في ظل التحولات السياسية المتسارعة التي يشهدها ملف الوحدة الترابية للمملكة، وإجماع المنتظم الدولي على تثبيت حل الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، تستمر جنوب إفريقيا في معاكسة موجة التوافق الدولي عبر دعم المشروع الانفصالي في الأقاليم الجنوبية، رغم بروز أصوات داخلية تدعو إلى مراجعة هذا الموقف الذي أعاد سيريل رامافوزا، رئيس جمهورية جنوب إفريقيا، التأكيد عليه في تصريحه الأخير بمناسبة الاحتفال بـ”يوم التحرير” هذا الأسبوع.
ويرى مهتمون أن العقيدة الإيديولوجية للحزب الحاكم في بريتوريا هي ما يفسر تشبث هذا البلد بهكذا موقف سياسي، مؤكدين في الوقت ذاته وجود محددات غير ظاهرية تتمثل أساسًا في توجس جنوب إفريقيا من تصاعد الدور القاري وتعاظم النفوذ الاقتصادي للمملكة المغربية أمام نظيرها الجنوب إفريقي، ما يجعل من دعم البوليساريو يتجاوز كونه خيارًا سياسيًا بحتًا ليجسد معركة الصراع والتنافس على زعامة القارة السمراء.
في هذا الصدد قال شوقي بن زهرة، ناشط سياسي جزائري معارض، إن “جنوب إفريقيا باتت تمثل ‘حالة شاذة’ ومنعزلة في الساحة العالمية بعد انحسار جبهة الداعمين التقليديين للبوليساريو، إذ تواجه أقطاب فنزويلا وإيران وكوبا أزمات داخلية وتخبطات سياسية أخرجتها من دائرة التأثير الفاعل في هذا الملف”، وزاد: “هذا الانحسار جعل من بريتوريا صوتًا نشازًا يحاول التمسك بأطروحات لم تعد تجد لها صدىً لدى القوى الكبرى أو المنظمات الدولية”.
وأضاف بن زهرة في تصريح لهسبريس أن “الداخل الجنوب إفريقي نفسه يشهد تصدعات في الإجماع السياسي حول هذا الملف؛ حيث تبرز أصوات معارضة قوية حتى داخل الحزب الحاكم، تنادي بمراجعة المواقف السياسية والسياسة الخارجية لهذا البلد”، مبرزًا أن “الدافع الحقيقي لاستمرار هذا الموقف يتجاوز الشعارات الإيديولوجية إلى صراع نفوذ اقتصادي محض، إذ تنظر بريتوريا إلى المغرب كمنافس إستراتيجي يهدد هيمنتها على الاستثمارات في القارة الإفريقية، فتحاول عرقلة مساره عبر دعم الأطروحات الانفصالية”.
وخلص المتحدث ذاته إلى أن “الموقف الجنوب إفريقي ليست له أي أهمية إستراتيجية في الحسابات الدولية الراهنة، خاصة في ظل تنامي الدعم الدولي لمخطط الحكم الذاتي وتصاعد احتمالات تصنيف ‘البوليساريو’ ككيان إرهابي في الأروقة التشريعية الأمريكية، وضغط واشنطن في اتجاه تسوية هذا الملف على أساس الحل المغربي”.
في سياق متصل أوضح جواد القسمي، باحث في العلاقات الدولية والقانون الدولي، أن “استمرار جنوب إفريقيا في تبني الموقف نفسه من قضية الصحراء تحكمه جملة من المحددات، فالحزب الحاكم مازال أسير أدبيات حقبة النضال ضد ‘الأبارتهايد’، وهو ينظر إلى جبهة البوليساريو من الزاوية الإيديولوجية التقليدية نفسها كـ’حركة تحرر’، وأن التخلي عنها يعد خيانة لمبادئه التأسيسية”.
المحدد الثاني، يضيف القسمي، هو “تحالف الجزائر وجنوب إفريقيا والعلاقات الإستراتيجية القوية التي تجمعهما، ما يفسر دعم البوليساريو كعربون وفاء للتحالف مع صانع القرار في الجزائر”، وزاد: “أما المحدد الثالث فيتمثل في الأزمات الداخلية التي يواجهها الحزب الحاكم والتراجع الكبير في شعبيته، ما يجعل استمرار تبنيه قضايا خارجية ذات طابع ‘تحرري’، كالقضية الفلسطينية وقضية الصحراء (رغم عدم جواز المقارنة بين القضيتين) محاولة منه للحفاظ على ذلك الإرث الأخلاقي أمام ناخبيه”.
وتابع المحلل ذاته بأن “دور جنوب إفريقيا في قضية الصحراء تحول من فاعل قادر على التأثير إلى مجرد صوت عالٍ، لكن لا تأثير ولا اعتبار له؛ فحتى داخل الاتحاد الإفريقي لم يعد لبريتوريا ذلك الوزن الذي كان سابقًا، إذ كان غياب المغرب عن الاتحاد الإفريقي يستغل من طرف خصومه، لكن القطع مع سياسة الكرسي الفارغ جعل من المستحيل تمرير أي قرار داخل أروقة الاتحاد الإفريقي ضد المغرب”.
وخلص المصرح لهسبريس إلى أنه “من المنظور الجيوسياسي يمكن القول إن استمرار دعم بريتوريا للبوليساريو يدخل ضمن صراع حول النفوذ والزعامة في القارة الإفريقية مع المغرب، فصعود المملكة القوي خلال العقدين الأخيرين في مختلف المجالات والمبادرات المطروحة جعل بريتوريا تشعر بتهديد حقيقي لزعامتها للقارة؛ لذلك ترى أن إبقاء قضية الصحراء مشتعلة واستنزاف المغرب دبلوماسيًا من شأنه فرملة تمدده وعدم التفرغ لمنافستها”.
المصدر:
هسبريس