كشف تقرير تحليلي جديد صادر عن معهد الدراسات الاجتماعية والإعلامية أن أي اضطراب حاد في مضيق هرمز وما يترتب عنه من ارتفاع كبير في أسعار النفط والمنتجات المكررة قد يدفع سوق المحروقات المغربي إلى موجة غلاء حادة، لا تقف عند حدود محطات الوقود، بل تمتد إلى الغذاء والنقل والقدرة الشرائية والميزان التجاري والاستقرار الاجتماعي، في مشهد يضع الاقتصاد الوطني أمام اختبار صعب ويعيد إلى الواجهة ملف السيادة الطاقية بكل تعقيداته.
التقرير، الذي يحمل عنوان “أثر أزمة مضيق هرمز الجيوسياسية لعام 2026 على سوق المحروقات المغربي: دراسة تحليلية مقارنة بين تداعيات الصراع الدولي ونتائج استطلاع الرأي الوطني لسنة 2023″، ينطلق من فرضية مركزية مفادها أن المغرب يوجد في موقع شديد الحساسية تجاه الصدمات الخارجية المرتبطة بالطاقة، بالنظر إلى اعتماده الكبير على الاستيراد، وغياب مصفاة وطنية عاملة، واستمرار ارتباط السوق المحلية بأسعار المنتجات النفطية المكررة في السوق الدولية.
ووفق التقرير، الذي أعده الباحث يونس بنان، فإن الخطر لا يكمن فقط في ارتفاع النفط الخام، بل في التحول الذي قد تعرفه سلاسل الإمداد العالمية عندما تنتقل الأزمة من مجرد توتر جيوسياسي إلى اختناق في مسارات الإمداد البحري، وارتفاع كلفة التأمين والشحن، وتقلص العرض، بما يجعل الأثر على المغرب مباشرا وسريعا، خاصة أن البلاد تستورد معظم احتياجاتها من الطاقة من الخارج.
من مضيق هرمز إلى محطة الوقود المغربية
رسم التقرير صورة متكاملة لسلسلة التأثير؛ أزمة جيوسياسية في الخليج، يتبعها اضطراب في حركة المرور البحري بمضيق هرمز، ثم ارتفاع عالمي في أسعار النفط والمنتجات المكررة، بعدها انتقال الأثر إلى السوق المغربية عبر الاستيراد، لتظهر النتيجة النهائية في شكل زيادات سريعة في أثمان الغازوال والبنزين، وما يرافقها من موجة ضغط على الأسر والمقاولات والنقل والمواد الغذائية.
ويؤكد التقرير أن المسألة لا تتعلق فقط بما يدفعه السائق عند المضخة، بل بما تتحمله الأسر لاحقا عند شراء الخضر والفواكه والسمك واللحوم والسلع الأساسية، لأن كلفة النقل والشحن تدخل في صلب السعر النهائي للمنتجات. ومن هنا، فإن أي زيادة في المحروقات تتحول بسرعة إلى موجة تضخمية متسلسلة تمس مختلف القطاعات.
وعرض التقرير سلسلة من السيناريوهات التي تفترض استمرار الاضطراب في الإمدادات العالمية لفترات متفاوتة، مشيرا إلى أن الأسعار قد تقفز في بعض الحالات إلى ما بين 100 و130 دولارا للبرميل، وقد ترتفع أكثر في السيناريوهات الممتدة، بل وتصل إلى 200 دولار أو أكثر في حالة التعطل الدائم أو الانفجار الكامل للأزمة، وهو ما يصفه التقرير بأنه وضع قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي واسع، ويترك الدول المستوردة للطاقة تحت ضغط بالغ.
ويرى التقرير أن المغرب سيكون من بين أكثر البلدان المعرضة لتداعيات هذا الوضع، ليس فقط بسبب حجم التبعية الطاقية، بل أيضا لأن السوق المحلية فقدت منذ سنوات إحدى أهم أدوات التخفيف الهيكلي، والمقصود هنا مصفاة “سامير”، ما جعل المملكة أكثر ارتباطا مباشرة بأسعار الاستيراد وتكاليف التكرير الخارجية.
وفي أحد أكثر أجزاء التقرير أهمية، يعود الباحث إلى استطلاع وطني لسنة 2023 لقياس الأثر الاجتماعي السابق لارتفاع أسعار المحروقات، باعتباره مرجعا يمكن الانطلاق منه لفهم هشاشة الوضع الاجتماعي إذا ما تجددت الصدمة بشكل أقسى، حيث كشفت نتائج هذا الاستطلاع أن المجتمع المغربي كان قد أظهر بالفعل مؤشرات إنهاك واضحة قبل الحديث عن سيناريوهات 2026.
وحسب التقرير، فإن 99.2% من المشاركين صرحوا بأنهم لاحظوا زيادة كبيرة في تكلفة التموين الشهري لسياراتهم، وأن 93.3% أكدوا أن ارتفاع الأسعار أثر على قدرتهم على توفير الأساسيات مثل الغذاء والإيجار، فيما صرح 95.4% أنهم اضطروا إلى تقليص الإنفاق غير الأساسي، في حين قال 48.4% إنهم لا يمتلكون استراتيجية فعالة للتكيف مع الغلاء، بينما أبرز 85.4% أنهم غيروا عادات القيادة أو السفر.
ويقرأ التقرير هذه الأرقام على أنها دليل على أن المواطن المغربي لم يعد يمتلك هامشا كبيرا للمناورة، وأن أي صدمة جديدة ستضرب مجتمعا استنفد أصلا جزءا كبيرا من قدرته على التكيف. وهذا، في نظر معد التقرير، هو ما قد يفسر حدة الغضب الشعبي وسرعة انتقال التوتر من الجانب الاقتصادي إلى المجال الاجتماعي والسياسي.
الطبقة المتوسطة ستدفع الثمن
أولى التقرير اهتماما خاصا للطبقة المتوسطة، واعتبرها الخزان الأكثر تعرضا للصدمة. فهذه الفئة تتحمل تكاليف التنقل، والسكن، وتعليم الأبناء، والمشتريات اليومية، وغالبا ما لا تستفيد من أنظمة حماية اجتماعية كافية لتخفيف أثر الزيادات الكبرى. لذلك، فإن ارتفاع المحروقات لا يصيبها فقط في قدرتها على التنقل، بل يضرب توازن ميزانيتها الشهرية برمته.
وحسب الوثيقة، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في ارتفاع مباشر لسعر الوقود فقط، بل في تحوله إلى أداة تضغط على مجمل الحياة اليومية؛ الأب الذي يستعمل السيارة للعمل، والأسرة التي تشتري الخضر واللحوم، والتاجر الذي يؤدي كلفة النقل، والمهني الذي ينقل البضائع، كلهم يدخلون في سلسلة واحدة من التأثر. بهذا المعنى، تتحول المحروقات إلى مفتاح أزمة معيشية شاملة لا إلى مجرد ملف قطاعي.
ومن النقاط اللافتة التي يبرزها التقرير حديثه عن بنية الأسعار في المغرب، موضحا أن ثمن اللتر لا يعكس فقط كلفة شراء المادة من السوق الدولية، بل يشمل أيضا الضرائب وهوامش التوزيع وتكاليف النقل والتأمين. وفي زمن الأزمات، تصبح هذه البنية أكثر إثارة للجدل، لأن المواطن يرى السعر النهائي في المحطة، لكنه لا يملك دائما صورة واضحة عن حجم ما تمثله الضرائب وما تمثله كلفة الاستيراد وما تمثله هوامش الربح.
وهنا يعيد التقرير طرح سؤال قديم متجدد؛ هل يكفي ربط الأسعار بالسوق الدولية لتبرير كل زيادات الداخل؟ وهل توجد آليات رقابة صارمة تضمن ألا تتحول الأزمات الدولية إلى فرصة لتوسيع هوامش الربح محليا؟ وهل من المشروع سياسيا واقتصاديا أن تترك الدولة السوق يتحرك وحده في ظرف استثنائي شديد الحساسية؟
الوثيقة لا تفصل الاقتصاد عن النقاش العمومي، بل تشير إلى أن موجات الارتفاع المتزامنة في الأسعار تعيد دائما إلى الواجهة اتهامات التواطؤ بين بعض الفاعلين في السوق، أو على الأقل تغذي هذا الانطباع لدى الرأي العام. كما تبرز أن مطلب تسقيف الأسعار أو على الأقل تحديد هوامش الربح في فترات الأزمات عاد بقوة إلى واجهة النقاش العمومي والسياسي والحقوقي.
وفي هذا السياق، ينقل التقرير أن جزءا مهما من الأصوات المنتقدة يرى أن تحرير أسعار المحروقات جعل المستهلك المغربي في مواجهة مباشرة مع تقلبات السوق الدولية دون حواجز حماية كافية، بينما يرى المدافعون عن منطق السوق أن أي تدخل في التسعير قد يؤدي إلى اضطراب الإمدادات أو تحميل مالية الدولة أعباء لا قدرة لها على تحملها. التقرير لا يحسم نهائيا في هذا الجدل، لكنه يميل بوضوح إلى أن الوضع الاستثنائي يبرر أدوات استثنائية.
ومن أهم ما يلفت إليه التقرير أن أثر الغلاء لا يتوقف عند النقل، بل ينتقل إلى سلة الغذاء. فهو يربط بين ارتفاع أسعار المحروقات وارتفاع تكاليف نقل المنتجات الطازجة والصيد البحري والتوزيع بين الأسواق، ما يؤدي إلى زيادات في أسعار السمك والفواكه والخضر وغيرها. وبذلك تصبح الصدمة مضاعفة؛ المواطن يدفع أكثر في الوقود، ثم يدفع مرة ثانية في الغذاء، ثم يتعرض مرة ثالثة لتراجع قدرته على الادخار والإنفاق غير الأساسي.
ومن هذا المنطلق، يحذر التقرير من أن استمرار هذا المسار قد يفضي إلى تآكل متسارع للقدرة الشرائية، خاصة لدى الفئات التي لا تستفيد من زيادات في الأجور أو من دعم مباشر، وهو ما يهدد، بحسب الوثيقة، بزيادة منسوب الاحتقان الاجتماعي إذا لم تُعتمد سياسات احتواء سريعة وفعالة.
اقتصاديا، يتوقع التقرير أن يؤدي ارتفاع فاتورة الطاقة إلى اتساع عجز الحساب الجاري وازدياد الضغط على الميزان التجاري، مع إمكانية تجاوز فاتورة المنتجات البترولية مستويات مرتفعة جدا إذا استقرت الأسعار الدولية فوق عتبات عالية، معتبرا أن هذا الوضع قد يدفع التضخم إلى مستويات أعلى، ويضع بنك المغرب أمام مفاضلة شديدة الصعوبة بين دعم النشاط الاقتصادي والحفاظ على استقرار الأسعار.
ويرى التقرير أن الصدمة الطاقية لا تنحصر في سوق الوقود، بل قد تتحول إلى معضلة متعددة الأبعاد؛ تضخم أعلى، نمو أضعف، عجز تجاري أكبر، ضغط إضافي على المالية العمومية، وارتفاع في كلفة المعيشة.
ماذا فعلت الحكومة؟
يسجل التقرير أن الحكومة لجأت إلى دعم استثنائي لمهنيي النقل عبر منصة “مواكبة”، في محاولة لتخفيف أثر ارتفاع المحروقات على سلاسل الإمداد وتعريفة النقل العمومي والمهني، غير أن الوثيقة تشير إلى أن هذا الإجراء، رغم أهميته، لم ينه الجدل، لأن انتقادات واسعة اعتبرت أنه يوجه الدعم إلى الفاعلين المهنيين أكثر مما يخفف العبء المباشر عن المواطن العادي الذي يدفع ثمن الغلاء في حياته اليومية.
ويضيف التقرير أن المعضلة لا تكمن فقط في وجود الدعم أو غيابه، بل في فعاليته وشفافيته وشروطه، وهل ينعكس فعلا على الأسعار النهائية، أم يظل مجرد إجراء مالي لا يصل أثره كاملا إلى المستهلك. وهذه نقطة حساسة، لأن ثقة المواطن في التدخلات العمومية ترتبط بقدرته على رؤية الأثر في السوق، لا بسماع الإعلان عنه فقط.
ومن بين أكثر ما يجعل التقرير ذا صبغة سياسية، هو عودته إلى ملف مصفاة “سامير”. فالوثيقة تعتبر أن استمرار غياب مصفاة وطنية عاملة جعل المغرب أكثر هشاشة في مواجهة تقلبات الأسواق الدولية، وأكثر تبعية لاستيراد المنتجات المكررة بدل خام النفط فقط. وهذا، في نظر التقرير، ليس مجرد تفصيل تقني، بل قضية أمن اقتصادي وطاقي.
ويرى معد التقرير أن إعادة تشغيل المصفاة، سواء عبر تسوية ملفها الاستثماري أو عبر حلول أخرى، ينبغي أن تتحول إلى أولوية استراتيجية، لأن امتلاك قدرة تكرير وطنية يمنح البلاد هامشا أكبر في التخزين، والتدبير، والتفاوض، وامتصاص الصدمات. كما يربط هذا الطرح بالحاجة إلى تطوير قدرات التخزين الاستراتيجي وتوسيع البنية التحتية الطاقية.
ولم يتوقف التقرير عند وصف الأزمة، بل ربطها بمسألة التحول الطاقي، معتبرا أن توسيع استعمال السيارات الهجينة والكهربائية، والاستثمار في الطاقات المتجددة، وتطوير مشاريع الغاز والهيدروجين الأخضر، لم يعد مجرد خيار بيئي أو رمزي، بل أصبح ضرورة اقتصادية وسيادية. فالاعتماد شبه الكلي على المحروقات المستوردة يجعل كل توتر خارجي قابلا للتحول إلى أزمة داخلية.
وفي هذا الإطار، يشير التقرير إلى صعود حصة السيارات الهجينة والكهربائية، وإلى مشاريع بنية تحتية طاقية جديدة، معتبرا أن تسريع هذا المسار هو أحد المخارج الاستراتيجية لتقليص الانكشاف المغربي على تقلبات الأسواق الدولية وممرات الملاحة المضطربة.
وخلص التقرير إلى حزمة من التوصيات، بعضها آني وبعضها استراتيجي. ففي المدى القريب، دعا إلى مراجعة ضريبية مؤقتة لامتصاص جزء من الزيادات، وضبط هوامش الربح خلال الأزمات، وتحسين نجاعة وشفافية الدعم الموجه للمهنيين، بالإضافة إلى منع تحميل المستهلك زيادات لا تبررها الكميات المخزنة سلفا.
أما في المدى الأبعد، فيشدد على الحسم في ملف سامير، وتوسيع قدرات التخزين، وتسريع الانتقال إلى النقل البديل، ووتقوية السيادة الطاقية عبر الطاقات المتجددة ومشاريع الغاز والهيدروجين.
المصدر:
العمق