سرعان ما تحوّل الارتفاع في أسعار المحروقات بالمغرب، الذي دخل حيز التطبيق في مضخات المحطات مع أول ساعات اليوم الاثنين، إلى عنصر “القلق” الاقتصادي والاجتماعي الراهن بين فئات عديدة من المغاربة، بالنظر إلى الدور الحيوي الذي تلعبه المادة الطاقية (لا سيما الغازوال الأكثر استهلاكا) كمدخل أساسي في كافة الأنشطة الإنتاجية. وبحكم أن قطاع النقل الطرقي للبضائع يمثل “الجهاز العصبي” لتوزيع السلع عبر ربوع المملكة، فإن أي اهتزاز في أسعار “الغازوال” يتحول تلقائيا إلى زيادة في كلفة اللوجستيك، التي تمثل في الأصل ما بين 30 و50% من النفقات التشغيلية للمهنيين.
هذا الارتفاع “الصاروخي”، بتوصيف مهنيين في القطاع، قد ينتقل عبر “تأثير الدومينو” ليمُسّ بشكل مباشر أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية (من خضر، وفواكه، ولحوم…)، مؤكدين أن المقاولة النقلية، التي تجد هوامش ربحها تتآكل أمام تقلبات السوق الدولية وفشل آليات التحرير في توفير استقرار داخلي، مضطرة لعكس هذه الزيادات على تعريفة النقل، مما يُنتج “تضخما مستوردا” يضرب في العمق القدرة الشرائية للمواطن البسيط، لا سيما في ظل بنية أسعار لا تساير هذا الارتفاع المتواتر.
مصطفى القرقوري، الكاتب العام للنقابة الوطنية لقطاع النقل الطرقي للبضائع، قال إنه “مع استمرار التوترات الدولية، خاصة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ثانية، وما يتبع ذلك من تهديدات تطال ممرات ناقلات النفط، فإننا نتوقع زيادات متتالية”، وطالب “بشكل مستعجل الحكومة بالإعلان الفوري عن دفعة جديدة من الدعم للمهنيين لضمان استقرار أسعار النقل، خاصة مع قرب عيد الفطر الذي يشهد حركية كبيرة للمواطنين والبضائع، ولتجنب المزيد من الارتفاع في أسعار الخضر والفواكه واللحوم والأسماك التي بلغت، قبل الزيادة في أسعار الغازوال، مستويات غير مسبوقة”.
وأضاف القرقوري، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “الزيادة الأخيرة في أسعار المحروقات زيادة صاروخية وتاريخية”، وعبر عن استنكار نقابته “الشديد للطريقة التي تمت بها عملية التطبيق؛ إذ عمدت بعض محطات التوزيع إلى ادعاء وجود أعطال تقنية في مضخاتها أو نفاد مخزونها، بل إن بعضها لم ينتظر منتصف الليل كما جرت العادة، وطبقت الزيادة في الساعة العاشرة ليلا، مما أثار موجة استنكار واسعة لدى المواطنين ومهنيي القطاع على حد سواء”، بحسبه.
وتابع بأن المهنيين أكدوا دائما، “سواء كنقابة أو كتنسيقٍ نقابي يضم أربع هيئات، أن الدعم الذي أقرته الحكومة سنة 2022 يجب أن يظل إجراء استثنائيا ومؤقتا إلى حين التوصل إلى صيغة عملية ومقبولة تتمثل في إقرار الغازوال المهني، المعمول به في دول عدة، لحماية المهنيين من تقلبات الأسعار. كما تداولنا في مقترحات أخرى مثل الإعفاء الجزئي أو الكلي من الضريبة الداخلية على الاستهلاك (TIC) للتخفيف من وطأة هذه الزيادات المتكررة”.
ولفت الفاعل المهني في قطاع النقل الطرقي للبضائع إلى أن “خطورة هذه الزيادات تكمن في تأثيرها الأوتوماتيكي على كلفة الإنتاج؛ فتكلفة النقل والتوزيع تدخل بشكل مباشر في السعر النهائي لأي منتج”، ليخلص إلى أنه “إذا ما اضطر المهنيون لعكس هذه الزيادة على تعريفة النقل، فإن ذلك سيؤدي حتما إلى ارتفاع أسعار المواد الأساسية التي تعاني أصلا من تضخم أهلك القدرة الشرائية للمغاربة لسنوات، خاصة وأن أكثر من 90% من الأجراء يتقاضون الحد الأدنى للأجور (SMIG) الذي لا يتجاوز 3100 درهم، مما يجعل العيش بكرامة أمرا صعبا للغاية”.
بدوره، لفت الحسين اليماني، خبير طاقي الكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول والغاز التابعة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، إلى أن “هيكل أسعار المحروقات في المغرب يتألف من مكونات ضريبية ثابتة ومتغيرة؛ إذ تبلغ الضريبة الداخلية على الاستهلاك (TIC) بالنسبة للغازوال درهمين و40 سنتيما للتر الواحد، بالإضافة إلى ضريبة على القيمة المضافة (TVA) بنسبة 10%، وهي ضريبة ترتفع آليا مع كل زيادة في السعر الدولي”، مفيدا بأنه “في ظل الظروف الحالية، يقدر مجموع الضرائب المطبقة بحوالي 4 دراهم في كل لتر من الغازوال”.
وأمام التداعيات الناجمة عن صدمة الطاقة الدولية وتأثيراتها على السوق الوطنية، فإن الحكومة مطالبة بالتدخل عبر مصفوفة من الآليات، حددها اليماني-أساسا-في “إلغاء تحرير أسعار المحروقات، ولو بصفة مؤقتة، والعودة إلى نظام تنظيم الأسعار وفق آليات تضمن مصالح الفاعلين الاقتصاديين كما تحافظ في الوقت ذاته على حقوق المستهلكين وتحمي قدرتهم الشرائية من التآكل المتواصل”.
ومن الآليات الأخرى، ذكر اليماني استعجالية “اتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجة تراجع المخزون الوطني من المواد النفطية، مع تدقيقٍ للمسؤوليات بين الدولة والفاعلين الاقتصاديين في قطاع البترول والغاز، وتفعيل آليات التحويط أو التأمين ضد تقلبات الأسعار الدولية لضمان استقرار السوق”.
واعتبر أن “العودة إلى الدعم المباشر لمهنيي النقل ليس حلّا أنسب في هذه الظرفية؛ لأنه أثبت محدودية الأثر والفاعلية في سياقات سابقة، فالآلية الضريبية للدولة يمكنها التدخل من هنا”.
كما اقترح أن يتم “الرجوع لدعم أسعار المحروقات عبر صندوق المقاصة، أو إقرار تنازل كلي أو جزئي عن الضرائب المطبقة على المحروقات، التي تتجاوز حاليا 4 دراهم للغازوال و5 دراهم للبنزين في اللتر الواحد، وذلك لتخفيف العبء المباشر عن المستهلك والمهني”.
وشدد اليماني على “الانكباب الجدي على إحياء المصفاة المغربية للبترول (سامير)، بدءا بفتح مجال التخزين واستغلال بنيتها التحتية، وصولا إلى استئناف تكرير البترول لاحقا. ويمكن تحقيق ذلك عبر كافة الصيغ الممكنة، بما في ذلك تفويت أصول شركة سامير لفائدة الدولة المغربية عبر مقاصة الديون المستحقة”.
المصدر:
هسبريس