كود الرباط//
كشف تقرير حديث صادر عن Afrobarometer أن العلاقة بين الشباب المغربي والمؤسسات السياسية فيها الكثير الشك وانعدام الثقة، رغم الإصلاحات السياسية التي شهدها المغرب خلال السنوات الأخيرة .
التقرير يوضح أن الشباب الذين يمثلون حوالي ثلث سكان البلاد يفترض أن يكونوا في قلب الدينامية السياسية، غير أن واقع الحال يكشف مسافة واضحة بينهم وبين الفاعلين السياسيين، وهي مسافة تغذيها تصورات راسخة حول الفساد وضعف الأداء، إلى جانب الإكراهات الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بالبطالة وقلة الفرص، ما يعمق الشعور بالتهميش ويضعف المشاركة السياسية
المعطيات الميدانية التي جمعتها الدراسة في فبراير 2024 اعتماداً على عينة من 1200 مغربي تبين أن الثقة في المؤسسات تبقى محدودة، إذ لا يتجاوز عدد الشباب الذين يصرحون بثقة نسبية في البرلمان 37 في المائة، بينما تنخفض هذه النسبة إلى 34 في المائة بالنسبة للمجالس الجماعية و33 في المائة فقط لرئيس الحكومة، وهي نفس النسبة تقريباً المسجلة بالنسبة للأحزاب السياسية سواء في الأغلبية أو المعارضة، ما يعكس أزمة ثقة شاملة تشمل مختلف الفاعلين دون استثناء
هذا الضعف في الثقة يرتبط بشكل مباشر بالصورة الذهنية السائدة لدى الشباب حول انتشار الفساد داخل المؤسسات، حيث يرى ثلث الشباب تقريباً أن أغلب أو جميع المستشارين الجماعيين متورطون في الفساد، بينما تصل هذه النسبة إلى 32 في المائة بالنسبة للبرلمانيين و27 في المائة لمسؤولي رئاسة الحكومة، وهي نسب أعلى مما يسجله كبار السن، ما يؤكد أن الجيل الجديد أكثر تشدداً في تقييمه لأخلاقيات العمل السياسي
ولا يقف الأمر عند حدود التصورات، بل يمتد إلى تقييم الأداء، إذ لا يتجاوز عدد الشباب الذين يعبرون عن رضاهم عن أداء المنتخبين المحليين 30 في المائة، وتنخفض النسبة إلى 29 في المائة بالنسبة لرئيس الحكومة و28 في المائة للبرلمانيين، وهو ما يعكس ضعف القناعة بجدوى السياسات العمومية ومدى قدرتها على الاستجابة لانتظارات هذه الفئة
ورغم هذا المناخ المتسم بالشك، فإن الشباب المغربي لا يرفض من حيث المبدأ قواعد اللعبة الديمقراطية، بل على العكس من ذلك يعبر عن تمسك واضح بمبادئها، حيث يرى 67 في المائة أن رئيس الحكومة يجب أن يخضع للمساءلة أمام البرلمان، ويؤكد 63 في المائة ضرورة احترامه للقانون وقرارات القضاء، غير أن هذا الالتزام النظري يقابله تشكيك في التطبيق العملي، إذ لا يتجاوز عدد الذين يعتقدون أن هذه المبادئ تحترم فعلياً نصف المستجوبين تقريباً، ما يكشف فجوة واضحة بين النص والممارسة
على مستوى السلوك السياسي، يبرز التقرير أن الشباب أقل انخراطاً في القنوات التقليدية للمشاركة، حيث لم تتجاوز نسبة المصوتين منهم في انتخابات 2021 حدود 40 في المائة، كما أن الإحساس بالقرب من الأحزاب السياسية لا يتعدى 8 في المائة، في حين أن نسبة الذين شاركوا في مبادرات جماعية لمطالبة الحكومة بالتحرك لا تتجاوز 11 في المائة، وهي مؤشرات تعكس اتساع ظاهرة العزوف السياسي في صفوف هذه الفئة
في المقابل، يسجل التقرير تحولا في أشكال التعبير السياسي لدى الشباب، حيث ترتفع نسبة الذين ينشرون محتوى سياسياً على مواقع التواصل الاجتماعي إلى 16 في المائة، كما تصل نسبة المشاركين في الاحتجاجات إلى 8 في المائة، ما يدل على انتقال تدريجي من المشاركة المؤسساتية إلى أشكال بديلة أكثر مباشرة وتعبيراً .
كما يسجل ضعف واضح في التواصل المباشر بين الشباب والفاعلين السياسيين، إذ لم تتجاوز نسبة الذين تواصلوا مع قادة أحزاب 10 في المائة، و6 في المائة فقط مع البرلمانيين خلال سنة واحدة، وهو ما يعكس محدودية قنوات الوساطة السياسية وعدم قدرتها على استيعاب تطلعات الجيل الجديد
ورسم تقرير Afrobarometer صورة دقيقة لوضع سياسي يتسم بضعف الثقة وارتفاع منسوب الشك لدى الشباب المغربي، مع استمرار التمسك بالمبادئ الديمقراطية مقابل تشكيك في مدى احترامها على أرض الواقع، وهو ما يضع المؤسسات أمام تحدي استعادة المصداقية وإعادة ربط الصلة مع جيل أصبح أكثر نقداً وأقل استعداداً للانخراط في الأشكال التقليدية للعمل السياسي .
المصدر:
كود