هبة بريس – عبد اللطيف بركة
في خضم التصعيد العسكري الذي يشهده الخليج، عاد اسم طائرة A-10 Thunderbolt ، المعروفة بلقب “الخنزير البري”، ليتصدر النقاشات العسكرية والإعلامية، وسط روايات تتحدث عن دورها الحاسم في ضرب القدرات البحرية الإيرانية، وبين المبالغة والواقع، يبرز سؤال جوهري، كيف لطائرة صُممت أساسا لدعم القوات البرية أن تتحول إلى عنصر مؤثر في معركة بحرية معقدة على سواحل إيران؟.
الوقائع الميدانية تشير إلى أن هذه الطائرة الأمريكية لم تكن تعمل منفردة، بل ضمن منظومة قتالية متكاملة شملت مقاتلات متطورة وسفنا حربية وأنظمة صاروخية دقيقة، ومع ذلك، فقد لعبت دورا نوعيا في استهداف ما يُعرف بـ”الحرب غير المتكافئة” التي تعتمدها إيران، خاصة عبر الزوارق السريعة المسلحة التي تشكل تهديدت حقيقيا في مناطق ضيقة مثل مضيق هرمز.
خلال العمليات، ركزت طائرات A-10 على ضرب الأهداف الصغيرة والسريعة التي يصعب على القطع البحرية الثقيلة التعامل معها بكفاءة. فقد كانت تحلق على ارتفاعات منخفضة، وتنفذ هجمات دقيقة ضد زوارق هجومية ومواقع ساحلية، سواء أثناء تحركها أو حتى وهي راسية داخل قواعدها. هذا النمط من التدخل ساهم في تقليص قدرة البحرية الإيرانية على الانتشار والمناورة، خصوصًا في المراحل الأولى من المواجهة.
ورغم ما يتم تداوله حول “تدمير الأسطول الإيراني في ثلاثة أسابيع”، فإن المعطيات العسكرية الأكثر دقة تؤكد أن ما حدث كان نتيجة ضربات مركبة ومتزامنة، استهدفت البنية البحرية الإيرانية من عدة زوايا، فقد تم تعطيل جزء مهم من القدرات العملياتية، وتدمير عدد من الزوارق والمنشآت، ما أدى إلى إضعاف الحضور البحري الإيراني بشكل ملحوظ، دون أن يعني ذلك القضاء الكامل على الأسطول.
تكمن خطورة طائرة “الخنزير البري” في طبيعة تصميمها الفريد، فهي مزودة بمدفع أسطوري من نوع GAU-8 عيار 30 ملم، قادر على إطلاق آلاف الطلقات في الدقيقة، ما يجعلها فعالة بشكل كبير ضد الأهداف الخفيفة مثل الزوارق السريعة، هذا السلاح، إلى جانب قدرتها على التحليق البطيء والدقيق، يمنح الطيارين إمكانية إصابة أهدافهم بدرجة عالية من الدقة، خاصة في البيئات الساحلية المعقدة.
كما تتميز الطائرة بقدرة تحمل استثنائية، إذ صُممت بهيكل مدرع يمكنها من مواصلة الطيران حتى بعد تعرضها لإصابات مباشرة، وهو ما يجعلها مناسبة للعمل في مناطق تشهد دفاعات جوية نشطة أو نيرانا كثيفة من الأرض. إلى جانب ذلك، فإن تنوع تسليحها بين صواريخ موجهة وقنابل ذكية يمنحها مرونة كبيرة في التعامل مع أهداف متعددة، سواء بحرية أو برية.
عمليا، اعتمدت الاستراتيجية العسكرية على توزيع الأدوار، حيث تكفلت الطائرات المتقدمة بضرب الأهداف الكبرى ومراكز القيادة، بينما تولت A-10 مهمة “التنظيف التكتيكي”، أي القضاء على الأهداف الصغيرة المتبقية التي قد تشكل تهديدا مستمرا، مثل الزوارق السريعة ومنصات الإطلاق الساحلية.
فلا يمكن اختزال ما جرى في صورة “طائرة دمرت أسطول بحري”، بقدر ما هو مثال واضح على تطور الحروب الحديثة، حيث تتكامل الأنظمة العسكرية المختلفة لتحقيق التفوق. ومع ذلك، فقد أثبتت طائرة “الخنزير البري” مرة أخرى أن الأسلحة التي وُلدت في سياق حروب تقليدية قد تجد لنفسها أدوارا حاسمة في ميادين جديدة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمواجهة تكتيكات غير تقليدية في بيئات معقدة مثل سواحل الخليج.
المصدر:
هبة بريس