموز، وهذا ما يعقد مأمورية المنصات الرقمية وأجهزة الرصد المتخصصة في التتبع والتعقب. وضع يفرض على المغرب ضرورة أولا الرصد التكنولوجي عبر تطوير أدوات ذكاء اصطناعي مضادة قادرة على اكتشاف الأنماط الجديدة للخطر الارهابي، و تعزيز تعاونه الدولي المتعدد الأطراف خاصة مع الشركات العالمية في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، خاصة وأن العالم اليوم يعمل على تعزيز التعاون الدولي والمنصاتي بين الحكومات وشركات التكنولوجيا ومنظمات المجتمع المدني، الى جانب ورش يتعين العكوف عليه وهو ضرورة ادماج الثقافة الاعلامية والرقمية في مناهجنا التعليمية على مختلف المستويات من أجل تمنيع الأجيال الناشئة ضد كل أضرب الاختراقات القيمية والسلوكية، وعلى رأسها التطرف والارهاب، في عصر رقمي لا يؤمن بالحدود الجغرافية.

في ذكرى 16 ماي، دائماً ما نستحضر الضحايا؛ كيف يمكن توظيف “شهادات الناجين” وضحايا الإرهاب في المنصات الرقمية لإنتاج خطاب مضاد يؤثر في الأجيال الناشئة؟
سؤال وجيه يفرض نفسه اليوم في عز الثورة الرقمية الحالية التي ينبغي حسن استثمارها بعقلانية قصد بلورة مضامين رقمية بديلة ومضادة لخطابات العنف والتطرف والكراهية، من منطلق أن المعركة مع الحركات المتطرفة هي في واقع الأمر معركة سرديات وخطابات ومضامين تجري أطوارها اليوم على المستوى الرقمي الافتراضي، لذا أعتقد أن توظيف شهادات الناجين وضحايا الإرهاب في الفضاء الرقمي يمكن أن يشكل أحد أكثر الطرق تأثيرا في بناء خطاب مضاد للتطرف على المستوى الرقمي، لأن هذه الشهادات تنقل النقاش من مستوى الترف الفكري حول أسباب وعوامل التطرف والارهاب، على أهمية هذا النقاش، إلى مستوى آخر يغوض في التجربة الإنسانية الحية المؤثرة التي تمتزج فيها الأحاسيس والمشاعر خاصة الحزينة منها، ومعلوم أن الانسان بطبعه يتأثر بمشاعر خاصة اذا كانت صادقة ونابعة من شهادات حية حقيقية معاشة، كما هو الحال بالنسبة للناجين من أحداث الدار البيضاء الأليمة، التي لازالت جرحا لم يندمل في وجدان كل المغاربة.

الطرق التقليدية للتواصل مع الأجيال الحالية التي أسميها ب” الأجيال الرقمية”، خاصة جيلي “ز” و ألفا”، وهي أجيال بالمناسبة لها مميزات خاصة، وانتظارات معينة، وطرق تواصل خاصة، ( الطرق التقليدية ) للتواصل معهم، لم تعد نجدي نفعا في عز انتشار الذكاء الاصطناعي، بتطبيقاته المختلفة، وشبكات التواصل الاجتماعي، لذلك أعتقد أن الأجيال الناشئة تميل أكثر الى شهادات انسانية حية حقيقية نابعة من الواقع، يمكن بلورتها على شكل كبسولات رقمية هادفة حاملة لقيم الحب والسلام والتسامح، تمزج بين مضامين مختزلة ومكثفة المعاني و الدلالة، و مبهرة شكلا تتوفر فيها كل أشكال الجاذبية والابهار البصري، لأن العملة الأثمن في الفضاء الرقمي اليوم هي “شد وجذب الانتباه” ومن يحسن تملك ناصية هذه العملة المؤثرة سيكون له قصب السبق في الفضاء الرقمي بغض النظر عن ما ينشره من مضامين.

لذلك أعتقد أن الورش المضموني على المستوى الافتراضي، ينبغي العكوف عليه قصد بلورة مضامين رقمية هادفة بانية متزنة وسطية معتدلة تبرز من جهة مخاطر التطرف والارهاب، وتعلي من قيم الحب والسلام والتعايش بين الأديان و الثقافات، من جهة ثانية، و الدور منوط هنا بالفاعلين الدينين، و الاعلاميين، و الشباب، والفاعلين في جمعيات المجتمع المدني، وكذا المؤثرين و المؤثرات، و صناع ألعاب الفيديو، وكتاب القصص القصيرة، الذين ينبغي أولا تكوينهم معرفيا وقانونيا في المجالات المتصلة بمكافحة التطرف والارهاب، وبالاستراتيجية المغربية بهذا الخصوص، و بالخصوصيات الدينية للمغرب، و أيضا بناء كفاياتهم التقنية حتى يكونوا مؤهلين معرفيا و تقنيا، لبلورة مضامين رقمية متزنة بانية توظف شهادات الناجين من أحداث 16 ماي الارهابية، وضحايا الارهاب بصفة عامة، توظيفا يراعي خصوصيات وانتظارات مستخدمي الانترنت، خاصة الشباب واليافعين و المراهقين، ويراعي كذلك ما يفرضه الفضاء الرقمي من ابداع في مجالات بناء الخطابات المضادة والبديلة على مستوى الشكل والمضمون، لأن الخطابات المضادة تسهم بشكل كبير في تفكيك المقولات والمفاهيم التي تستند اليها الحركات المتطرفة والارهابية، خاصة كما قلت اذا كانت هذه الخطابات المضادة فعالة وناجعة شكلا ومضمونا تراعي انتظارات مستخدمي الانترنت، خاصة فئة الشباب واليافعين و المراهقين.

ان المطلوب اليوم هو العمل على تفكيك الخطاب المتطرف، عبر تقديم خطاب بديل ومضادة، أصيل ومتزن ووسطي، يزاحم المضامين المتطرفة و الارهابية، داخل الفضاء الرقمي ويعيد الاعتبار لقيم الرحمة والتعايش والاختلاف والتنوع.

هل يمكن القول إن المغرب اليوم، بفضل ترسانته القانونية ومؤسساته (مثل BCIJ)، قد طوى صفحة 16 ماي للأبد، أم أن “السيولة الإرهابية” في منطقة الساحل تفرض تحديات لا يمكن التكهن بها؟
أحداث 16 ماي الارهابية نبهت المغرب الى أن الخطر الارهابي قائم، و أنه من الضروري العكوف قصد استجلاء جميع العوامل والأسباب المؤدية الى التطرف والتطرف العنيف والارهاب، وهو ما نجحت فيه المملكة كما أسلفت الذكر سابقا من خلال اعتماد الاستراتيجية الوطنية المندمجة والشمولية لمكافحة التطرف والارهاب.

لاشك أن جراح أحداث 16 ماي لم تندمل بعد و لازالت حاضرة في المخيال الشعبي لكل المغاربة، غير أن المغرب نجح في تجاوز هذه الذكرى بفضل اللحمة الوطنية بين الشعب وجميع المؤسسات وعلى رأسها المؤسسة الملكية، وهو ما يتضح من خلال نجاح السلطات المغربية في القضاء على أصل التطرف ومظاهر الغلو، من خلال تفكيك عدة خلايا متطرفة وتوقيف عدد من العناصر في مراحل مبكرة دون أي كلفة اجتماعية أو أمنية، لكن الارهاب بطبيعته ظاهرة متحولة وعابرة للحدود الجغرافية لتصل اليوم الى ماهو رقمي باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يطرح تحديات جمة ينبغي على المؤسسات الوصية مواكبتها والقيام بالمتعين ازاءها خاصة على مستوى تكوين الموارد البشرية والتأطير والتأهيل لمواجهة هذه التحديات الرقمية المتزايدة.

لقد نجح المغرب منذ أحداث 16 ماي بالدار البيضاء، في بناء منظومة أمنية وقانونية جعلته من أكثر الدول يقظة وفعالية في مكافحة الخطر الإرهابي، سواء عبر العمل الاستباقي أو تطوير التعاون الاستخباراتي الدولي أو إحداث مؤسسات متخصصة مثل المكتب المركزي للأبحاث القضائية، لكن التحولات الجيوسياسية والإقليمية تجعل التهديد الارهابي، قائما وإن بأشكال مختلفة، كما يؤكد على ذلك المسؤلون الأمنيون المغاربة في مختلف المناسبات التواصلية و الاعلامية.

بالعودة الى التقارير الدولية، نجد أن المغرب مصنف ضمن البلدان الأقل تأثرا بالارهاب على الصعيد العالمي، وفقا لمؤشر الإرهاب العالمي لعام 2026، بعدما حل في المركز الـ100 من أصل 163 دولة، برصيد صفر نقطة، مصنفا ضمن خانة الدول التي تكاد تنعدم فيها التهديدات الإرهابية. لكن ما يعتمل داخل منطقة الساحل من نزاعات و أجندات ورهانات يتقاطع فيها ماهو ايديولوجي بما هو سياسي، بسبب تداخل الإرهاب مع شبكات التهريب والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة والانقلابات السياسية، يفرض على المغرب بحكم موقعه الجغرافي وانخراطه الإقليمي والدولي في مواجهة الخطر الارهابي، ضرورة اليقظة الدائمة والتفكير في الانتقال من منطق مكافحة الإرهاب فقط إلى منطق إدارة المخاطر الأمنية المتغيرة خاصة المخاطر السيبيرانية، لأن الجماعات المتطرفة في الساحل لم تعد تتحرك وفق النموذج التقليدي، بل أصبحت أكثر قدرة على التكيف مع التغيرات الحاصلة أمنيا واستخباراتيا ورقميا، وعلى استثمار الفراغات الأمنية والاجتماعية، بل وحتى التحولات التكنولوجية والرقمية خدمة لأجنداتها ورهاناتها.

اجمالا، يمكن القول أن المغرب نجح في الحد من تكرار سيناريو أحداث 16 ماي الارهابية، لكن يواجه اليوم تهديدات أكثر تعقيدا وأقل قابلية للتنبؤ، خاصة مع التحولات التي تعرفها منطقة الساحل، وتنامي التطرف في بعده الرقمي، وبالتالي فالتحدي الارهابي لازال قائما و يكتسي طبيعة جديدة و بأدوات جديدة، و اليقظة واجبة لمواجهته.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا