في خضم التصعيد العسكري المتزايد في الشرق الأوسط، يثير الجدل الدائر حول المواجهة بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة وإيران من جهة أخرى أسئلة عديدة بشأن طبيعة المعلومات المتداولة حول هذا الصراع، وحجم التأثير الذي قد يخلّفه على قضايا إقليمية ودولية أخرى، من بينها قضية الصحراء المغربية.
ويرى المحلل السياسي وعميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بقلعة السراغنة محمد الغالي أن تلقي الأخبار المرتبطة بهذه الحرب غالبا ما يظل محاطا بدرجة من عدم الارتياح بسبب تداخل عوامل متعددة، من بينها الدعاية السياسية والإعلامية التي ترافق النزاعات المسلحة. وأوضح أن متابعة تطورات الحرب لا ينبغي أن تقتصر على معرفة من تكبد الخسائر أو كيف جاءت ردود الفعل العسكرية، بل ينبغي الانتباه أيضا إلى التفاعلات الجيوسياسية التي قد تنتج عنها.
تداعيات محتملة على ملف الصحراء
يشير الغالي إلى أن من بين أبرز القضايا التي قد تتأثر بالتحولات الجارية مسألة الوحدة الترابية للمملكة المغربية. وفي هذا السياق، يبرز مقترح تقدم به عدد من أعضاء الكونغرس الأمريكي يدعو إلى تصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية أجنبية، وهو تصنيف قد يحمل أبعاداً جيوسياسية تتجاوز الطابع القانوني التقليدي.
ويؤكد المتحدث ذاته أن هذا التصنيف، في حال اعتماده، لن يكون إجراء تقنيا فحسب، بل سيأتي في سياق التحولات الأمنية والسياسية التي تشهدها منطقة الساحل والصحراء، إضافة إلى ارتباطاته بالتوترات القائمة في الشرق الأوسط.
ويستند النقاش حول هذا المقترح، بحسب الغالي، إلى تقارير تشير إلى علاقات محتملة بين جبهة البوليساريو وبعض الفاعلين الإقليميين، من بينهم الحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى ارتباطات مفترضة مع حزب الله والحوثيون.
ويضيف أن هذه الأطراف سبق أن صنفتها الولايات المتحدة ضمن قوائم الإرهاب الدولي، وهو ما قد يجعل أي تصنيف محتمل للبوليساريو مرتبطا بسياق أوسع يتعلق بمواجهة شبكات النفوذ الإقليمي المرتبطة بإيران.
انعكاسات على مسار الأمم المتحدة
وفي حال اعتماد هذا التصنيف، قد يطرح ذلك تساؤلات حول مستقبل المسار الأممي الخاص بالنزاع حول الصحراء، خصوصا القرار رقم 2797 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والذي يدعو إلى مواصلة المفاوضات بين الأطراف المعنية، وهي المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، بهدف التوصل إلى حل سياسي.
ويرى الغالي أن تصنيف البوليساريو كمنظمة إرهابية قد يغيّر من موقعها في هذا المسار التفاوضي، إذ إن إدراج أي كيان ضمن قوائم الإرهاب يترتب عنه عادة آثار قانونية وسياسية واسعة.
ويرى الغالي أن من بين أبرز التداعيات القانونية المتوقعة في مثل هذه الحالات، تجميد الأصول المالية للمنظمة المعنية، وحظر أي تمويل أو دعم مادي لها، إضافة إلى إمكانية ملاحقة قادتها وأعضائها قضائيا بموجب القوانين المرتبطة بمكافحة الإرهاب.
أما على المستوى السياسي والدبلوماسي، فقد يؤدي هذا التصنيف إلى فرض عزلة دولية على المنظمة وتقليص قدرتها على التحرك أو المشاركة في المسارات التفاوضية، فضلا عن تراجع شرعيتها في المحافل الدولية.
صراع مفتوح على توازنات القوة
ويشير الغالي إلى أن بعض الأزمات الدولية السابقة، مثل الحرب في أوكرانيا أو الحرب في غزة، ساهمت في تشتيت الاهتمام الدولي بملف الصحراء لفترة من الزمن، غير أن التطورات الحالية قد تعيد ترتيب الأولويات الجيوسياسية.
كما يلفت المتحدث ذاته إلى أن الصراع الجاري يكشف أيضاً عن أهمية الممرات البحرية في التوازنات الدولية، خاصة بعد الهجمات التي طالت الملاحة في البحر الأحمر، ما يعيد النقاش حول أمن طرق التجارة العالمية وإمكانية بروز مسارات بديلة، مثل تعزيز الدور الاستراتيجي للمحيط الأطلسي.
ومن بين الملاحظات التي يثيرها الغالي كذلك، تصاعد دور التكنولوجيا في النزاعات المعاصرة، بما في ذلك استخدام معطيات بيولوجية ورقمية في عمليات استخباراتية أو أمنية. ويرى أن هذا التطور يفرض مزيدا من الحذر في التعامل مع المعطيات الشخصية والطبية، نظرا لإمكانية استغلالها في سياقات أمنية أو عسكرية.
ويخلص المتحدث إلى أن هذه الحرب لا تزال في طور التفاعلات ولم تتضح نتائجها النهائية بعد، مشيراً إلى أن أطرافاً دولية أخرى، مثل روسيا والصين، تظل حاضرة في خلفية المشهد الدولي بطرق غير مباشرة.
ويؤكد محمد الغالي أن استمرار الصراع لفترة طويلة قد يعيد رسم ملامح التوازنات الدولية، في ظل تنافس القوى الكبرى على النفوذ في مناطق تعتبر حيوية للأمن والتجارة العالمية.
المصدر:
العمق