حذر كريم أولديم، رئيس الجمعية المغربية للوراثة الطبية، من اتساع الفجوة الجينومية بين الدول الغنية والدول النامية، مؤكداً أن نحو 80 في المائة من بيانات الجينوم العالمي توجد اليوم بيد الدول المتقدمة، مقابل تمثيلية ضعيفة جداً لإفريقيا والدول ذات الدخل المتوسط، وهو ما يضع المغرب أمام خطر “التبعية التكنولوجية والبيولوجية” في عصر أصبح فيه الجينوم البشري معادلاً استراتيجياً للنفط والذكاء الاصطناعي والمعطيات الرقمية.
واعتبر أولديم، خلال مداخلة ألقاها في ندوة علمية نظمتها اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، الإثنين بالرباط، حول حماية المعلومات الجينومية، أن المغرب يوجد اليوم أمام تحول استراتيجي يفرض عليه الاندماج في عصر “طب الدقة” والبيانات الجينومية والذكاء الاصطناعي، محذراً من أن الجينوم البشري أصبح يعادل في أهميته الاستراتيجية الطاقة والمعطيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، وأن الدول التي لن تطور سيادتها الجينومية ستجد نفسها في وضعية تبعية تكنولوجية وصحية خطيرة.
وأوضح أولديم، “الجينوم البشري والبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي توجد اليوم في قلب الرهانات الصحية الدولية والوطنية”، وقال إن المغرب دخل مرحلة نموذج جديد للمنظومة الصحية، قائم على النموذج التنموي الجديد، وعلى التغطية الصحية الشاملة، والصحة الرقمية، والمريض الرقمي، والبحث العلمي والمهن الجديدة، مشدداً على أن اعتماد هذا التوجه لم يعد خياراً، بل “ضرورة استراتيجية” إذا أراد المغرب أن يحقق الإقلاع والتطور في المجال الصحي والعلمي.
وأضاف أن المؤشرات الديمغرافية والوبائية المغربية تدفع بشكل مباشر نحو تبني “طب الدقة”، بالنظر إلى شيخوخة الساكنة، وتراجع معدل الخصوبة، والانتقال الديمغرافي والوبائي نحو الأمراض المزمنة والعصبية والسرطانات، مشيراً إلى تسجيل حوالي 73 ألف حالة سرطان جديدة سنوياً بالمغرب، وهو ما يفرض بناء منظومة صحية جديدة قائمة على الجينوم والبيانات الضخمة.
وأكد أن المغرب سيكون مجبراً على إنشاء بنوك حيوية ومنظومات لتدبير البيانات الجينومية الضخمة، معتبراً أن التحولات المرتبطة بالخصوبة والأمراض المزمنة والشيخوخة ستجعل من “علم التخلق” والوراثة البشرية مجالات مركزية في الطب الحديث، مضيفاً أن تطبيقات الجينوم البشري أصبحت تشمل مختلف مراحل الحياة، من مرحلة الخلية الواحدة إلى الجينوم ما بعد الوفاة.
وأشار إلى أن الطلب على الخدمات الجينومية بدأ فعلياً بالمغرب، سواء في مرحلة ما قبل الولادة أو لدى حديثي الولادة، مبرزاً أن برنامج الكشف المبكر لحديثي الولادة الذي تعثر بسبب جائحة كورونا سيتم إطلاقه مجدداً، إلى جانب توسع تطبيقات طب الدقة والوراثة الجنائية والطب الشرعي.
وشدد أولديم على أن الجينوم يمثل اليوم “سيادة وطنية”، لأنه يعادل الطاقة والبيانات الرقمية والذكاء الاصطناعي، موضحاً أن الطب الحالي أصبح قائماً على الجينوم والأجهزة المتصلة والملفات الطبية الإلكترونية والمؤشرات الحيوية، لافتاً إلى أن التطور العلمي بات يسمح بالكشف المبكر جداً عن بعض السرطانات مثل سرطان البروستات حتى قبل ظهورها السريري.
وأضاف أن العالم يتجه نحو الطب الشخصي والعلاج الجيني وتقنيات “CAR-T cells”، وأن التحول لم يعد يقتصر على طب الدقة الفردي، بل يشمل أيضاً “طب الدقة في الصحة العامة”، الذي تتبناه منظمة الصحة العالمية باعتباره أحد أهم التحولات في الأنظمة الصحية العالمية.
وأوضح أن الوراثة السريرية الروتينية ستكون بحلول سنة 2030 مدمجة داخل المستشفيات والمراكز الاستشفائية الجامعية والجهات، معتبراً أن انخفاض تكلفة الجينوم إلى أقل من 20 دولاراً سيجعل هذا التحول أمراً واقعاً، وأن الجينوم الكامل سيصبح فحصاً روتينياً مثل التصوير الإشعاعي التقليدي في عدد من الدول.
وأكد أن بناء نظام صحي قائم على الجينوم وطب الدقة يفرض التوفر على بنوك حيوية، ومنظومات ذكاء اصطناعي وطنية مكيّفة مع الخصوصيات الجينية المغربية، وليس مجرد استهلاك لذكاء اصطناعي أجنبي، مشيراً إلى أن المغرب يتوفر على كفاءات كبيرة من المهندسين والأطباء المتخصصين في المعلوميات الطبية، مع وجود تفكير في خلق مسارات تكوين جديدة من قبيل “الطبيب المهندس” و”الطبيب المعلوماتي”.
وتوقف عند رهانات مراكز البيانات، متسائلاً عما إذا كان المغرب يمتلك سياسة استراتيجية حقيقية في هذا المجال، بالنظر إلى الحجم الضخم للبيانات التي ستحتاج إلى التخزين والمعالجة، سواء في قطاع الصحة أو في باقي القطاعات الحيوية.
وقال إن الجينوم البشري أصبح يعادل البترول وأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، مضيفاً أن العالم دخل مرحلة يعتبر فيها الجينوم “تراثاً” استراتيجياً، خاصة عندما يرتبط بمعطيات سريرية تخص أفراداً أو ساكنة معينة، ما يجعله معطى شديد الحساسية.
وفي سياق حديثه عن الاختلالات العالمية، أوضح أن 80 في المائة من البيانات الجينومية العالمية توجد في الدول الغنية، بينما لا تمثل الدول ذات الدخل الضعيف والمتوسط سوى أقل من 5 في المائة، ما يعني غياب تمثيلية حقيقية لبيانات الشعوب الإفريقية والعربية، ومن ضمنها المغرب.
وأشار إلى أن الصين استثمرت بشكل ضخم في هذا المجال، مع توقع وصول استثماراتها إلى 9.2 مليار دولار بحلول سنة 2030، معتبراً أن توجه الصين نحو هذا القطاع يحمل دلالات استراتيجية واضحة، خصوصاً في ظل التنافس العالمي المتزايد بين الصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حول البيانات الجينومية والتكنولوجيا الحيوية.
وأكد أن المغرب مطالب بالاهتمام بالبيانات الجينومية لأنها تمثل “مغرب الغد”، موضحاً أنها ستسمح بتطوير أدوية مكيّفة مع الخصوصيات الجينية الوطنية، وبتطوير ذكاء اصطناعي طبي وعلاجات جينية وصناعة بيوتكنولوجية مغربية، إضافة إلى الطب التنبئي وعلم الصيدلة الجيني، معتبراً أن كل ذلك يدخل ضمن أدوات السيادة الوطنية.
وأوضح أن تكلفة الجينوم الكامل ستواصل الانخفاض، وأن تقنيات الوراثة الكلاسيكية ستصبح تدريجياً أقل استعمالاً أمام الانتشار الواسع للجينوم الكامل الذي تحول بالفعل إلى روتين طبي في بعض الدول.
وأشار إلى أن المعهد الوطني للصحة بات يعتبر البيانات الجينومية معطيات يجب أن تخضع لوصول مراقب وأمن معزز وقيود مرتبطة ببعض الدول، بالنظر إلى الحساسية العالية للبيانات “الأوميكية” والميكروبيوم والبيانات البيومترية والصور الطبية، محذراً من أن قرصنة الملفات الجينومية قد تتحول إلى “عمل حربي”.
وأكد أن الانفتاح والتعاون الدولي يظلان ضروريين، لكن ضمن معايير وتقنين واضح يحدد كيفية استعمال المعطيات والعائد الاستراتيجي والاقتصادي منها، لافتاً إلى أن أوروبا تعيش بدورها هواجس مرتبطة بالتبعية التكنولوجية وتسريب البيانات وهيمنة الشركات الأجنبية الكبرى.
وأضاف أن الصين تجاوزت حالياً عتبة 10 ملايين جينوم تم تسلسله، مقابل حوالي مليون في الولايات المتحدة و600 ألف في الاتحاد الأوروبي، مشيراً إلى أن الطب المعتمد على الجينوم بات قائماً على “بيانات الحياة الواقعية” التي تسمح بتتبع المؤشرات الصحية والأوبئة بشكل آني.
وأوضح أن هذه المعطيات تمكن من رصد الأمراض المعدية في المطارات، وتتبع بدايات الأوبئة، ورسم خرائط انتشار بعض الأمراض مثل سرطان الثدي، وتحديد أسباب ارتفاعها في مناطق معينة، معتبراً أن طب الدقة في الصحة العامة أصبح أداة مركزية للكشف والوقاية والمراقبة والاستجابة الوبائية.
وأكد أن الاستجابة للأوبئة لم تعد مرتبطة فقط بالعامل الممرض، بل أيضاً بطريقة تفاعل جسم الإنسان مع العدوى، وهو ما يجعل امتلاك البيانات الجينومية أمراً ضرورياً لتوقع عدد الحالات المعقدة والاستعداد لها على مستوى الإنعاش والمنظومة الصحية.
وحذر أولديم من المخاطر الاستراتيجية التي قد تواجه المغرب إذا لم يطور سياساته الجينومية، من بينها التبعية التكنولوجية في معدات التسلسل والكواشف، وإشكالية تخزين البيانات السحابية، واستعمال أنظمة ذكاء اصطناعي مستضافة خارج المغرب، واستضافة البيانات الجينومية الوطنية خارج السيادة المغربية، إضافة إلى المخاطر السيبرانية البيولوجية المرتبطة بالقرصنة والتسريب والاستعمال العسكري المحتمل.
كما نبه إلى استمرار اللامساواة العالمية في البيانات الجينومية، مشيراً إلى أن إفريقيا لا تمثل سوى حوالي 2 في المائة من البيانات العالمية، ما يعني أن القارة “لا تعرف جينومها” بالشكل الكافي.
ودعا إلى التحكم في التشخيص والوقاية وطب الدقة، والاستعداد الاستباقي للتحولات الديمغرافية المرتبطة بالشيخوخة، وتعزيز السيادة الرقمية والعلمية، ومعالجة إشكالية الخصوبة، ووضع إطار قانوني منظم للوراثة، معتبراً أن المغرب يعيش حالياً وضعية “صفر تقنين” في هذا المجال.
كما شدد على أهمية الأمن السيبراني الجيني وتكوين الخبراء، داعياً إلى تكييف السياسات الجينومية مع المعطيات الاستراتيجية لمغرب 2050، والاعتماد على السيادة الصحية والتراث الجيني والبحث والابتكار لبناء “طب دقة للشخص وصحة دقيقة للدولة”، بما ينسجم مع التوجهات الملكية المرتبطة بالسيادة وأمن الأمة.
المصدر:
العمق