حذر المرصد الوطني للتنمية البشرية من المخاطر المتزايدة لعدم مواكبة التحولات الديمغرافية التي يشهدها المغرب، مؤكداً أن غياب الاستثمار الكافي في التعليم والصحة وسوق الشغل قد يقوض فرص تحقيق تنمية مستدامة ودامجة، ويفوت على البلاد إمكانية الاستفادة من العائد الديمغرافي في ظل التغيرات العميقة التي كشفت عنها نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024.
وأبرز المرصد، في مذكرة سياسات حديثة بعنوان “التحولات الديمغرافية: إعداد مغرب الغد”، أن نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 تعكس تحولاً حاسماً في الانتقال الديموغرافي بالمغرب وفي تطور دينامياته السوسيو-اقتصادية، باعتباره تحولاً عميقاً في معدلات نمو السكان والهياكل الاجتماعية والاقتصادية، مشيرة إلى أن الفحص المقارن لنتائج إحصاءي 2014 و2024 يبرز التحولات الديموغرافية الرئيسية الجارية ويرسم ملامح مغرب الغد.
زيادة الثقل الديموغرافي
وسجلت المذكرة على المستوى الوطني أن نمو السكان يشهد منحى تنازلياً، في مقابل ارتفاع أمد الحياة الذي أدى إلى زيادة الثقل الديموغرافي للأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 60 سنة، ما جعل الشيخوخة مكوناً ديموغرافياً أساسياً، موضحة أن التباطؤ الديموغرافي يرجع أساساً إلى انخفاض الخصوبة التي بلغت مستوى لا يفي بعتبة الاستبدال، وهو ما انعكس في تقلص حجم الأسر وتعزيز نزعة الأسرة النووية، إلى جانب استمرار تقدم التمدن الذي يفرض على المدن استقبال أعداد متزايدة من السكان، ما يجعل إشكالية التعمير ضمن أولويات العمل العمومي.
وعلى المستوى الجهوي، أكدت المذكرة وجود دينامية قوية في تحركات السكان بين الجهات، تسهم في تشكيل أقطاب اقتصادية حول العواصم الجهوية، مع تركز هذه التحركات على المحور الأطلسي الممتد من طنجة إلى أكادير، مقابل ضعف حدة “التركز السكاني الساحلي” على الساحل المتوسطي، مشيرة إلى أن هذا التركز في المراكز الحضرية يعيد تشكيل المجالات الممدنة لصالح التجمعات الكبرى، في وقت تهدد فيه التفاوتات في الموارد والخدمات العمومية بين المراكز الكبرى والصغرى هذه الأخيرة بالتراجع على المدى الطويل.
كما سجلت أن النمو السكاني غير متكافئ جهوياً، حيث عرفت ضواحي مدن الدار البيضاء وطنجة والرباط ومراكش وفاس وأكادير أكبر معدلات النمو، بفعل عوامل اقتصادية مواتية مثل توفر الري أو وجود مقاولات ومنصات لوجستية، في حين يسجل العالم القروي نمواً ديمغرافياً أضعف، يتفاقم تحت تأثير التغير المناخي الذي يعزز الهجرة القروية.
وفيما يتعلق بالإشكاليات الناشئة، اعتبرت المذكرة أن تدفقات السكان نحو الأقطاب الحضرية، خاصة على المحور الأطلسي، ترتبط أيضاً بالمظاهر القصوى للاحتباس الحراري، سواء من خلال فترات الجفاف الطويلة أو التساقطات المفاجئة التي تسبب الفيضانات والانزلاقات، مؤكدة أن التغير المناخي والثورة الرقمية يشكلان إطاراً تقييدياً للانتقال الديموغرافي يجب أخذه بعين الاعتبار في أي تحليل استشرافي.
وشددت على أن التحديات المرتبطة بالانتقال الديموغرافي لا يمكن رفعها إلا بمراعاة الآثار المتوسطة والبعيدة المدى لعوامل التغيير الهيكلية، وعلى رأسها التغير المناخي والثورة الرقمية، مبرزة أن الانخفاض السريع في معدل المواليد يمثل رهاناً سوسيو-اقتصادياً رئيسياً، في ظل بروز أربعة محاور أساسية للتغيرات، تشمل ساكنة شابة رغم الشيخوخة، وإعادة هيكلة الأسرة، وتمدن يبحث عن المرونة، وتصاعد ظاهرة العزوبية.
اختلال توازن الهرم السكاني
وفي محور الساكنة، أوضحت أن تقلص عدد السكان يؤدي إلى تخفيف الحاجة الكمية للبنيات التحتية التعليمية والصحية، لكنه يفرض التركيز على الجودة، داعية إلى تبني نموذج نمو قائم على الإنتاجية والتنافسية، مع اعتماد استراتيجيات واضحة ومستدامة، مشيرة إلى ضرورة دمج آثار التغير المناخي الذي قد يبعد المغرب عن عتبة الاستبدال، والتكنولوجيا وخاصة الذكاء الاصطناعي التي قد تمثل فرصة أو تهديداً حسب كيفية التحكم فيها.
وسجلت أن الهرم السكاني يعاد تشكيله، حيث تراجع وزن الشباب من 28.2% سنة 2014 إلى 26.5% سنة 2024، مقابل ارتفاع نسبة المسنين من 9.4% إلى 13.8%، ما يعني أن الساكنة في سن النشاط ستتجه نحو الانخفاض، مؤكدة أن القوانين الحالية لسوق الشغل تجعل جزءاً كبيراً من المسنين خارج النشاط، ما يستدعي إدخال مرونة تنظيمية تسمح بزيادة معدل نشاطهم والاستفادة من خبراتهم، مع التأكيد على أن التوازن المستقبلي للحماية الاجتماعية يعتمد على ذلك.
كما شددت على أهمية الحفاظ على صحة كبار السن من خلال زيادة عدد سنوات العيش باستقلالية، وليس فقط إطالة العمر، وهو ما يطرح تحديات على المنظومة الصحية التي يجب أن تتطور لتواكب هذه التحولات، داعية إلى إرساء “اقتصاد الرعاية” كقطاع يشمل جميع الخدمات الطبية المرتبطة بالشيخوخة، واعتباره استثماراً في الرأسمال البشري ومجالاً لخلق فرص الشغل.
وفي ما يخص الشباب، رصدت المذكرة اختلالات مرتبطة بالتعليم والتكوين، والإدماج في سوق الشغل، واتساع القطاع غير المهيكل، وهجنة أشكال العمل الجديدة، مؤكدة أن الفرص المتاحة غير كافية، وأن الثورة الرقمية تركت أثراً عميقاً على هذه الفئة، خاصة من خلال التأثيرات السلبية لشبكات التواصل الاجتماعي على الصحة العقلية، مع التأكيد على أن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا بحد ذاتها بل في كيفية استخدامها.
وفي محور الأسرة، سجلت المذكرة تراجع حجمها إلى 3.9 أفراد، مع انتشار نموذج الأسرة الصغيرة، وما يرتبط به من تغير في الثقافة الوالدية وظهور مفهوم “الطفل الملك”، الذي يعكس اهتماماً كبيراً بالأبناء، لكنه يطرح تساؤلات حول أثره على المواطنة، في ظل تحميل المدرسة مسؤولية متزايدة لإعداد الأجيال لمواجهة عالم معقد يتسم بعدم الاستقرار الجيو-استراتيجي والتغيرات المناخية والتكنولوجية.
أما في ما يتعلق بالتمدن، فقد شددت على ضرورة البحث عن المرونة المناخية، من خلال تحسين جودة السكن، وتوفير المساحات الخضراء، واعتماد معايير صارمة للعزل الحراري، محذرة من هشاشة السكن المغربي أمام التقلبات الحرارية، ومبرزة التحديات المرتبطة بالنفايات الحضرية والضغط الديمغرافي على المدن الساحلية.
كما تناولت تصاعد ظاهرة العزوبية، معتبرة أنها ترتبط غالباً بالوحدة خاصة لدى المسنين والنساء، وقد تكون لها آثار صحية خطيرة، ما يستدعي إدماج هذه الفئة ضمن استراتيجيات “اقتصاد الرعاية”.
الاستثمار في الرأسمال البشري
أكدت المذكرة أن الحكامة الجيدة للرأسمال البشري تشكل المدخل الأساسي لمواجهة هذه التحولات، داعية إلى إصلاح منظومة التعليم والتكوين عبر توفير تعلمات صلبة ومهارات عرضانية، وتعزيز التعليم الأولي، وتوظيف الذكاء الاصطناعي بشكل سيادي، مع التأكيد على أن جودة التعليم تمثل رافعة لتحسين مؤشر التنمية البشرية.
كما أوصت بتوسيع الإدماج في سوق الشغل، وتعزيز التكوين المستمر، وتحسين ظروف العمل للحد من هجرة الكفاءات، واعتماد مرونة تنظيمية تسمح بإدماج الشباب والحفاظ على نشاط المسنين، إلى جانب تأطير المهن الجديدة المرتبطة بالتحولات الرقمية.
وفي المجال الصحي، شددت على ضرورة تطوير المنظومة الصحية لمواكبة الشيخوخة، عبر التركيز على الوقاية والرعاية المنزلية، وإرساء اقتصاد للرعاية كخيار استراتيجي، فيما دعت إلى اعتماد مقاربات مجالية في التعمير تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات الجهات، ومعالجة إشكاليات النفايات والضغط الديمغرافي.
كما أكدت على أهمية تعزيز التماسك الاجتماعي من خلال ترسيخ المواطنة، وتوسيع دور المدرسة والإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي في هذا المجال، مع الانتباه إلى مخاطر الوحدة المرتبطة بالعزوبية، التي تمس النساء أكثر من الرجال والمجال الحضري أكثر من القروي.
وخلصت المذكرة إلى أن المغرب يمتلك كل الحظوظ للاستفادة من انتقاله الديمغرافي والخروج من فخ الدول ذات الدخل المتوسط، شريطة اعتماد حكامة فعالة للرأسمال البشري، قائمة على جودة التعليم وصون الصحة عبر مختلف مراحل الحياة، بما يضمن تحويل هذه التحولات إلى رافعة للتنمية بدل أن تتحول إلى مصدر اختلالات.
المصدر:
العمق