أكدت الحكومة أنها تمكنت من الحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية وتعزيزها خلال الولاية الحكومية الحالية، من خلال انتقال معدل النمو الاقتصادي من 1,8% إلى 4,8%، رغم ما وصفته بثلاث صدمات كبرى طبعت الظرفية الدولية والداخلية.
وأبرزت الحكومة، في وثيقة صادرة عن رئاسة الحكومة حول حصيلة عمل الحكومة في الخمس سنوات الماضية، تتوفر جريدة “العمق” على نسخة منها، أن هذا السياق الدولي والداخلي المعقد فرض اعتماد حكامة مرنة وفعالة في تدبير السياسات العمومية، مكنت من التخفيف من آثار التضخم المستورد واحتواء ارتفاع الأسعار الداخلية، مع الحفاظ على القدرة الشرائية للأسر ودعم تنافسية المقاولات، في وقت تزايدت فيه الضغوط على الاقتصاد الوطني بفعل اندماجه في سلاسل القيمة العالمية.
وأشارت إلى أن هذه الظرفية المركبة فرضت اعتماد حكامة مرنة في تدبير السياسات العمومية، مكنت من احتواء التضخم المستورد والحفاظ على القدرة الشرائية للأسر وتنافسية المقاولات، إلى جانب مواصلة ضبط المالية العمومية وخفض عجز الميزانية، في سياق مسار اقتصادي سجل نمواً متدرجاً انتقل من 1,8% إلى 4,8% خلال الفترة المعنية.
تعزيز التوازنات الماكرو-اقتصادية رغم الأزمات
وجاء في الوثيقة أن هذه الولاية الحكومية تميزت بجعل استقرار التوازنات الماكرو-اقتصادية إحدى أولوياتها الكبرى، باعتبارها شرطاً أساسياً لضمان نجاعة البرامج الاقتصادية والاجتماعية المعتمدة، وتوفير بيئة ملائمة للمبادرات الاستثمارية الخاصة، في سياق برنامج حكومي يقوم على أوراش وسياسات عمومية منسجمة مع الطموحات الوطنية الداخلية والتزامات المغرب الدولية، ويستند إلى إطار ماكرو اقتصادي مستقر يسمح بتحقيق الأهداف التنموية المنشودة.
وتوضح الوثيقة أن هذه المرحلة الحكومية جاءت في سياق دولي صعب ومضطرب، اتسم بتراكم أزمات متتالية على المستويين الدولي والداخلي، ما فرض تبني حكامة مرنة وفعالة في تدبير السياسات العمومية. فعلى الصعيد الدولي، خلفت تداعيات جائحة كوفيد-19 أثراً بالغاً على استقرار التوازنات الاقتصادية والاجتماعية، قبل أن تزيد التوترات الجيوسياسية، وعلى رأسها الحرب الروسية-الأوكرانية، من حدة الاضطرابات في سلاسل الإنتاج والتوريد العالمية.
وأوردت الحكومة أن ذلك انعكس في ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الغذائية الأساسية. أما داخلياً، فقد تأثر الاقتصاد الوطني بهذه التحولات، خاصة في ظل اندماج المملكة في سلاسل القيمة العالمية، بما جعل تأثير الصدمات الخارجية أكثر وضوحاً على عدد من القطاعات.
ورغم هذه الظروف، تؤكد الحكومة، أن المغرب أبان عن قدرة على التكيف والاستجابة بفضل الرؤية الملكية، حيث اعتمدت الحكومة تدابير ميزانياتية ونقدية وُصفت بالفعالة من أجل التخفيف من آثار التضخم المستورد، وهو ما ساهم في احتواء ارتفاع الأسعار الداخلية، والحفاظ على القدرة الشرائية للأسر، وصون تنافسية المقاولات، بما أتاح للاقتصاد الوطني هامشاً مهماً للتعافي واستعادة الدينامية.
وتضيف الحكومة أن هذا السياق الصعب تزامن مع تحديات داخلية إضافية، أبرزها توالي سنوات الجفاف، التي أدت إلى تراجع الإنتاج الفلاحي وانعكست سلباً على دخل الأسر القروية، إضافة إلى زلزال الحوز سنة 2023 الذي خلف خسائر بشرية ومادية جسيمة، خصوصاً على مستوى البنيات التحتية، واستدعى تعبئة تمويلات إضافية عاجلة لإعادة الإعمار والتأهيل ودعم الساكنة المتضررة.
وأمام هذا الوضع المركب، واجهت الحكومة، حسب المصدر ذاته، تحدياً مزدوجاً تمثل في ضرورة تحقيق انتعاش اقتصادي واجتماعي مستدام، مع الحفاظ في الآن ذاته على التوازنات الماكرو-اقتصادية وتعزيزها، وهو ما تطلب موازنة دقيقة بين الخيارات الميزانياتية المتاحة وترشيد النفقات العمومية، إلى جانب تعبئة موارد جبائية إضافية عبر توسيع الوعاء الضريبي واللجوء إلى تمويلات مبتكرة. وقد مكنت هذه المقاربة، وفق الوثيقة، من الحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية، وعلى رأسها خفض عجز الميزانية.
تحسين فعالية المالية العمومية وانتعاش الاقتصاد
وفي السياق نفسه، راهنت الحكومة على تحسين فعالية المالية العمومية من خلال ضبط النفقات العمومية، وتطوير آليات تحصيل الموارد، والحفاظ على عائدات العملة الصعبة، بما يضمن توفير الإمكانات الضرورية لتنزيل الأوراش التنموية والاجتماعية، وخاصة تلك المرتبطة بالمشروع الوطني لترسيخ ركائز الدولة الاجتماعية. وقد أثمرت هذه السياسات، بحسب الوثيقة، عن تحقيق طفرة اجتماعية غير مسبوقة، انسجاماً مع التوجيهات الملكية السامية الرامية إلى تحسين الأوضاع الاجتماعية للمواطنات والمواطنين.
وعلى مستوى الأداء الاقتصادي، تشير الوثيقة إلى أن الولاية الحكومية الحالية تزامنت أيضاً مع سياق عالمي متقلب، اتسم بتداعيات جائحة كوفيد-19، وتوالي الصدمات الجيوسياسية، وارتفاع معدلات التضخم الناتجة عن اضطرابات الأسواق العالمية واختلال سلاسل التوريد، ما جعل الاقتصاد العالمي يمر بمسار غير مستقر.
ووفق المعطيات الواردة، سجل الاقتصاد العالمي انتعاشاً قوياً سنة 2021 بنسبة 6,6%، قبل أن يتباطأ إلى حوالي 3,8% سنة 2022، ثم 3,5% سنة 2023، ليستقر في حدود 3,3% سنة 2024، مع توقعات باستمرار نمو معتدل في 2025 و2026 في حدود 3,3%، بما يعكس مرحلة استقرار نسبي مع تراجع تدريجي للضغوط التضخمية.
وتبرز الوثيقة أن هذا السياق الدولي انعكس مباشرة على الوضع الاقتصادي الوطني، حيث تفاقمت التحديات بفعل عوامل داخلية إضافية مرتبطة بالتغيرات المناخية وتوالي سنوات الجفاف، التي اتسمت بعجز حاد في التساقطات المطرية وتراجع الضغط على الموارد المائية، وهو ما أثر سلباً على أداء القطاع الفلاحي باعتباره أحد أعمدة الاقتصاد الوطني.
نمو الاقتصاد الوطني
ورغم ذلك، سجل الاقتصاد الوطني، بحسب المصدر نفسه، نمواً متواصلاً انتقل من 1,8% سنة 2022 إلى 4,8% سنة 2025، في مسار يعكس تعافياً تدريجياً وتنوعاً في مصادر النمو. كما توضح الوثيقة إمكانية التمييز بين مرحلتين أساسيتين خلال هذه الولاية، الأولى تمتد من 2021 إلى 2023 باعتبارها مرحلة ما بعد جائحة كوفيد-19، التي شهدت استعادة تدريجية للنشاط الاقتصادي، فيما تمتد المرحلة الثانية من 2024 إلى 2026، والتي تميزت بتوطيد التعافي ودخول الاقتصاد الوطني دورة نمو أكثر استقراراً.
وتسجل الوثيقة كذلك أن سنة 2021 عرفت انتعاشاً قوياً للناتج الداخلي الخام بلغ 8,2% بعد الانكماش المسجل سنة 2020، قبل أن يعرف الاقتصاد الوطني خلال الفترة 2022-2023 تحسناً تدريجياً رغم الظروف المناخية الصعبة، حيث انتقل معدل النمو من 1,8% سنة 2022 إلى 3,7% سنة 2023، ليستقر في 3,8% سنة 2024، مع توقع بلوغ 5% سنة 2026، وفق نفس المعطيات.
كما تشير الأرقام الواردة إلى أن الدينامية الاقتصادية خلال الفترة 2022-2024 ارتكزت أساساً على نمو القطاعات غير الفلاحية بمتوسط بلغ 4%، في مقابل تراجع مستمر في القيمة المضافة الفلاحية بنسبة تقارب 5% سنوياً خلال الفترة نفسها، نتيجة توالي سنوات الجفاف.
المصدر:
العمق