بقلم: الدكتور جمال العزيز
أضحت قراءة حصيلة العمل الحكومي مدخلا أساسيا لفهم دينامية التحول التي يعرفها الفعل السياسي المغربي في سياق دولي ووطني متداخل ،تتحمل فيه الأحزاب السياسية المسؤولية الكاملة(أغلبية ومعارضة )؛ وفي هذا الإطار، يبرز دور حزب التجمع الوطني للأحرار كفاعل سياسي تمكن من هندسة الإنجازات ، في مرحلة اتسمت بتعقيدات اقتصادية وجيوسياسية غير مسبوقة.
ففي ظل تداعيات ما بعد جائحة كورونا ، وارتفاع منسوب التحديات المرتبطة بأسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد، وجدت الحكومة نفسها أمام اختبار حقيقي لتحويل البرنامج الحكومي إلى نتائج ملموسة. وهنا تتجلى خصوصية تجربة حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي انخرط في التدبير باعتماد الواقعية و التدرج والإستباق، وربط السياسات العمومية بأثرها المباشر على المواطن.
لقد شكلت تجربة الحزب داخل الحكومة برئاسة السيد عزيز أخنوش، نموذجا لتدبير يقوم على الوضوح، وفي مقدمتها الإنخراط في بناء الدولة الإجتماعية وتعزيز الإستثمار ، ودعم المقاولة الوطنية، وتحقيق توازن دقيق بين متطلبات الإستقرار الإقتصادي وانتظارات المواطنين. وهي اختيارات لم تكن سهلة في سياق متقلب، لكنها عكست قدرة على اتخاذ القرار في اللحظة المناسبة، والإنخراط في إصلاحات ذات بعد بنيوي.
فورش تعميم التغطية الصحية لفائدة ما يفوق 22 مليون مغربي، وإطلاق برنامج الدعم الإجتماعي المباشر لفائدة ملايين الأسر، إلى جانب توسيع قاعدة التعويضات العائلية، كلها مؤشرات تؤكد أن المغرب دخل مرحلة جديدة في إعادة بناء العقد الإجتماعي على أسس الإنصاف والكرامة وتكافؤ الفرص.
وعلى المستوى الإقتصادي، تم الحفاظ على توازنات الإقتصاد الوطني (رغم الضغوط الخارجية )، من خلال رفع حجم الإستثمار العمومي إلى مستويات قياسية تجاوزت 300 مليار درهم سنويا، وإطلاق صندوق محمد السادس للإستثمار كرافعة استراتيجية لدعم 1500 مقاولة مغربية للخمس سنوات القادمة،لبناء قاعدة مقاولاتية تنافسية مهيكلة ومستدامة، تتيح بروز مقاولات قادرة على الإستيعاب الفعال للموارد التي تحشدها صناعة رأسمال الإستثمار وتحفيز القطاع الخاص، لتعزيز النسيج الإقتصادي والحفاظ على ديناميته.
وفي القطاع الفلاحي، تم الحفاظ على استقرار الأسواق ودعم الفلاحين، في حين عرف قطاع السياحة انتعاشا ملحوظا، باستعادة مستويات مهمة، ما يعكس قدرة الإقتصاد الوطني على التعافي. كما تواصلت الإستثمارات في البنيات التحتية، من طرق وموانئ وطاقات متجددة، لتعزيز تموقع المغرب كقطب إقليمي صاعد.
وفي قلب هذه الدينامية، امتد دور حزب التجمع الوطني للأحرار إلى إعادة تشكيل الفعل العمومي، بترسيخ مقاربة تقوم على النجاعة، والتقائية السياسات العمومية وربط المسؤولية بالمحاسبة. وهو ما أفرز دينامية إصلاحية متدرجة على أرض الواقع.
كما تميز حضور وزراء الحزب بقدر كبير من الواقعية والإلتصاق بالميدان، من خلال تتبع المشاريع، والتفاعل مع الإكراهات، والحرص على تنزيل البرامج وفق رؤية واضحة، وهو ما مكن من تحقيق تقدم ملموس في عدد من الأوراش.
إن هندسة الإنجاز، مرتبطة بترسيخ الثقة والوضوح في الرؤية وملامسة أثر السياسات العمومية في الحياة اليومية للمواطن.
ومن هنا، يبرز التحدي الحقيقي أمام حزب التجمع الوطني للأحرار ، في بناء الثقة المستدامة و تطوير الأداء التواصلي، وتحويل لغة الأرقام إلى خطاب مبسط، قادر على شرح السياسات العمومية وتقريبها من المواطن.
وفي سياق مواز، تظل الجهوية المتقدمة والتنمية الترابية المندمجة مدخلا أساسيا لتعميق أثر السياسات العمومية، حيث تتيح هذه المقاربة ربط القرار المركزي بحاجيات المجال، وتمكين الجهات من لعب دور محوري في تحقيق التنمية . وهو ورش استراتيجي يتطلب تعبئة نخب قادرة على التدبير والإستشراف والتفاعل مع خصوصيات كل مجال.
كما أن التحولات الجيوسياسية المتسارعة تفرض على الفاعل السياسي امتلاك رؤية استباقية، قادرة على التكيف مع المتغيرات،واستثمار الفرص التي تتيحها، بما يعزز تموقع المغرب إقليميا ودوليا. وهو ما يستدعي تكامل الأدوار بين الفعل الحكومي، والدبلوماسية الرسمية والمبادرات الحزبية، في إطار رؤية وطنية منسجمة.
وفي هذا السياق، يظل حزب التجمع الوطني للأحرار مطالبا بتعميق هذا المسار(مسار المستقبل)، لتعزيز موقعه كفاعل سياسي وطني قادر على مواكبة رهانات المرحلة وتأطير المستقبل. فالتحدي اليوم هو ضمان استمرارية الإنجاز، وتحويله إلى رصيد من الثقة المتجددة.
إن التجربة التي راكمها الحزب داخل الحكومة تؤكد أن كل هاته الإنجازات محطة ضمن مسار أوسع يتجه نحو بناء ثقة مؤسساتية مستدامة لمغرب المستقبل يحسن تنزيل الرؤية الملكية المتبصرة لصناعة الأثر.
المصدر:
هبة بريس