آخر الأخبار

رحيل أبي العزم .. "صانع المعاجم" وازن بين البحث العلمي والعمل السياسي

شارك

نعي واسع رافق رحيل “شيخ المعجميين المغاربة” عبد الغني أبو العزم، الأكاديمي والسارد وصانع المعاجم الذي ألّف “معجم الغني الزاهر”؛ وهو معجم يواكب حياة اللغة العربية، ويميز كلماتها عربية الأصل عن الكلمات المتبناة من خارجها أو المعربة.

في سن ناهز خمسا وثمانين سنة، رحل أبو العزم الذي كان من المبرمج تكريمه خلال الأيام المقبلة، والذي كرمه “المؤتمر الوطني للغة العربية” في أحدث مؤتمراته بالرباط السنة الفارطة 2025، وبعد تكريم في السنة الجارية خصته به مجلة “اللسان العربي” التي يصدرها مكتب تنسيق التعريب بالرباط “تقديرا لمساره العلمي في خدمة اللغة العربية، وترسيخ مكانة الدرس المعجمي وتطوير مساراته”.

أبو العزم، الذي درّس بشعبة اللغة العربية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس، كان له أثر في النقاش العمومي السياسي والثقافي داخل البلد وخارجه، وكان عمودا من أعمدة مبادرات مغربية؛ من بينها، على سبيل المثال لا الحصر، إصدار جريدة أنوال “التحليلية النقدية”، التي كان من امتداداتها “أنوال الثقافي”، فضلا عن ترجمته، مع المؤرخ عبد الأحد السبتي، باسمين مستعارين، مرجعا لفهم السياسة بالمغرب، لم يكن مسموحا وصوله إلى رفوف البلاد في زمن الملك الراحل الحسن الثاني، هو أطروحة الأكاديمي الأمريكي جون واتربوري “أمير المؤمنين.. الملكية والنخبة السياسية في المغرب”.

ومن المجالات التي طبعها الفقيد في المجال الثقافي كتابة السيرة، التي توجته بجائزة المغرب الكبرى للكتاب، وكانت أحدث إسهاماته فيها قبل سنتين حوارات “بعيدا عن الضريح”، التي سبقها بعشرين سنة “الضريح: سيرة ذاتية”، ثم “الضريح الآخر” الصادر سنة 1996.

ومن بين ما شهد عليه منشئ المعاجم المغربي في آخر شهاداته المنشورة؛ المسار، و“الوعي الثوري” و”الوعي الديمقراطي” و”ميلاد الفكر اليساري” بالمملكة، الذي يكشف منه حلقات شهد عليها بجامعة فاس، مع وقوفه عند القضية الفلسطينية، وترافعه لصالح اللغة العربية.

صاحب معاجم، من بينها “المعجم الصغير” المتحرك في أجزائه بين العربية وألسن أخرى للعالم، طبع المشهد الثقافي المتحدث باللغة العربية بإنشائه القاموس اللغوي “معجم الغني الزاهر”، الغني بالاستشهادات، مع ضمه 30 ألف مادة لغوية وأزيد من 195 ألف كلمة مشتقة من أجل “مواكبة التطورات اللغوية الجديدة”؛ لأن “مهمة المعجم المعاصر هي تسجيل اللغة الحية والمتغيرة، بمفرداتها الجديدة وتعابيرها المستحدثة”، مع اعتماده فيه “ترتيبا ألفبائيا صوتيا: حسب النطق، بدلا من الجذر الصرفي التقليدي، مما يُيسر عملية البحث ويُقرب المعجم من النمط العالمي المعتمد”، و”تمييز دقيق بين الكلمات: يفصل بين الكلمات العربية الأصلية والكلمات الدخيلة والمعربة”، يرفقه بـ”تعريف دقيق وسياقي لكل منها”.

الأكاديمي، الذي قاد “الجمعية المغربية للدراسات المعجمية” وتولى مسؤوليات من بينها قيادة “وحدة البحث والتكوين في علوم اللغة العربية والمعجميات”، أغنى المشهد البحثي، كذلك، بدارسات حول مواضيع؛ من بينها “المعجم المدرسي” و”المعجم التاريخي”، فضلا عن إسهاماته في المشهد الثقافي عبر التحقيق، أو عبر الترجمة لمراجع من بينها “ألف سنة من حياة اليهود بالمغرب”، للمؤرخ المغربي الراحل حاييم الزعفراني، الذي نقله إلى العربية مع الأكاديمي الفقيه اللغوي المتخصص في اللغات “العربانية” والحضارات الشرقية أحمد شحلان.

وطيلة مساره دافع عبد الغني أبو العزم من موقعه العلمي والمجتمعي عن اللغة العربية بوصفها “ركيزة من ركائز الثقافة المغربية”، ناقلا خلاصاته البحثية حول مكتبتها الغنية، التي تتيح لها أن تكون “من بين لغات العالم العشر الأوائل مؤهلة للانفتاح على ثقافة العصر، بكل مكوناتها، بما يمكن أن تستورده من مصطلحات العلوم الحديثة، وكل ما يمكن أن يغني مادتها اللغوية من تعابير جديدة، سواء بواسطة الترجمة، أو ما يمكن أن تستورده من شتى اللغات”.

ونبه أبو العزم إلى أن “الأزمة اللغوية” لا علاقة لها بلغة من اللغات؛ بل إن حقيقتها تكمن “في مظاهر التخلف من جهة، وانعكاسها على المضامين التقليدية القابعة في البرامج التعليمية من جهة أخرى. ومن الطبيعي أن يمس هذا الواقع مستوى البحث العلمي ومردوديته، كما يمس بالتوالي تسيير الإدارة ومؤسسات الدولة”.

ولم يقتصر أثر أبي العزم على الجانب المعجمي واللغوي والتأطير الأكاديمي لأجيال من الطلبة والباحثين، الذي جعله “شيخ المعجميين المغاربة” وفق رئيس الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية فؤاد بوعلي؛ بل كان، وفق شهادات من بينها شهادة الأستاذة الجامعية والسياسية اليسارية لطيفة البوحسيني، جزءا من المسار السياسي لمغرب ما بعد الاستقلال، فـ”عرفته ساحات النضال منذ شبابه الأول في صفوف الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، خلال نهاية الستينيات، ثم في صفوف منظمة 23 مارس خلال السبعينيات، التي جاء إليها ضمن ثلة من الشباب المنسحب من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. وكان من مؤسسي منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، بداية الثمانينيات، وأحد قادتها البارزين”، وكان من مؤسسي المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، و”من الأصوات البارزة في الدفاع عن القضية الفلسطينية”.

وتابعت شهادة البوحسيني: “أدى عبد الغني أبو العزم ضريبة انخراطه والتزامه النضالي، بقضاء سنوات في المنفى شرقا بسوريا، وغربا بفرنسا، حيث تابع دراسته الجامعية بباريس (…) المثير لدى المرحوم هو عدم تخليه البتة عن إنتاجه الأكاديمي والعلمي، رغم انشغالاته النضالية الكثيرة”، وحرصه “رغم التعب والعياء وصعوبة الحركة (…) على حضور الأنشطة الثقافية والفكرية، إلى آخر لحظات حياته”.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا