آخر الأخبار

فلاحة “بسرعتين” في المغرب.. هل تحولت “وكالة الريفي” إلى محرك لتعميق الفوارق؟

شارك

منذ تأسيسها سنة 2009 بموجب القانون رقم 29.08، احتلت وكالة التنمية الفلاحية موقعا محوريا داخل المنظومة الزراعية المغربية، حيث أُنيطت بها مهمة تنزيل التحولات الكبرى التي حملها “مخطط المغرب الأخضر”، ثم لاحقا استراتيجية “الجيل الأخضر 2020-2030”.

وبفضل وضعها كمؤسسة عمومية تتمتع بالاستقلال المالي والشخصية المعنوية، وتخضع لوصاية وزارة الفلاحة، لم تقتصر وظيفتها على التنفيذ الإداري، بل تحولت تدريجيا إلى فاعل استراتيجي يوجه السياسات الفلاحية، ويتحكم في مفاصل التمويل والاستثمار وإعادة توزيع الموارد.

غير أن هذا الدور المتقدم لم يمنع تصاعد موجة من الانتقادات من جهات متعددة، من بينها مؤسسات دستورية ورقابية وبرلمانية ونقابية، لتطرح إشكالية عميقة حول مدى نجاح الوكالة في تحقيق تنمية فلاحية عادلة ومتوازنة، أو ما إذا كانت قد ساهمت، بشكل غير مباشر، في تكريس الفوارق داخل العالم القروي بدل تقليصها.

مؤسسة بصلاحيات استراتيجية… لكن بنتائج غير متكافئة

تمتلك وكالة التنمية الفلاحية صلاحيات واسعة تجعلها فاعلا حاسما في تحديد ملامح السياسة الزراعية على المستوى التنفيذي. فهي التي تبلور المشاريع الكبرى المرتبطة بالاستراتيجيات الوطنية، وتدير الدعم عبر صندوق التنمية الفلاحية، وتؤطر برامج الفلاحة التضامنية، إضافة إلى دورها في تعبئة الأراضي الفلاحية وتفويتها في إطار شراكات مع القطاع الخاص.

هذه الصلاحيات تمنح الوكالة قدرة كبيرة على توجيه الاستثمارات نحو قطاعات أو مناطق معينة، وهو ما ينعكس مباشرة على توزيع الثروة داخل العالم القروي، غير أن هذا النفوذ، بدل أن يؤدي إلى تقليص الفوارق، يُتهم في كثير من الأحيان بتكريس نموذج غير متوازن، يقوم على دعم فلاحة عصرية موجهة للتصدير، مقابل تهميش الفلاحة المعيشية التي يعتمد عليها ملايين الفلاحين الصغار.

ورغم الشعارات التي ترفعها استراتيجية “الجيل الأخضر” بشأن خلق طبقة وسطى فلاحية وإدماج الشباب وتحقيق الاستدامة، فإن الواقع الميداني يكشف عن استمرار هشاشة هذه الفئة، في ظل صعوبات مرتبطة بولوج التمويل، وضعف البنية التسويقية، وتفاقم الإكراهات المناخية، خصوصا ندرة المياه.

تقارير رقابية تكشف أعطاب الحكامة وضعف الأثر

أحد أبرز المؤشرات على محدودية أداء الوكالة جاء من تقارير المجلس الأعلى للحسابات، التي رسمت صورة نقدية واضحة لعدد من تدخلاتها، خاصة في مجال الفلاحة التضامنية. هذه المشاريع، التي كانت تُقدم كأداة لتحقيق العدالة المجالية، أظهرت في كثير من الحالات نتائج مخيبة، حيث تحولت بعض المبادرات إلى مجرد تجهيزات أو بنايات دون أثر اقتصادي فعلي.

ويُعزى هذا الوضع إلى عدة عوامل، من بينها ضعف الدراسات القبلية، والتفاؤل المفرط في تقدير النتائج، وغياب المواكبة التقنية بعد إطلاق المشاريع. كما سجلت التقارير غياب منظومة فعالة للتتبع والتقييم، ما يجعل من الصعب قياس الأثر الحقيقي لهذه البرامج على مستوى تحسين الدخل أو خلق فرص الشغل.

وفي ما يتعلق بتدبير العقار الفلاحي، تم رصد اختلالات مرتبطة بضعف مراقبة التزام المستثمرين بدفاتر التحملات، خاصة في استغلال الأراضي العمومية، إضافة إلى عدم تفعيل آليات استرجاع الدعم في حال فشل المشاريع، وهو ما يطرح إشكالية حقيقية تتعلق بربط المسؤولية بالمحاسبة.

جدل سياسي واجتماعي حول العدالة الفلاحية ومستقبل النموذج

داخل البرلمان، تتصاعد الانتقادات الموجهة للوكالة، حيث يتحدث عدد من النواب عن نموذج “فلاحة بسرعتين”، تستفيد فيه فئة محدودة من المستثمرين الكبار من الدعم والتحفيز، بينما يُترك الفلاح الصغير لمواجهة تحديات السوق والمناخ بمفرده. كما تُعتبر شروط الاستفادة من برامج الدعم معقدة، ما يحد من ولوج الفئات الهشة إليها.

وفي السياق نفسه، يثير موضوع الأمن المائي قلقا متزايدا، حيث يُنتقد استمرار دعم الزراعات المستنزفة للمياه في بلد يعاني من إجهاد مائي متفاقم. ويرى منتقدو هذه السياسات أن التركيز على التصدير قد يتم على حساب السيادة الغذائية، ما يطرح مخاطر استراتيجية على المدى البعيد.

من جهته، يشير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى غياب البعد الإنساني في تدخلات الوكالة، حيث يطغى منطق الإنتاجية على حساب التنمية الاجتماعية، مع ضعف إدماج الشباب والنساء، واستمرار الهجرة القروية نتيجة محدودية فرص الشغل.

أما النقابات الفلاحية، فتذهب أبعد من ذلك، متهمة الوكالة بخدمة مصالح كبار الفاعلين الاقتصاديين، مع تسجيل غياب الشفافية في بعض جوانب التدبير، خاصة المتعلقة بميزانيات الترويج والمعارض، إضافة إلى ما يُوصف بـ“البيروقراطية الإقصائية” التي تعرقل ولوج الفلاحين الصغار إلى التمويل.

وفي قلب هذا الجدل، تبرز قضايا حساسة تتعلق بتوزيع الموارد، خاصة الأرض والماء، حيث ترى هيئات حقوقية أن سياسات تفويت الأراضي وتشجيع الزراعات المكثفة قد تؤدي إلى إقصاء الفلاحين التقليديين واستنزاف الموارد الطبيعية.

وأمام هذا الوضع المركب، تجد وكالة التنمية الفلاحية نفسها أمام اختبار حقيقي يفرض عليها إعادة تقييم نموذج تدخلها بشكل جذري. فالتحدي اليوم لم يعد يقتصر على رفع الإنتاج أو جذب الاستثمارات، بل يتجاوز ذلك نحو تحقيق تنمية فلاحية عادلة ومستدامة، تضمن كرامة الفلاح الصغير، وتحافظ على التوازن البيئي، وتحقق الأمن الغذائي.

ويبقى السؤال الجوهري مطروحا: هل ستنجح الوكالة في الانتقال من منطق تدبير البرامج إلى منطق تحقيق الأثر الحقيقي، أم أن الفجوة بين الطموح والواقع ستستمر في الاتساع؟

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا