في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
قدمت اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (CNDP)، يومه الإثنين في ندوة علمية، حصيلة عمل استراتيجي امتد على مدى سنتين (2023-2025) حول موضوع “حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي والمعلومات الجينومية”، في إطار ورش وطني يروم بلورة منظومة قانونية وأخلاقية قادرة على مواكبة التطور العلمي السريع في هذا المجال، مع ضمان حماية صارمة لخصوصية المواطنين وسيادة الدولة الرقمية على بياناتها الحساسة.
وجاء هذا اللقاء العلمي ثمرة عمل تشاركي واسع ضم خبراء في علم الوراثة معتمدين من وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، إلى جانب ممثلين عن المديرية العامة للأمن الوطني والدرك الملكي، فضلاً عن باحثين وأكاديميين متخصصين في الطب الجينومي والطب الشرعي وعلوم البيانات الحيوية.
وتميزت أشغال الندوة بمداخلات علمية وتقنية سلطت الضوء على الاستخدامات الطبية والجنائية المتزايدة للبيانات الجينومية، وعلى التحديات القانونية والأخلاقية المرتبطة بها، في ظل تطور تقنيات التحليل الجيني وتوسع تطبيقاته في الطب الدقيق والبحث العلمي والعدالة الجنائية.
وفي هذا الصدد، أكد رئيس اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، عمر السغروشني، أن هذا الورش يتجاوز البعد التقني الضيق ليطرح إشكالات استراتيجية مرتبطة بالسيادة الصحية والتحول الرقمي وحماية المعطيات ذات الحساسية العالية، مبرزاً أهمية تأطير هذا المجال وفق مقاربة قانونية صارمة توازن بين الابتكار العلمي وحماية الحقوق الأساسية للأفراد.
وشكل عرض التوصيات الـ17 محطة مركزية في أشغال هذه الندوة، حيث تم تقديم إطار مرجعي شامل يؤطر معالجة البيانات الجينومية في المغرب وفق مقاربة تدمج بين البعد العلمي والقانوني والأخلاقي.
حماية المعطيات الجينومية بين التحول العلمي والإطار القانوني
انطلقت التوصية الأولى من اعتبار الجينوم البشري معطى استراتيجياً يستوجب حماية خاصة، مع التأكيد على ضرورة احترام القوانين المتعلقة بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، والالتزام بالمبادئ الأخلاقية والحقوق الأساسية، وفي مقدمتها حماية الحياة الخاصة للأفراد، عبر ضمان عدم إمكانية إعادة ربط المعطيات الجينومية بهوية الشخص المعني، واعتماد تقنيات فعالة لإخفاء الهوية أو فصلها عن المعطيات التعريفية المباشرة.
كما شددت هذه التوصية على ضرورة الوقاية من كل أشكال التمييز أو الاستعمال التعسفي للمعطيات الجينية، خاصة ما قد يرتبط بالتمييز العرقي أو الاجتماعي أو الصحي، مع التأكيد على مبدأ السيادة الوطنية والرقمية في تدبير وتخزين المعطيات الجينومية، وعدم إخضاعها لأي تحويل أو معالجة خارج الإطار القانوني والمؤسساتي الوطني، مع فرض تأطير صارم لجميع عمليات جمع وتحليل وتخزين هذه المعطيات.
وفي ما يخص التوصية الثانية المتعلقة بالموافقة، فقد أكدت على أن أي معالجة للمعطيات الجينومية يجب أن تكون مسبوقة بموافقة حرة ومستنيرة ومحددة ومكتوبة وموثقة وقابلة للتتبع، سواء في سياق البحث العلمي أو التشخيص الطبي، مع إلزامية أن تكون هذه الموافقة مبنية على فهم كامل وواضح من طرف الشخص المعني للغايات والمخاطر والفوائد المرتبطة باستخدام معطياته الجينية.
وشددت التوصية نفسها على أن الموافقة يجب أن تكون مرتبطة بهدف محدد بدقة، وألا تُستعمل المعطيات خارج الإطار الذي منحت من أجله، مع التأكيد على أن المعطيات الجينومية لا تقتصر على الحمض النووي (ADN) فقط، بل تشمل أيضاً الحمض النووي الريبي (ARN)، والبروتينات، والميتوبولوم، باعتبارها مكونات مترابطة تشكل منظومة تحليلية واحدة. كما نصت على أن غياب الموافقة يجعل أي معالجة لهذه المعطيات غير قانونية، باستثناء الحالات التي ينص عليها القانون في إطار المصلحة العامة وبمقتضى إجراءات تنظيمية دقيقة.
أما التوصية الثالثة فقد ركزت على ضرورة احترام الحماية الأخلاقية والقانونية أثناء مختلف مراحل الاستكشافات الجينومية، مع التأكيد على صون الكرامة الإنسانية وعدم استعمال المعطيات الجينية في أي سياق يمس بها، إضافة إلى تعزيز حماية الفئات الهشة، وضمان احترام الحياة الخاصة، وترسيخ مبادئ العدالة والإنصاف وعدم التمييز في جميع مراحل البحث والمعالجة.
وفي التوصية الرابعة، تم التأكيد على ضرورة تأطير كامل لمسار معالجة المعطيات الجينومية بشكل قانوني ودقيق، ابتداءً من الوصفة الطبية، مروراً بالموافقة المستنيرة، ثم جمع العينات البيولوجية ومعالجتها وتحليلها، وصولاً إلى تفسير النتائج وتخزينها وتداولها وأرشفتها، مع ضمان التتبع الكامل لكل مرحلة، وتأمين البيانات ضد أي اختراق أو استعمال غير مشروع، وتحديد المسؤوليات بدقة في كل حلقة من حلقات هذا المسار.
وفي ما يخص التوصية الخامسة، فقد نصت على حصر أغراض معالجة المعطيات الجينومية في ثلاثة مجالات أساسية، أولها الرعاية الطبية الشخصية بما يشمل التشخيص والتتبع والوقاية من الأمراض، وثانيها البحث العلمي الخاضع للضوابط الأخلاقية والمؤسساتية وتحت رقابة الجهات المختصة، وثالثها الاستخدامات القانونية المرتبطة بالتحقيقات القضائية وفق ما ينص عليه القانون الجنائي، مع التأكيد على أن أي معالجة خارج هذه الأطر يجب أن تكون مؤطرة بنص قانوني صريح يضمن حماية الحقوق الأساسية للأشخاص المعنيين.
أما التوصية السادسة فقد ركزت على قواعد حفظ المعطيات الجينومية وإتلافها ومشاركتها، حيث أكدت على ضرورة عدم الاحتفاظ بهذه البيانات إلا للمدة الزمنية الضرورية المحددة سلفاً، مع إلزامية إتلافها بشكل آمن أو أرشفتها وفق شروط تضمن سريتها وسلامتها وقابليتها للتتبع بعد انتهاء الغرض منها.
كما شددت على أن مشاركة المعطيات الجينية يجب أن تتم في إطار احترام صارم للمبادئ الأخلاقية والقانونية، مع تفضيل استعمال تقنيات إخفاء الهوية أو التمويه الجيني أو الإخفاء الكامل للهوية، وضرورة إبرام اتفاقيات واضحة تحدد شروط النقل والاستخدام والجهة المستقبلة، مع التأكد من احترامها لمعايير حماية المعطيات.
كما أكدت التوصية على أن نقل البيانات بين المختبرات أو المؤسسات، سواء على الصعيد الوطني أو الدولي، يجب أن يخضع لرقابة صارمة، مع ضرورة التحقق من أن الدولة أو المؤسسة المستقبلة تتوفر على منظومة قانونية وأخلاقية مماثلة، على غرار ما تقوم به اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي. وشددت على أن الغاية من هذا التأطير ليست المنع، بل التنظيم، بما يضمن استمرار البحث العلمي والتعاون الدولي في إطار آمن ومسؤول.
ضمانات أخلاقية وتقنية لحماية البيانات الجينية
في التوصية السابعة، تم التأكيد على ضرورة اعتماد موافقة مستنيرة ديناميكية، أي قابلة للتحديث والتعديل، بحيث يتم الرجوع إلى الشخص المعني كلما تم تغيير بروتوكول البحث أو توسيع مجاله، مع منح هذا الشخص الحق الكامل في سحب موافقته في أي وقت، وما يترتب عن ذلك من إيقاف فوري للمعالجة أو إتلاف البيانات والعينات المرتبطة بها.
أما التوصية الثامنة فقد ركزت على تأمين نقل المعطيات الجينومية بين المختبرات داخل التراب الوطني، مع إلزامية احترام قواعد الحماية والسرية والتتبع، واعتماد تقنيات إخفاء الهوية كخيار أساسي، خاصة في المشاريع متعددة المراكز، مع التشديد على ضرورة تأمين القنوات التقنية المستخدمة في النقل.
وفي التوصية التاسعة، تم التأكيد على مبدأ التناسب في معالجة المعطيات، عبر الاقتصار على البيانات الضرورية فقط لتحقيق الغرض المحدد، مع تبسيط المساطر المتعلقة بممارسة الحقوق، وضمان الشفافية في تدبير المعطيات، بما يتماشى مع مقتضيات القانون 09-08.
أما التوصية العاشرة، فقد حمّلت المسؤول عن معالجة البيانات مسؤولية قانونية كاملة في حالة نقلها أو مشاركتها، مع إلزامه بضمان احترام جميع معايير الحماية التقنية والقانونية، والتأكيد على ضرورة إبرام عقود واضحة تحدد المسؤوليات بين الأطراف، مع منع أي استعمال خارج الإطار المتفق عليه، خاصة في العلاقة مع الشركات الخاصة أو الفاعلين الاقتصاديين.
وفي التوصية الحادية عشرة، تم التأكيد على ضرورة ضمان السرية وإدارة الولوج إلى المعطيات الجينومية عبر أنظمة دقيقة لمراقبة الدخول، مع تسجيل كل العمليات وتحديد هوية كل مستخدم ووقت الولوج ومكانه، بما يعزز الشفافية والمساءلة.
وفي التوصية الثانية عشرة، تمت مناقشة مسألة الاختبارات الجينية المباشرة للمستهلك، مع التأكيد على ضرورة إخضاعها لتأطير قانوني صارم يضمن حماية المستهلكين، في ظل توسع هذا السوق عالمياً، وما يطرحه من إشكالات مرتبطة بالأصل الجيني والتغذية والصيدلة الجينية.
أما التوصية الثالثة عشرة فقد أكدت على ضمان حقوق الأشخاص المعنيين كاملة، بما في ذلك الحق في الولوج والتصحيح والاعتراض، مع إمكانية سحب الموافقة في أي وقت، وما يترتب عن ذلك من وقف فوري للمعالجة.
وفي التوصية الرابعة عشرة، تم التشديد على ضرورة اعتماد ممارسات جيدة في أمن المعلومات، تضمن سلامة البيانات ودقتها، وتأمين البنيات التقنية المستعملة، سواء في التخزين أو المعالجة أو النقل، مع منع استعمال وسائط غير مؤمنة لنقل البيانات الجينومية.
وفي التوصية الخامسة عشرة، تم التأكيد على أنه في حال تغيير الغاية الأصلية لمعالجة البيانات أو إضافة أغراض جديدة، فإنه يجب العودة للحصول على موافقة جديدة، مع منع أي استعمال خارج الغاية الأصلية المحددة سلفاً.
أما التوصية السادسة عشرة فقد شددت على منع أي شكل من أشكال التمييز المبني على المعطيات الجينومية، مع ربط ذلك بالمقتضيات القانونية الوطنية المتعلقة بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي.
وفي التوصية السابعة عشرة والأخيرة، تم التأكيد على أن أي معالجة للبيانات الجينومية، بالنظر إلى طبيعتها الحساسة، يجب أن تكون مسبوقة بترخيص من اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، وفق ما ينص عليه القانون 09-08، مع ضرورة أن يتضمن ملف الطلب جميع المعطيات المتعلقة بالغاية وفئات البيانات وإجراءات الحماية وكيفية جمع الموافقة، بما يتيح للـ”CNDP” تقييم مدى احترام المعايير القانونية والأخلاقية المعتمدة.
المصدر:
العمق