قالت الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة إن “تفشي السل في المغرب ليس قدرا محتوما؛ بل هو نتيجة مباشرة لبيئة اجتماعية تقتات على اتساع رقعة الهشاشة وفقر ممنهج يحرم فئات واسعة من الحد الأدنى من شروط العيش الكريم، ومن أزمة السكن غير اللائق باستمرار ‘دور الصفيح’ والبيوت المكتظة المفتقرة للتهوية، والتي تحولت إلى بؤر مثالية لتفريخ العدوى”.
وأشارت الشبكة، في تقرير عممته بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة مرض السل، إلى “سوء التغذية الذي يضعف المناعة ويجعل المواطن البسيط فريسة سهلة للمرض، في ظل ارتفاع أسعار المواد الغذائية وغلاء المعيشة وضعف القدرة الشرائية”، منبهة إلى “غياب الوقاية وتعثر التشخيص بسبب غياب الوسائل التقنية الحديثة في المراكز الصحية بالأحياء الشعبية والمناطق النائية”.
وذكرت الجهة عينها، في المستند الذي بعثت به إلى جريدة هسبريس، أن ذلك “ترك آلاف الحالات خارج دائرة الإحصاء والعلاج”، لافتة إلى “استمرار التفاوتات المجالية الصارخة بين المدن والبوادي وهوامش الحواضر”، بالإضافة إلى “تصاعد الإصابات بين الفئات الأكثر عرضة للخطر، لا سيما مدمني المخدرات والمدخنين والمصابين بـ’الإيدز’ في ظل غياب استراتيجيات دمج صحي وقائية فعالة، وبطء في محاربة تجار السموم والمخدرات”.
وحذرت المنظمة من “بقاء أدوية السل محتكرة من طرف الدولة وعدم بيعها في الصيدليات”، مسجلة أن “انقطاعها المتكرر وفقدانها داخل المؤسسات الصحية يعني حكما بالإعدام على المرضى”.
وتابعت: “يؤدي ذلك مباشرة إلى ظهور ‘السل المقاوم للأدوية’، وهو وحش طبي مكلف جدا ومميت، يهدد الأمن الصحي الوطني ويهدر ميزانية الدولة”.
كما لفت المصدر ذاته إلى أن “الوضعية أدت إلى ارتفاع معدل الوفيات السنوي، حيث يسجل المغرب سنويا ما يقارب 3 آلاف إلى 3 آلاف و300 وفاة بسبب داء السل”، مشيرا إلى أن “هذا يعني أن المغرب يفقد ما معدله 9 أشخاص يوميا بسبب هذا الداء”.
وزادت: “تقدر نسبة الوفيات بحوالي 10 في المائة بين مجموع المصابين (أي أن شخصا واحدا من كل 10 مرضى يلقى حتفه)”.
وأفادت الجهة ذاتها بأن “النسبة ترتفع لتصل إلى 20 في المائة، أي شخص من كل 5 أشخاص، لدى المرضى المصابين بالسل وفيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز) في آن واحد”، في الوقت الذي “يلتزم فيه المغرب دوليا بالقضاء على السل بحلول سنة 2030”.
وذكرت الشبكة “تسجيل أزيد من 37 ألف حالة جديدة سنويا؛ وهو رقم مرشح للتضاعف في حال اعتماد كشف مبكر حقيقي”، مستندة إلى “تقارير” قالت إنها “تشير إلى أن حوالي 15 في المائة من حالات السل في المغرب لا يتم اكتشافها سنويا؛ مما يساهم في تحول الحالات غير المعالجة إلى ‘سل مقاوم’ نتيجة العدوى أو الانقطاع عن الدواء، وارتفاع معدل الوفيات”.
وأبرز علي لطفي، رئيس الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة، أن “استفحال داء السل في المغرب يستدعي إطلاق حوار وطني عاجل تشارك فيه كافة المؤسسات العمومية والخبراء، بهدف إرساء خطة وطنية مندمجة تتجاوز المقاربة الطبية الضيقة لتشمل تحسين الظروف المعيشية وتوفير السكن اللائق للفئات الهشة”.
وأكد لطفي، في تصريح لهسبريس، أن “محاربة هذا الداء تبدأ من معالجة مسبباته الاجتماعية؛ كالاكتظاظ وسوء التغذية والظواهر التي تضعف المناعة، لضمان كرامة المواطن وحماية الأمن الصحي القومي”.
وانتقد الفاعل المدني عينه ما أسماه “اختلالات مرتبطة بتدبير أدوية السل التي تحتكرها وزارة الصحة ولا تتوفر في الصيدليات”، مشددا على أن “الانقطاعات المتكررة لهذه الأدوية في المراكز الصحية تُعد ‘حكما بالإعدام’ على المرضى؛ إذ تؤدي مباشرة إلى ظهور السل المقاوم للأدوية، وهو نمط مرضي فتاك ومعقد يتطلب بروتوكولات علاجية باهظة الكلفة، مما يفرغ ميزانية الدولة من مواردها دون تحقيق النتائج المرجوة”.
وخلص لطفي إلى “ضرورة تنظيم مناظرة وطنية شاملة تضع وزارة الصحة أمام مسؤولياتها في التدبير الأمثل للموارد المالية، خاصة مع الدعم الدولي المخصص لهذا الغرض”، داعيا إلى “وضع استراتيجية وقائية محكمة تضمن استمرارية العلاج وعدم ندرته”، ومحذرا “من أن استمرار الوضع الحالي دون تدابير استعجالية سيؤدي إلى تفاقم انتشار المرض وتحوله إلى معضلة صحية يصعب احتواؤها مستقبلا”.
المصدر:
هسبريس