بأغلبية مريحة، أسدل الجمع العام الانتخابي للاتحاد العام لمقاولات المغرب الستارَ على مرحلة وفتح أخرى؛ فقد منح المجتمعون، اليوم الخميس بالدار البيضاء، ثقتهم لمهدي التازي رئيسا جديدا للاتحاد، فيما آلت نيابة الرئاسة العامة إلى محمد بشيري.
وعكست نتيجة الاقتراع، التي أسفرت عن 3773 صوتا مؤيدا من أصل 4123 (أي ما يعادل 91 في المائة)، حجم التوافق الذي تمتعت به اللائحة الوحيدة المترشحة، في مشهد يُنبئ بانطلاقة هادئة لمرحلة جديدة تمتد بين 2026 و2029.
لم يكن اختيار الثنائي (التازي وبشيري) محض مصادفة؛ بل جاء تعبيرا عن رؤية مدروسة تجمع بين عالمين متمايزين ومتكاملين في آن واحد: الهندسة المالية والخبرة الصناعية.
فمهدي التازي، الذي أمضى ولايتين متتاليتين نائبا للرئيس إلى جانب شكيب العلج منذ عام 2020، يحمل رصيدا أكاديميا رفيعا تجمع بين دبلوم مدرسة Télécom Paris Sud وماجستير في إدارة الأعمال من معهد INSEAD العالمي، ومسيرة مهنية متشعبة في عالم المال والتأمين.
وقد ترأس التازي، في مرحلة سابقة، شركة “سهام للتأمين” قبل تفويتها إلى المجموعة الجنوب إفريقية Sanlam؛ ليتفرغ، منذ عام 2017، لقيادة مجموعة ASK Capital القابضة، الناشطة في قطاعات التأمين والاستشارة والعقار وخدمات المقاولات. ويُلخص أحد المطلعين على دواليب الاتحاد هذا الاختيار بعبارة جامعة، مفادها: “إنه مرشح مناسب جدا؛ بالنظر إلى تجربته. كما أنه شخصية تحظى بتوافق واسع”.
في المقابل، يُجسّد محمد بشيري صورة المدير الصناعي المخضرم؛ فالرجل الذي التحق بمجموعة “رونو” سنة 2006، وتقلّد على رأسها مناصب إستراتيجية متعاقبة، من بينها قيادة شركة SOMACA (حيث يشغل اليوم منصب المدير العام للمجموعة بالمغرب)، يُحسب له إسهامه الفعلي في بناء قطاع السيارات الوطني الذي أصبح، خلال عقد واحد، ركيزة لا غنى عنها في هيكل الصادرات المغربية.
قبيل إحالة الحضور على جلسة الانتخاب، أخذ شكيب العلج الكلمة لآخر مرة بصفته رئيسا، فجاء خطابه متأرجحا بين استحضار محطات الجمر التي عاشها الاتحاد وبين استشراف آفاق المرحلة المقبلة.
“أتذكر اللحظة التي منحتمونا فيها مسؤولية رئاسة الاتحاد سنة 2020، في وقت كان العالم يدخل مرحلة غير مسبوقة من الاضطرابات”، قال العلج، مستعيدا سنوات الجائحة والتداعيات الاقتصادية التي أعقبتها، ثم الصدمة التي خلّفتها الحرب الروسية الأوكرانية على سلاسل التوريد والأسواق العالمية.
وتوقف الرئيس المنتهية ولايته عند ما آل إليه حال الاتحاد اليوم، من هيئة تمثل قرابة مائة ألف مقاولة، تشكّل المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة 95 في المائة من قاعدتها العضوية.
وأنهى العلج كلمته والدموع تغالبه بشهادة إنسانية لخلفه: “خضنا هذه المغامرة معا من البداية إلى النهاية، ولم يكن بإمكاني أن أحلم برفيق درب أفضل منه”.
في معرض استعراضه لبرنامج الولاية الجديدة، حرص مهدي التازي على التأكيد على أن ما يطرحه لم يُصغ في أروقة المكاتب؛ بل شُيّد لبنة لبنة من خلال جولة ميدانية مكوكية أتاحت له لقاء الفيدراليات القطاعية الـ37 والجهات الـ12 التابعة للكونفدرالية. وانتظم البرنامج حول أربعة محاور إستراتيجية متشابكة.
وبهذا الخصوص، دعا التازي، معلقا على مناخ الأعمال كمحور أول، إلى قطيعة جذرية مع منطق الترخيص المسبق لصالح آليات المراقبة اللاحقة، مع إصلاح شامل للجبايات المحلية وتحديث مدونة الشغل في إطار حوار اجتماعي ثلاثي متوازن يصون حقوق الأجراء ويعزز في الآن ذاته جاذبية بيئة الاستثمار.
وبشأن التنافسية والسيادة الإنتاجية، تعهد الرئيس الجديد بالعمل على رفع نسبة الإدماج المحلي إلى 70 في المائة في القطاعات القابلة لذلك، مستلهما نموذج قطاع السيارات الذي أثبت جدواه.
وعلى صعيد اللوجستيك، لفت التازي الانتباه إلى أن الكلفة اللوجستيكية لا تزال تستنزف نحو 19 في المائة من الناتج الداخلي الخام، مقابل 10 إلى 12 في المائة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، مؤكدا أن تقليص هذا الفارق بات ضرورة لا ترف. أما في ملف الطاقة، فقد رسم هدفا واضحا يتمثل في توفير الكهرباء للمقاولات بكلفة نهائية لا تتجاوز 50 سنتيما للكيلوواط/ساعة.
ومن جهته، يعد الابتكار والذكاء الاصطناعي المحور الأكثر استشرافا في البرنامج، حيث تضمن إطلاق “مختبر المغرب للابتكار”؛ وهو منصة مرتقب افتتاحها عام 2027، ستضطلع بمهمة مواكبة المقاولات في مجالات التميز التشغيلي والأتمتة والرقمنة والذكاء الاصطناعي وإزالة الكربون، مع اهتمام خاص بالمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة.
واستحضر التازي، في شأن الانفتاح على الأسواق الدولية كمحور رابع، رقما لافتا؛ فعلى الرغم من أن الصادرات الوطنية بلغت اليوم مستوى قياسيا ناهز 470 مليار درهم، فإن عدد المقاولات المصدرة لا يتجاوز 6000 مقاولة، وهو ما وصفه بـ”التحدي الحقيقي”.
وفي السياق ذاته، ذكر الرئيس الجديد للاتحاد العام لمقاولات المغرب بثقل الجالية المغربية في الخارج (التي تتجاوز 5.1 مليون شخص)، وتحوّل سنويا ما يزيد على 120 مليار درهم، مشددا على ضرورة استثمار هذا الرصيد الإستراتيجي في دعم الدينامية الاقتصادية الوطنية.
ويتسلم مهدي التازي دفة قيادة اتحاد “باطرونا المغرب” في لحظة مفصلية، حيث تتقاطع رهانات كبرى: استحقاقات كأس العالم 2030، وتسارع وتيرة التحولات التكنولوجية، وإعادة رسم خارطة التجارة الدولية. وسيكون الامتحان الحقيقي في مدى قدرة الثنائي (التازي-بشيري) على ترجمة الخطاب الطموح إلى أثر ملموس في حياة المقاولات، صغيرها قبل كبيرها.
المصدر:
هسبريس