توصلت المصالح المركزية بوزارة الداخلية، خلال الفترة الأخيرة، بتقارير دقيقة صادرة عن السلطات الإدارية والترابية بعدد من الأقاليم والعمالات، كشفت عن وجود اختلالات وتجاوزات إدارية مرتبطة بضعف التشخيص الدقيق للموارد والإمكانات المالية لدى عدد من الجماعات الترابية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على برمجة المشاريع وتنفيذها على أرض الواقع.
وأفادت مصادر عليمة لجريدة العمق المغربي أن هذه التقارير رفعتها مصالح الشؤون الداخلية التابعة للعمالات والأقاليم إلى المديرية العامة للجماعات الترابية بوزارة الداخلية، حيث تضمنت معطيات مقلقة حول غياب رؤية مالية واضحة لدى بعض المجالس المنتخبة، خاصة فيما يتعلق بتحديد الموارد الذاتية للجماعات ومدى قدرتها على تمويل البرامج والمشاريع المعلن عنها.
وبحسب المصادر ذاتها، فقد سجلت التقارير أن عدداً من الجماعات الترابية لا تحرص بالشكل الكافي على إنجاز تشخيص دقيق لوضعيتها المالية قبل إعداد برامج العمل أو إطلاق مشاريع تنموية، الأمر الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى برمجة مشاريع تفوق الإمكانات المالية المتاحة.
وأوضحت المعطيات المتوفرة أن غياب التقييم القبلي للموارد والقدرات المالية يجعل الجماعات الترابية تواجه صعوبات في الوفاء بالتزاماتها المالية، خصوصا في ما يتعلق بتمويل المشاريع أو أداء المستحقات المرتبطة بالصفقات العمومية.
ورصدت التقارير نفسها ضعف اعتماد الدراسات القبلية المرتبطة بالمشاريع التنموية، وهو ما يؤدي إلى اختلالات في مرحلة التنفيذ، سواء من حيث التمويل أو من حيث الجدوى الاقتصادية والاجتماعية للمشاريع المبرمجة.
وأشارت مصادر الجريدة إلى أن عددا من المشاريع التي تمت برمجتها ضمن برامج عمل الجماعات لم ترَ النور بسبب غياب تصور مالي دقيق يحدد مصادر التمويل الحقيقية، وهو ما تسبب في تقليص عدد المشاريع التي يتم تنفيذها فعليا مقارنة بما يتم الإعلان عنه في المخططات والبرامج التنموية.
وفي السياق ذاته، أكدت المصادر أن بعض المجالس المنتخبة تعتمد في إعداد برامجها على تقديرات مالية غير دقيقة، أو على توقعات بخصوص مداخيل مستقبلية غير مضمونة، وهو ما يخلق اختلالاً في التوازنات المالية للجماعات الترابية.
وأبرزت التقارير المرفوعة إلى وزارة الداخلية أن ضعف التخطيط المالي ينعكس أيضا على قدرة الجماعات الترابية على استقطاب الاستثمارات أو الدخول في شراكات مع مؤسسات عمومية أو فاعلين اقتصاديين، نظرا لغياب وضوح في الرؤية المالية والقدرات التمويلية.
وفي المقابل، شددت وزارة الداخلية، وفق المصادر نفسها، على ضرورة التقيد الصارم بالمقتضيات القانونية والتنظيمية المتعلقة بإعداد برامج عمل الجماعات الترابية، خاصة تلك المرتبطة بإجراء تشخيص دقيق للوضعية المالية وتحديد الموارد المتاحة قبل برمجة أي مشروع تنموي.
كما دعت الوزارة المجالس المنتخبة إلى تعزيز آليات الحكامة المالية الجيدة، والاعتماد على دراسات قبلية دقيقة تهم الجوانب التقنية والمالية للمشاريع، بما يضمن واقعية البرمجة وقابلية التنفيذ.
وأكدت المصادر أن المديرية العامة للجماعات الترابية وجهت تعليمات صارمة إلى السلطات الترابية من أجل تتبع مدى احترام الجماعات لهذه التوجيهات، والعمل على مواكبة المجالس المنتخبة في تحسين آليات التخطيط المالي والتدبير الميزانياتي.
وتأتي هذه الإجراءات في إطار سعي وزارة الداخلية إلى تعزيز الحكامة داخل الجماعات الترابية، وضمان تحقيق توازنات مالية مستدامة، بما يساهم في إنجاح المشاريع التنموية وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
وختمت مصادر العمق المغربي حديثها بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة ستشهد تشديد المراقبة على طرق إعداد البرامج والمشاريع داخل الجماعات الترابية، مع التركيز على ضرورة احترام مبادئ الواقعية المالية والتخطيط الاستراتيجي، تفاديا لتكرار الاختلالات التي تم تسجيلها في التقارير الأخيرة.
المصدر:
العمق