آخر الأخبار

حقوق الطفل.. مجلس بوعياش يحذر من “تغريب” الضمانات التشريعية لصالح المساطر الإدارية

شارك

قدم المجلس الوطني لحقوق الإنسان جملة من الملاحظات والتوصيات الدقيقة حول القانون رقم 29.24 المتعلق بإحداث الوكالة الوطنية لحماية الطفولة وبمراكز حماية الطفولة التابعة لها وبمؤسسات الرعاية الاجتماعية الخاصة بالأطفال، شملت الجوانب الشكلية والموضوعية، مسجلا عددا من الاختلالات البنيوية التي قد تؤثر على حماية حقوق الطفل وعلى وضوح الإطار التشريعي المؤطر لمجال حماية الطفولة.

وأعرب المجلس عن أسفه للمصادقة على القانون ونشره في الجريدة الرسمية قبل التوصل برأي المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان داخل الآجال التي يحددها القانون بشأن مقتضياته ومناقشة توصياته.

غياب التأطير المرجعي واتساع الإحالات التنظيمية

سجل المجلس، من حيث الشكل، غياب ديباجة مؤطرة للنص تحدد الإطار المرجعي والمبادئ الموجهة له، خاصة ما يرتبط بمنطق الحماية ومدى استحضار الالتزامات الدولية وكيفية فهم محددات المصلحة الفضلى للطفل، معتبرا أن هذا الغياب قد يؤدي إلى إضعاف الوحدة المفاهيمية للنص ويصعب تأويل مقتضياته عند الاقتضاء، رغم تضمين المشروع مبادئ عامة في المادتين 2 و3.

كما لاحظ توسعا ملحوظا في الإحالة إلى النصوص التنظيمية والأنظمة الداخلية في مجالات تمس بشكل مباشر الوضعية القانونية للطفل داخل مراكز حماية الطفولة ومؤسسات الرعاية الاجتماعية، حيث يتم إسناد تحديد اختصاصات وتنظيم المراكز (المادة 23)، ونموذج سجل الإيداع (المادة 30)، وكيفيات تدبير أموال النزيل (المادة 47)، ومعايير الصحة والسلامة (المادة 53)، وتصنيف النزلاء (المادة 38)، والتدابير التشجيعية (المادة 125)، وشروط وكيفيات الترخيص بالخروج (المادتان 126 و128)، والإذن بالإخراج (المواد 132 و133)، وتركيبة لجنة التأديب وكيفيات سيرها (المادة 117)، ووضع الأنظمة الداخلية للمراكز (المادتان 140 و147)، ونموذج النظام الداخلي لمؤسسات الرعاية الاجتماعية (المادة 157)، ودفاتر التحملات (المادة 167) إلى نصوص تنظيمية.

واعتبر المجلس أن هذا التوجه ينقل جزءا من الضمانات من مستوى التقنين التشريعي إلى المستوى التنظيمي، بما يجعل تحديدها وتعديلها يتم وفق الآليات التنظيمية، وهو ما قد يضعف الحماية القانونية للطفل.

اختلال التوازن بين الضبط الإداري وحماية الحقوق

سجلت المذكرة اختلالا في توازن الصياغة بين القواعد الآمرة المرتبطة بالضبط الإداري والقواعد المتعلقة بحماية الحقوق، حيث تصاغ المقتضيات التنظيمية والإدارية في شكل التزامات واضحة ومحددة، خصوصا ما يتعلق بالسجلات والتوثيق والتبليغ والإجراءات الداخلية (المواد 30-32 و33-35 و98-101).

وأشار بالمقابل إلى أنه حين ترد مقتضيات تمس حقوق الطفل بصيغ الجواز والإمكان، مثل التصرف في الأموال في حدود يحددها المركز (المادة 44)، والترخيص بزيارة أشخاص آخرين (المادة 74)، ورفع التدبير التأديبي (المادة 124)، والترخيص بالخروج والرخص الاستثنائية (المادتان 126 و128)، والإذن بالإخراج (المواد 132 و133)، وهو ما قد يؤثر على ضمانات المركز القانوني للطفل.

تشتت القواعد وضعف وضوح التعاريف

كما أشار المجلس إلى تشتت القواعد بين القانون والأنظمة الداخلية، دون تحديد صريح لنطاق ما يمكن لهذه الأنظمة تنظيمه، مما قد يؤدي إلى نقل عناصر مرتبطة بالحقوق الأساسية للطفل من المجال التشريعي إلى المجال التدبيري، بما يؤثر على وضوح تراتبية القواعد.

وسجل أيضا كثرة التعريفات عبر الإحالة إلى نصوص أخرى، حيث تعتمد المادة الأولى تعريفات تحيل إلى قوانين أخرى مثل قانون المسطرة الجنائية وقانون كفالة الأطفال المهملين، دون تثبيت عناصر تعريفية داخل المشروع نفسه، وهو ما يجعل تحديد نطاق الفئات المحمية مرتبطا بإحالات متقاطعة ويحد من قابلية النص للقراءة المستقلة.

كما نبه إلى الإحالة على نصوص قانونية قيد التعديل، ما قد يؤدي إلى عدم مواكبة الإطار الإجرائي الجاري به العمل عند دخول القانون حيز التنفيذ.

اختلال التوازن بين النظام المحروس والمفتوح

وسجل المجلس اختلالا في التوازن التشريعي بين النظام المحروس الذي حظي بتنظيم مفصل يشمل إجراءات الإيداع والأمن والانضباط والتفتيش والعقوبات التأديبية، وبين النظام المفتوح الذي ورد تنظيمه بشكل مقتضب (المواد 143-147) قائم أساسا على الإحالة إلى النظام المحروس مع استثناءات محدودة، ما يوحي بأن المشروع يجعل النظام المحروس النموذج المرجعي للحماية، ويقارب النظام المفتوح كدرجة أخف، لا كنمط مستقل قائم على المواكبة والإدماج.

في هذا الإطار، أوصى المجلس بإدراج ديباجة تحدد فلسفة الحماية ومكانة مبدأ المصلحة الفضلى للطفل مع الإشارة إلى المرجعيات الدستورية والاتفاقيات الدولية، وحصر الإحالة إلى النصوص التنظيمية في الجوانب التقنية، والتنصيص داخل القانون على القواعد المرتبطة بالضمانات والحقوق الأساسية، مع تحديد حد أدنى إلزامي غير قابل للإحالة.

كما دعا إلى إعادة صياغة المقتضيات المرتبطة بحقوق الطفل في شكل التزامات قانونية واضحة، وتقليص صيغ الجواز، وتحديد نطاق اختصاص الأنظمة الداخلية، وتجميع التعاريف داخل النص مع توسيعها لتشمل مختلف وضعيات الهشاشة، والإحالة إلى النصوص القانونية المحينة، ومراجعة تنظيم النظام المفتوح بإقرار إطار قانوني مستقل.

إشكالات التعاريف ووحدة المصطلح

توقف المجلس عند المادة الأولى، مسجلا أن اعتماد مصطلح “النزيل” للإحالة على الأطفال المودعين، رغم انسجامه مع مبدأ عدم التمييز، قد يؤدي إلى توحيد نمط التكفل ونطاق الحقوق، وهو ما ينطوي على مخاطر تمس مبدأ تفريد التدخل المرتبط بالمصلحة الفضلى للطفل، كما أكدت ذلك لجنة حقوق الطفل، التي شددت على أن المصلحة الفضلى لا تفهم كمصلحة جماعية موحدة بل تستوجب تقييما فرديا لكل حالة.

كما سجل أن المشروع لا يقدم تعريفا جامعا للطفل المحتاج للحماية، ولا يستوعب جميع الوضعيات مثل الأطفال في وضعية خطر أو ضحايا الكوارث أو الهجرة غير المصحوبة، مع توزيع المفاهيم داخل النص بدل تجميعها.

وانتقد استعمال مصطلحات ذات حمولة سجنية مثل “الإيداع” و”النزيل”، معتبرا أن طبيعة هذه المراكز تقتضي معجما قانونيا ذا بعد حمائي وتربوي.

وأوصى المجلس بالتنصيص على تعريف شامل للطفل المحتاج للحماية، واعتماد مصطلح “الطفل” بدل “النزيل” أو “الحدث”، ومراجعة المصطلحات بما يحترم كرامة الطفل، مع التنصيص على تفريد وسائل تحقيق المصلحة الفضلى حسب خصوصية كل طفل.

المصلحة الفضلى للطفل: من مبدأ توجيهي إلى قاعدة ملزمة

بخصوص المادة الثانية، اعتبر المجلس أن النص اكتفى بتكريس المصلحة الفضلى كغاية عامة دون تحديد وظيفتها القانونية كقاعدة ملزمة تقيد سلطة التقدير، وهو ما قد يحد من فعاليتها.

واستحضر في هذا السياق اجتهادات لجنة حقوق الطفل التي تعتبر هذا المبدأ قاعدة إجرائية ملزمة تفرض تقييم أثر القرارات وتعليلها وفق معايير محددة.

ودعا المجلس إلى إعادة صياغة المقتضى بما يجعل المصلحة الفضلى مبدأ ملزما واعتبارا أوليا يحكم تفسير وتطبيق جميع مقتضيات القانون.

ضعف المشاركة وتنوع الأوضاع

سجل المجلس، بخصوص المادتين 3 و4، أن المشروع ينظر إلى الطفل كموضوع للحماية أكثر من كونه صاحب حق، في ظل غياب آليات فعلية لإشراكه في اتخاذ القرار، حيث يرد استطلاع رأيه دون إلزام أو أثر قانوني.

كما نبه إلى عدم استحضار تنوع أوضاع الأطفال، خاصة الأجانب وعديمي الجنسية، واعتماد مقاربة موحدة لا تراعي الخصوصيات الثقافية، إضافة إلى حصر الولوجيات في بعدها المادي دون التكييف التربوي والتواصلي لفائدة الأطفال في وضعية إعاقة، وعدم التنصيص الصريح على التعليم كحق أساسي.

وأوصى المجلس بضمان مشاركة فعلية للطفل في القرارات، وتمكينه من المساعدة القانونية، وضمان حقوق الأطفال في وضعية إعاقة عبر تكييفات ملائمة، واحترام الخصوصيات الثقافية والدينية واللغوية.

طابع تدبيري ومركزية مفرطة

اعتبر المجلس أن إحداث الوكالة الوطنية لحماية الطفولة كمؤسسة عمومية ذات شخصية اعتبارية واستقلال مالي يكرس إدراج الحماية ضمن منطق السياسات العمومية، دون إضفاء طابع الاستقلال المرتبط بإعمال التزامات الدولة في مجال حقوق الطفل.

كما سجل مركزية المقر بالرباط وربط إحداث التمثيليات الترابية بقرار إداري، ما يعكس تصورا مركزيا قد يؤثر على الولوج المتكافئ للخدمات.

ودعا المجلس إلى التنصيص على اضطلاع الوكالة بمهامها في إطار احترام التزامات الدولة، وإحداث بنيات جهوية لضمان تعميم الحماية.

مهام الوكالة: غموض في الصياغة وضعف في الإلزام

بخصوص المادتين 7 و9، أشار المجلس إلى أن تعدد مهام الوكالة في مجالات التنسيق والتنفيذ والتتبع والإشراف، يظل رهينا بنصوص تنظيمية، مع تسجيل ضعف في الصياغة القانونية بسبب استعمال عبارات مثل “الإسهام” و”التشجيع” و”يجوز” التي لا تنشئ التزامات واضحة.

كما أبرزت تقارير ميدانية صادرة عن الآليات الوطنية وجود ضعف في التتبع الفعلي للأطفال قبل مغادرتهم المراكز وبعدها، موصيا بتحديد كيفيات تنزيل المهام بدقة، وربط الشراكات بمسؤوليات واضحة وآليات للمساءلة، واستبدال الصيغ التقديرية بصيغ إلزامية.

الحكامة والتسيير: الحاجة إلى تمثيلية أوسع وضبط المسؤوليات

في ما يتعلق بأجهزة الإدارة والتسيير، سجل المجلس أن اعتماد الحكامة التشاركية يقتضي إدماج تمثيلية مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان داخل مجلس الإدارة، إضافة إلى تمثيلية الأطفال أنفسهم.

كما نبه إلى غموض تحديد الجهة الحكومية الوصية، وضعف تأطير معايير الكفاءة، وغياب التوازن الجندري والتمثيلية الجهوية، وعدم تحديد مدة انتداب الأعضاء.

وأوصى بإدماج ممثل عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان داخل مجلس الإدارة، والتنصيص على تمثيلية الأطفال، وتحديد القطاعات الحكومية المعنية، وربط الكفاءة بخبرة في مجالات الطفولة، وضمان التوازن والتعددية، وتحديد مدة الانتداب وقابلية التجديد.

مراكز حماية الطفولة: ضرورة التقنين التشريعي المباشر

شدد المجلس، في ما يخص تنظيم مراكز حماية الطفولة، على أن هذه المقتضيات تمس بشكل مباشر حقوق الأطفال، ما يقتضي إدراج المبادئ والضمانات الأساسية داخل النص التشريعي نفسه، بدل الإحالة الواسعة إلى نصوص تنظيمية.

واعتبر أن الإحالة تكون ملائمة فقط في الجوانب التقنية، بينما يتعين تقنين القواعد المؤثرة في الوضعية القانونية للأطفال بشكل مباشر داخل القانون، بما يضمن وضوح الحقوق وقابليتها للتطبيق.

ودعا في هذا السياق إلى اعتماد مقاربة تشريعية قائمة على تقنين مباشر ومفصل للحقوق والضمانات الأساسية داخل النص القانوني، بما يكرس حماية فعلية لحقوق الأطفال داخل مراكز حماية الطفولة ومؤسسات الرعاية الاجتماعية.

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا