في وقت أعلنت فيه رئاسة جامعة محمد الأول بوجدة، عن مصادقة اللجنة الوطنية لتنسيق التعليم العالي على إحداث مؤسستين جامعيتين جديدتين بمدينة بركان، عاد النقاش حول شروط الولوج إلى التعليم العالي، خاصة في سلكي الماستر والدكتوراه، إلى الواجهة، وسط تباين في المواقف بين الإشادة بهذا التوسع وطرح تساؤلات حول مبدأ تكافؤ الفرص.
ويهم هذا المشروع إحداث كل من كلية علوم المجتمع والمدرسة الوطنية للصناعات الغذائية والحيوية، في خطوة تصنف ضمن جهود تعزيز العرض الجامعي بجهة الشرق، وتوسيع قاعدة الاستقطاب لفائدة الطلبة، بما يستجيب للتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها المنطقة.
وجاء الإعلان عن هذا المستجد عبر تدوينة نشرها رئيس جامعة محمد الأول، ياسين زغلول، على صفحته بموقع “فيسبوك”، حيث لقي القرار تفاعلا إيجابيا من قبل عدد من النشطاء والمهتمين، الذين اعتبروا إحداث مؤسسات جامعية جديدة ببركان مكسبا أكاديميا وتنمويا من شأنه دعم البحث العلمي وتقريب التكوين من الطلبة.
وفي المقابل، عبر متابعون عن تطلعهم إلى تحقيق توازن مجالي في توزيع المؤسسات الجامعية، داعين إلى تعميم مثل هذه المشاريع على باقي أقاليم الجهة، بما يضمن عدالة ترابية في الولوج إلى التعليم العالي.
غير أن هذا التفاعل الإيجابي تزامن مع بروز نقاش مواز حول كلفة التكوين، خاصة بعد تداول معطيات تتعلق باتفاقية تعاون بين وزارة العدل وجامعة محمد الأول، تهم تمكين أطر الوزارة من متابعة دراسات الماستر، مع تحمل الوزارة لتكاليف التكوين في حدود 30 ألف درهم لكل مستفيد.
وفي هذا السياق، أعاد نشر هذه المعطيات طرح تساؤلات حول معايير الاستفادة من التكوينات المؤدى عنها، في ظل وجود فئات أخرى من الطلبة، خصوصا العاملين منهم، يواجهون صعوبات في تحمل تكاليف الدراسة، خاصة في سلك الدكتوراه.
ومن جهته، عبر المحامي بهيئة وجدة، مراد زيبوح، في تدوينة له، عن ترحيبه بإحداث المؤسستين الجامعيتين، معتبرا ذلك تتويجا لمسار من الترافع الجماعي، ساهمت فيه فعاليات متعددة، من أطر ومنتخبين وطلبة ومكونات المجتمع المدني، بهدف تعزيز العرض الجامعي بالجهة.
وفي المقابل، أثار المتحدث ذاته إشكالية الرسوم المفروضة على بعض فئات الطلبة، معتبرا أن هذا الإجراء قد يحد من مبدأ “الاستقطاب المفتوح”، ويطرح إشكالات ذات بعد اجتماعي، خاصة بالنسبة للطلبة المنتمين إلى فئات مهنية محدودة الدخل.
وأشار إلى أن اختلاف طرق تمويل التكوين، بحسب الانتماء المهني، قد يثير نقاشا حول مدى تحقيق المساواة في الولوج إلى التعليم العالي، في وقت يفترض فيه أن يقوم هذا الأخير على مبدأ الاستحقاق وتكافؤ الفرص.
كما كشف أن هذا الملف دخل مسارا قضائيا، حيث ينظر فيه أمام محكمة الاستئناف الإدارية بفاس، في إطار طعن يتعلق بمشروعية فرض الرسوم على طلبة سلك الدكتوراه، مع احتمال مواصلة التقاضي أمام درجات أعلى، وفق ما تسمح به القوانين الجاري بها العمل.
ويرتبط هذا الجدل، بحسب المعطيات المتداولة، بوضعية عدد من الطلبة الذين اجتازوا مباريات الولوج إلى سلك الدكتوراه بنجاح، قبل أن يواجهوا تحديات مالية قد تؤثر على استمرارية مسارهم الأكاديمي، وهو ما يطرح تساؤلات أوسع حول شروط الاستفادة من التكوين العالي.
وفي الوقت الذي ينظر فيه إلى المؤسسات الجامعية الجديدة ببركان كرافعة للتنمية الجهوية، سواء على مستوى التكوين أو البحث العلمي، يتواصل النقاش حول ضرورة مرافقة هذا التوسع بسياسات تضمن الإنصاف بين مختلف فئات الطلبة.
كما يطرح هذا السياق تحديات مرتبطة بنماذج تمويل التعليم العالي، خاصة في ظل استحضار تجارب دولية، وهو ما يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول مدى ملاءمة هذه النماذج للسياق الوطني، وقدرتها على تحقيق التوازن بين جودة التكوين وضمان الولوج المنصف إليه.
ويعكس هذا الجدل تقاطع رهانات تطوير العرض الجامعي مع إشكالات العدالة الاجتماعية داخل المنظومة التعليمية، حيث يظل التحدي المطروح هو تحقيق توازن فعلي بين توسيع البنيات الجامعية وضمان استفادة متكافئة منها، بما يعزز دور الجامعة العمومية كفضاء للإنصاف وتكافؤ الفرص.
المصدر:
العمق