حمل والي بنك المغرب عبد اللطيف الجواهري مسؤولية تتبع الارتفاع السريع لأسعار المحروقات إلى مجلس المنافسة، مؤكداً في المقابل أن الرؤية لا تزال غير واضحة بخصوص تطورات الحرب وتداعياتها الاقتصادية.
وأبرز الجواهري، خلال ندوة صحفية أعقبت أشغال الاجتماع الفصلي الأول لسنة 2026 لمجلس بنك المغرب، صباح الثلاثاء، أن تطور أسعار المحروقات يظل مرتبطاً بالسياق الدولي وبآليات التتبع الوطنية، موضحاً أن الأسعار شهدت بالفعل ارتفاعاً في الآونة الأخيرة، بعدما كان سعر البرميل قد بلغ في وقت سابق نحو 67 دولاراً، في حين اعتمد البنك متوسطاً سنوياً في حدود 80 دولاراً، وهو ما يشكل مرجعية في التقديرات.
ولفت أن مراقبة أي زيادات شهرية في الأسعار تظل من اختصاص مجلس المنافسة الذي يتولى تتبعها من خلال تقاريره الدورية، والتي يعتمد عليها البنك في تقييم الوضع، إلى جانب معطياته الداخلية التي يقوم بمقارنتها بشكل مستمر.
وأضاف الجواهري أنه رغم تسجيل ارتفاعات مرتبطة باندلاع الحرب منذ 28 فبراير، فإن المقاربة المعتمدة تقوم على احتساب متوسط سنوي، ما يعني أن الارتفاعات الظرفية لا يمكن عزلها عن هذا الإطار العام، مشدداً على أن مسألة التفاوت بين سرعة ارتفاع الأسعار عند صعودها عالمياً وبطء انخفاضها عند التراجع، تظل موضوع تتبع من قبل مجلس المنافسة الذي التزم بإصدار تقارير واضحة تستند إلى المعطيات المتفق عليها مع شركات التوزيع، مؤكداً أن هذا الملف يخضع للمراقبة ولن يُترك دون متابعة.
وأوضح أن تقييم انعكاسات ارتفاع الأسعار لا يتم بناءً على زيادات ظرفية محدودة، بل على أساس اتجاهات ممتدة، مبرزاً أنه في حال تأكد منحى تصاعدي مسترسل للأسعار على مدى ستة أشهر أو سنة، فإن الأمر يستوجب إعادة النظر في الانعكاسات الشاملة على الاقتصاد الوطني، سواء على مستوى المقاولات أو الأسر أو القطاعات الحساسة مثل النقل.
وأضاف أن التجربة أظهرت قدرة الفاعلين على التكيف المرحلي في انتظار تدخلات داعمة عند الحاجة، وأنه لا يمكن إصدار أحكام مسبقة، خاصة إذا تم نقل الارتفاعات بشكل كامل إلى المستهلك، حيث يصبح التدخل حينها قائماً بأدوات وأرقام مختلفة.
وأشار والي بنك المغرب إلى إحداث آلية مشتركة للتتبع بين البنك ووزارة المالية، تقوم على اجتماعات أسبوعية لرصد تطور المؤشرات الأساسية، بما يشمل النمو والتضخم واحتياطي العملة وميزانية الدولة، مؤكداً أن هذا التتبع المنتظم سيمكن من رفع التوصيات اللازمة إلى الحكومة لاتخاذ القرارات المناسبة، مبرزاً أن المقاربة لا تقتصر على دعم الأسر فقط، بل تشمل تدبيراً شمولياً للوضعية الاقتصادية.
كما لفت أن التجربة المغربية حظيت بإشادة دولية من حيث القدرة على التحكم في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، كما أظهرته بعض المقارنات الإعلامية مع تجارب دول أخرى، وهو ما يفرض، بحسبه، الحفاظ على مقاربة إيجابية تقوم على رصد الاختلالات دون التهويل، خاصة وأن الوضع لا يزال في بدايته، مع الأمل في أن لا تطول تداعيات الأزمة على الصعيد الدولي.
وبخصوص تداعيات الحرب، أوضح الجواهري أن التمييز بين سيناريو “قصير الأمد” و“طويل الأمد” يظل في جوهره تقييماً سياسياً، مشيراً إلى أن البنك يعتمد في تحليلاته على ما يصدر عن الفاعلين السياسيين، إلى جانب التنسيق المستمر مع مؤسسات دولية من قبيل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وشركاء أوروبيين، مضيفاً أن هذه الجهات نفسها لا تزال في مرحلة تقييم وتساؤل بشأن تطور الأوضاع، رغم توفرها على تقديرات أولية.
وأضاف أن تعريف “قصير الأمد” شهد بدوره تطوراً، إذ انتقل من شهر واحد في التقديرات الأولى إلى ستة أشهر، مع إمكانية امتداده إلى ما بعد ذلك، مبرزاً أن طبيعة الحرب من حيث حدتها واستنزافها للموارد اللوجستية والعسكرية تجعل من الصعب التنبؤ بمداها الزمني بدقة، كما أن المعطيات الحالية لا تسمح بالجزم بالمسار النهائي قبل موعد الاجتماع المقبل للمجلس في يونيو.
وسجل في هذا السياق أن التطورات الجيوسياسية تشير إلى تباين في المواقف الدولية، حيث دعا الرئيس الأمريكي عدداً من الشركاء إلى المساهمة، في حين أكد الأوروبيون أن تدخل حلف شمال الأطلسي لا يندرج ضمن اختصاصاته في هذا السياق، مضيفاً أن التحليلات المتداولة تشير إلى غموض نسبي في الاستراتيجية الأمريكية مقابل وضوح أكبر في الاستراتيجية الإسرائيلية، وهو ما قد يقود، في حال استمرار الوضع، إلى طرح خيار العودة إلى طاولة المفاوضات، خاصة في ظل تزايد الدعوات الدولية إلى الحلول الدبلوماسية.
المصدر:
العمق