أكدت الحكومة أنها تمكنت، خلال الولاية الحكومية الحالية، من تحقيق مسار تراجعي واضح في معدلات التضخم، حيث انتقل هذا المؤشر من 6,6% سنة 2022 إلى 0,8% خلال سنة 2025، معتبرة أن هذا التحول يعكس نجاعة السياسات المعتمدة في كبح ارتفاع الأسعار والحد من تداعيات الظرفية الاقتصادية الدولية، بما ساهم في التخفيف من الضغوط التي عرفتها القدرة الشرائية للأسر خلال السنوات الأخيرة.
وأبرزت الحكومة، في وثيقة صادرة عن رئاسة الحكومة حول حصيلة عملها في الخمس سنوات الماضية، تتوفر جريدة “العمق” على نسخة منها، أن هذا المسار جاء في سياق دولي ومحلي اتسم بصدمات متتالية، من بينها التوترات الجيو-استراتيجية الناتجة عن النزاع الروسي-الأوكراني، وما ترتب عنها من ارتفاع غير مسبوق في أسعار الطاقة والمواد الغذائية عالمياً، إضافة إلى تأثير الإجهاد المائي وتوالي سنوات الجفاف على الإنتاج الوطني والأسعار الداخلية.
وأضافت الوثيقة أن معدل التضخم العالمي بلغ 8% سنة 2022 قبل أن يتراجع إلى 5,9% سنة 2023 ثم إلى 3% سنة 2024، في حين سجل المغرب بدوره منحى مماثلاً مع تسجيل 6,6% سنة 2022، قبل أن يشهد تراجعاً تدريجياً بوتيرة أسرع مقارنة بعدد من الاقتصادات، ليستقر عند 0,8% سنة 2025، مع تسجيل انخفاض إضافي في المعدل التراكمي للتضخم إلى ناقص 0,7% إلى غاية نهاية فبراير 2026 مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
وفي هذا السياق، اعتبرت الحكومة أن التحكم في التضخم شكل أحد المداخل الأساسية لحماية القدرة الشرائية، إلى جانب إجراءات مرتبطة بدعم الدخل وتحسين الطلب الداخلي، حيث سجل هذا الأخير نمواً سنوياً متوسطاً في حدود 4,6% خلال الفترة 2021-2024، مدعوماً بزيادة الأجور وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج، وهو ما انعكس على مساهمة الطلب الداخلي في النمو الاقتصادي.
كما أوضحت الوثيقة أن الدينامية الاقتصادية الوطنية عرفت دعماً متزايداً من خلال صمود الاقتصاد في وجه الظرفية الصعبة، حيث تمكن من الحفاظ على استقرار نسبي في مسار النمو، مع الانتقال نحو مرحلة تقوم على تنويع القاعدة الإنتاجية وتعزيز تنافسية الصادرات وتطوير الاستثمار المنتج، بما يؤشر على دخول الاقتصاد الوطني دورة توسع أكثر توازناً.
وخلال الفترة الممتدة بين 2021 و2024، سجل الاقتصاد الوطني أداءً اعتبرته الحكومة إيجابياً داخل محيط إقليمي ودولي صعب، إذ تمكن من تحقيق معدلات نمو تفوق المتوسط الإقليمي، مستفيداً من تحسن أداء قطاع الخدمات الذي ارتفع بمتوسط 5,5% سنوياً، إلى جانب تحسن القطاع الثانوي بمتوسط 1,1%، مع تسجيل تسارع مهم سنة 2024 بلغ 4,2%.
وسجلت الصناعات التحويلية بدورها تحسناً ملحوظاً، حيث ارتفعت أنشطة النقل بنسبة 9,5%، والنسيج بـ3,7%، والمنتجات الغذائية بـ2,8%، والصناعات الكيماوية بـ2,3%، في حين عرف قطاع البناء والأشغال العمومية استقراراً قبل أن يسجل انتعاشاً بنسبة 5% خلال سنة 2024.
كما بلغ الناتج الداخلي غير الفلاحي نمواً بنسبة 4,8% خلال سنة 2024، وهو من أعلى المستويات المسجلة خلال الفترة 2015-2024 باستثناء سنة 2021، مع تسجيل متوسط نمو سنوي في حدود 4,8% خلال الفترة 2021-2025، ما يعكس، وفق الوثيقة، متانة القاعدة الإنتاجية غير الفلاحية ودورها في دعم النمو الاقتصادي.
وفي ما يتعلق بسوق الشغل، أفادت الحكومة بأن الدينامية غير الفلاحية ساهمت في خلق حوالي 850 ألف منصب شغل صافٍ خلال الفترة 2021-2025، أي بمعدل 170 ألف منصب سنوياً، مقابل 64 ألف منصب خلال الفترة 2011-2016 و90 ألفاً بين 2017-2021، رغم فقدان حوالي 526 ألف منصب شغل في القطاع الفلاحي نتيجة الجفاف، أي بمعدل 105 آلاف منصب سنوياً.
وفي جانب الاستثمار، سجلت الوثيقة أن الاستثمار العمومي عرف ارتفاعاً ملموساً من 230 مليار درهم سنة 2021 إلى 380 مليار درهم سنة 2026، أي بزيادة بنسبة 61% مقارنة مع الفترة 2017-2021، ما يعكس، حسب الحكومة، تعزيز دور الدولة في تحفيز النمو الاقتصادي.
أما على مستوى الطلب الخارجي، فقد ارتفعت صادرات السلع والخدمات بمتوسط سنوي بلغ 11,1% خلال الفترة 2021-2024، في مقابل ارتفاع الواردات بنسبة 10,1%، نتيجة ارتفاع الأسعار العالمية، فيما يُتوقع أن تواصل الصادرات ديناميتها بنسبة 6,7% خلال سنتي 2025 و2026، مدعومة بقطاعات السيارات والطيران والإلكترونيات.
وفي المقابل، يُنتظر أن ترتفع الواردات بنسبة 10,8% خلال الفترة نفسها، بفعل زيادة واردات المواد الغذائية ومعدات التجهيز والمنتجات نصف المصنعة.
كما أشارت الوثيقة إلى احتضان المغرب للاجتماعات السنوية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي بمدينة مراكش ما بين 9 و15 أكتوبر 2023، بمشاركة أكثر من 14 ألف مشارك من 189 دولة، معتبرة هذا الحدث مؤشراً على تعزيز موقع المملكة كفاعل اقتصادي ومالي على الصعيد الدولي.
وبخصوص تدابير الدعم الموجهة لمهنيي النقل، فقد قامت الحكومة خلال سنة 2022 بإقرار دعم استثنائي موجه لقطاع النقل الطرقي، نظراً لاستمرار تجاوز متوسط أسعار الغازوال والبنزين لمستويات ما قبل جائحة كوفيد-19، وذلك من أجل ضمان استقرار أسعار نقل الأشخاص والبضائع. وقد بلغ إجمالي قيمة الدعم المخصص لهذا الغرض 8.63 مليار درهم، منذ مارس 2022 إلى غاية ماي 2024.
كما شكلت الحكومة لجنة وزارية مكلفة بتتبع تداعيات التوترات الجيوسياسية بالشرق الأوسط على الاقتصاد الوطني وسبل حماية القدرة الشرائية للمواطنين من تداعياتها، لاسيما مع استمرار حالة اللايقين التي يعرفها العالم، حيث واصلت الحكومة دعم غاز البوتان الذي عرفت أسعاره في السوق الدولية ارتفاعاً بأزيد من 68 في المائة منذ اندلاع الأزمة، دون المساس بالسعر الحالي لقنينة غاز البوتان كما تمت مواصلة دعم أسعار فاتورة الكهرباء للحفاظ على نفس التسعيرة.
وفي ظل الارتفاع الحاد للمواد البترولية في الأسواق الدولية، وتأثيرها على السوق الوطنية، أقرت الحكومة دعماً استثنائياً جديداً لمهنيي النقل الطرقي تشمل النقل العمومي للمسافرين، النقل المزدوج بالعالم القروي، نقل البضائع لحساب الغير، نقل المستخدمين لحساب الغير، النقل المدرسي والنقل السياحي، سيارات الأجرة من الصنف الأول والثاني، وحافلات النقل الحضري، بهدف ضمان تموين الأسواق بشكل اعتيادي ومنتظم، وتأمين استمرار خدمات النقل العمومي، بنفس التسعيرة ودون أي زيادة على المواطنين.
كما شملت هذه الإجراءات الحكومية دعم الكتب المدرسية من أجل ضمان استقرار أثمنتها في مواجهة ارتفاع الأثمنة العالمية للورق، حيث عملت الحكومة خلال الفترة الممتدة من الموسم الدراسي 2022-2023 إلى غاية الموسم الدراسي 2024-2025، على دعم الكتب المدرسية بغلاف مالي يناهز 281 مليون درهم، وبذلك يغطي الدعم الأحادي 25% من ثمن بيع الكتاب المدرسي للعموم.
وتخلص الحكومة إلى أن مسار السنوات الخمس الماضية اتسم بتقلبات حادة فرضتها الظرفية الدولية والجفاف، غير أن السياسات الاقتصادية المتبعة سمحت، وفق رؤيتها، بكبح التضخم تدريجياً، ودعم القدرة الشرائية، وتعزيز صمود الاقتصاد الوطني في مواجهة الأزمات.
المصدر:
العمق