بمجرد إعلان شركات المحروقات عن رفع أسعار الغازوال والبنزين، مساء أمس الأحد، شهدت محطات الوقود بمختلف المدن ازدحاما من أجل ملء الخزانات قبل تفعيل التسعيرة الجديدة، وهو ما خلف حالة من الفوضى، وتسبب في غلق بعض الطرق وعرقلة حركة السير، بشكل فرض تدخل الأمن. واستغلالا للوضع لجأ العديد من أرباب المحطات إلى تفعيل الزيادة المتراوحة بين درهم ونصف ودرهمين، قبل الوقت المحدد بساعات. ما أعاد للواجهة “الفوضى” التي يعرفها القطاع.
وعبر المواطنون عن استنكارهم لحجم الزيادة التي جاءت دفعة واحدة، والتي من شأنها المس بجيوبهم بشكل مباشر خلال التزود بالوقود، والمس بقدرتهم الشرائية أيضا بطريقة غير مباشرة، بفعل الغلاء الذي من المنتظر أن يطال مواد أخرى نتيجة لغلاء المحروقات، في ظل ضعف المراقبة والردع.
خرق القانون وازدواجية المعايير
وقبل انتهاء المخزون الذي يفرضه القانون على شركات المحروقات، والمقدر بشهرين من الاستهلاك، تم تفعيل الزيادة، وهو ما يعني حسب المراقبين أن الشركات إما تبيع المحروقات التي اقتنتها بأسعار منخفضة، بأسعار مرتفعة، أو أنها لا تحترم المخزون القانوني، إن لم تكن تفعل الأمرين معا، وهو ما تدعمه المعطيات على أرض الواقع.
فبخصوص عدم توفير المخزون الاحتياطي القانوني، بات الأمر يتأكد مع كل أزمة، فقبل شهر، ومع علو أمواج البحر التي أعاقت رسو سفن النفط بالموانئ المغربية، خرجت العديد من المحطات عن الخدمة، واتضح أن الشركات تواصل خرق القانون، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وتوفر مخزونا لا يسد حتى نصف المدة المحددة، وهو ما أقرت به وزارة الانتقال الطاقي في بلاغ لها، رغم التطمينات.
أما فيما يتعلق بانعكاس الأسعار الدولية على السوق الوطنية، فلا تزال ازدواجية المعايير مطروحة بقوة في سوق المحروقات بالمغرب، فالشركات تفعل الزيادة فور ارتفاع أسعار النفط دوليا، لكنها لا تقوم بالأمر نفسه عند انخفاض الأسعار، وهو ما سبق أن نبه إليه العديد من الفاعلين الاقتصاديين والنقابيين، وكذا مجلس المنافسة.
وفي دجنبر الماضي، وجهت المجموعة النيابية للعدالة والتنمية سؤالا في الموضوع لوزيرة الانتقال الطاقي، نبهت فيه إلى أن انخفاض أسعار شراء الشركات للمحروقات حينها، لم ينعكس على أسعار البيع التي انخفضت فقط ببضع سنتيمات، وهو الأمر الذي لطالما تكرر، دون أن يتغير أي شيء في دار لقمان.
وقبلها بشهر، أي في نونبر، أكد مجلس المنافسة في تقريره حول تتبع التزامات شركات المحروقات، أن هذه الأخيرة، استفادت من انخفاض الأسعار دوليا لزيادة هامش أرباحها، وهو ما جعلها تضيف إلى خزائنها أرباحا إضافية قدرها المجلس بحوالي 900 مليون درهم في ثلاثة أشهر فقط. كما واصل المجلس تنبيهه إلى ضعف المخزون الاحتياطي من المواد البترولية. ناهيك عن تأكيده المتكرر أن غلاء سعر البرميل ينعكس فورا على السوق الوطنية، لكن انخفاض سعره يتأخر تأثيره على المستوى الوطني.
مطالب للحكومة بالتدخل
ومع استمرار “الفوضى” التي تطبع سوق المحروقات وانعكاساتها السلبية على المواطن، تتجدد المطالب للحكومة وكذا لمجلس المنافسة بالتدخل. وقد وجه محمد والزين النائب البرلماني عن فريق الحركة الشعبية، اليوم الاثنين، سؤالا كتابيا لوزيرة الانتقال الطاقي، انتقد فيه تبني شركات التوزيع منطق الكيل بمكيالين في التعامل مع جيوب المغاربة؛ “فبينما تنتقل عدوى الارتفاعات الدولية إلى محطات الوقود الوطنية بـ “سرعة البرق” كما حدث مؤخرا إثر توترات مضيق هرمز، يلاحظ بشهادة الجميع حالة من التراخي وإغماض الأعين حينما تنخفض الأسعار في البورصات العالمية، حيث يتم الإبقاء على الأثمنة المرتفعة في المحطات الوطنية لأطول فترة ممكنة، في ضرب صارخ لمبدأ التناسب والعدالة في الأسعار”.
وقال والزين في سؤاله إن هذا “الوضع يكرس مفارقة تدبيرية وقانونية غير مفهومة، فبينما يفرض القانون رقم 09-71 توفر مخزون احتياطي يغطي ستين يوما من الاستهلاك لضمان السيادة الطاقية، نجد أن هذه الضمانات القانونية تغيب تماما لحظة الأزمات، فلا نلمس للمخزون أثرا في كبح جماح الزيادات الفورية بل يفرض على المغاربة دفع أثمان “المستقبل” مقابل مخزون يفترض أنه اقتني بأسعار “الماضي” المنخفضة، في حين يتم حرمانهم من ثمار انخفاض الأسعار العالمية بذريعة انتظار نفاذ المخزون “الغالي” وهو منطق غريب يخدم مصالح الشركات على حساب القدرة الشرائية للمواطنين”.
وأكد البرلماني على ضرورة تفعيل الرقابة الصارمة بدل التقارير النظرية؛ فالتضارب في الأرقام حول حجم المخزون الفعلي، واستمرار غلق مصفاة “لاسامير” كحلقة مفقودة في سلسلة الأمن الطاقي، يجعل السوق المغربي رهينة لإملاءات تفتقد للشفافية وتكرس واقعا يغيب فيه التوازن بين الربح المشروع وحق المواطن في الولوج للطاقة بأسعار عادلة.
ودعا النائب الوزيرة إلى تفسير ازدواجية المعايير في تغيير أسعار المحروقات، والتدابير المزمع اتخاذها للقطع معها، وتوضيح الحجم الحقيقي والمدقق للمخزون الطاقي الحالي، والكشف عن الإجراءات الزجرية لضمان شفافية التخزين وحماية المواطن المغربي من تداعيات هذه التقلبات المتسارعة.
المصدر:
لكم