في بيان “مغرب السرعة الواحدة” وردت فكرة يبدو ـ من خلال الردود التي أثارتها ـ أنها ولّدت قدرا من الالتباس. وسنسعى، في هذه المقالة، إلى تبديده قدر الإمكان: ثنائية “ديمقراطية النتائج” في مقابل “ديمقراطية الأشكال”، والدعوة إلى تثبيت “شرعية الإنجاز” بوصفها شرطا عمليا لتحرير الزمن الوطني من أن يظل رهينة الشرعية الإجرائية وديمقراطية النتائج وحدها.
ليس المقصود هنا تقديم “الأثر” كبديل عن المسار الدستوري أو كترخيص لتجاوز المؤسسات؛ بل المقصود نقل سؤال الشرعية من لحظة الاقتراع وحدها إلى ما يليها: ماذا تنتج صناديق الاقتراع في حياة المغاربة؟ وهل تتحول الشرعية الانتخابية إلى أثر يومي محسوس في كرامة المواطن، أم تبقى السياسة طقسا منتظما بينما يظل الأثر معلقا؟
وما تسعى هذه المفاهيم ـ وهي ليست جديدة في النقاش حول جودة الديمقراطية ـ إلى تأكيده هو التالي: شرعية الإنجاز لا تنفي الشرعية الإجرائية ولا تعاديها؛ بل تختبر جدواها وتُكملها. فالانتخابات والمؤسسات شرط للشرعية، لأنها تمنع الاحتكار وتضمن التداول؛ لكن النتائج والآثار الذي تحدثه شرط لجدواها لأنها تُجسر الفجوة بين ما نراه في المشاريع وبين ما نلمسه في المدرسة والمستشفى والإدارة والشغل. لذلك، نقولها بوضوح يمنع الالتباس: نحن لا نقايض الأشكال بالنتائج؛ الأشكال شرط الشرعية، والنتائج شرط جدواها.
وبهذا المعنى، فديمقراطية النتائج ليست بديلا عن المؤسسات ولا دعوة لتجاوزها؛ إنها معيارها العملي: ماذا تنتج بعد الصندوق؟ وهل تصل نتائجها وآثارها إلى الناس وتغيّر حياتهم بشكل إيجابي وبالطريقة التي يمكن التحقق منها بواسطة أدوات القياس؟
وما نحن بصدد الحديث عنه يشتبك، في سياقنا الوطني، مع أحد أبعاد النقاش حول “الانتقال الديمقراطي”، لا من موقع الصدام معه أو من موقع الاختزال، بل من موقع إغنائه. فالانتقال الديمقراطي ـ كما تنازعته التيارات الفكرية والسياسية في المغرب ـ مفهوم متشعب. وقد ارتبط تاريخيا تارة بقضايا الحقوق والحريات وتوازن السلط وبناء المؤسسات، وتارة أخرى بأدبيات العدالة الانتقالية والتناوب على الحكم. وما نضيفه هنا ليس نفيا لهذا الرصيد؛ بل إدخال سؤال مكمل صار اليوم، سياسيا وبراغماتيا، حاسما: كيف ننتقل من ديمقراطية صحيحة في الشكل إلى ديمقراطية تشتغل في الأثر؟ فالانتقال قد ينجح في تثبيت المواعيد وإرساء قواعد مؤسساتية، وهذا الأمر حسم في المغرب إلى حد بعيد مع إقرار الاختيار الديمقراطي كأحد الثوابت التي لا رجعة فيها؛ لكنه لا يكتمل إذا بقي انتقالا في الشكل دون أن يصير انتقالا في الوظيفة. هنا يظهر معنى “جودة الديمقراطية” أو “شرعية الأداء/الأثر”: أن تصبح السياسة قادرة ومؤهلة على تحويل القرار العمومي إلى خدمة وفرصة وحق يصان ويناله المواطن بلا تسويف أو إذلال، لا إلى مجرد وعد أو إعادة تدوير للمواقع. وهذا النقاش ليس ترفا فكريا؛ بل هو الجسر الضروري لفهم مفارقة “مغرب السرعتين”: بلد ينجح في إنجاز المشاريع الكبرى، وبلد يتعثر في تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين حيث تُختبر الكرامة في الانتظار.
ولكي لا يُفهم حديثنا عن شرعية الإنجاز كأنه تبخيس للتراكم الذي يتحقق، ينبغي القول بوضوح إن الدولة قامت ـ ولا تزال ـ بجهد حقيقي لإدخال ثقافة النتائج والقياس والتقييم في وضع البرامج وتنفيذها. ومنذ وقت مبكر، دعا جلالة الملك، وفي مناسبات مختلفة، إلى جعل “الأثر الملموس” و”المعيار الدقيق” معيارا لنجاعة السياسات العمومية. وشدد أيضا، غير ما مرة، على وجوب ربط المسؤولية بالمحاسبة.
ولم يبق هذا التوجه في مستوى الإسناد القيمي؛ بل تُرجم ـ على مستوى مختلفة ومنها مستوى المالية العمومية ـ إلى إصلاحات مؤطرة منذ 2018 في اتجاه “الميزانية المرتكزة على الأداء” و”التدبير المرتكز على النتائج”، مع تعميم وثائق الأداء وربطها بآليات التحكم في التدبير داخل القطاعات، بما يجعل الميزانية ـ نظريا ـ أداة قيادة وربط بين الموارد والنتائج، وبالتالي أداة مساءلة. وبالتوازي مع ذلك، وداخل هندسة الحكومة نفسها، أُسندت وظيفة التقائية وتقييم السياسات العمومية إلى وزارة قائمة بذاتها يؤطر اختصاصاتها مرسوم تنظيمي معروف صدر في صيغته المحينة بتاريخ 15 ماي 2025.
غير أن استحضار هذا التراكم لا يهدف إلى تزيين الصورة؛ بل إلى تشخيص موضع التعثر بين “وجود الأداة/ المعيار” و”تحقق الأثر”. وهنا نسجل ـ باستحضار الممارسات الفضلى ـ ثلاث ملاحظات مركزة: أن الإطار/ المرسوم يثبت مهام التنسيق والتقييم دون أن يبلور بما يكفي آلية تحكيم مُلزمة عند تعارض السياسات؛ وأنه يتحدث عن تتبع تفعيل التوصيات دون بيان كلفة عدم الامتثال أو آجال وإجراءات تجعل التقييم التزاما قابلا للمساءلة؛ وأنه لا يُفصل بما يكفي في النشر العمومي المنتظم للوحات الأثر وفي كيفية استعمال البرلمان والمجتمع لهذه المعطيات للمساءلة، لأن القياس غير المنشور يبقى معرفة داخلية لا تتحول إلى ثقة ولا إلى ضغط إصلاحي.
ومن هنا، نصل إلى لب فكرتنا: ليس المطلوب إنكار المجهود الوطني؛ بل اختبار ما إذا كان قد تحول، عمليا، إلى ممارسة إنفاذ ومساءلة وأثر؛ أي هل أصبحت “ديمقراطية النتائج” ثقافة تشغيلية داخل القرار العمومي، أم بقيت إطارا معياريا يعقبه تطبيق متعثر وغير مكتمل؟
ولهذا، بدل البقاء في العموميات، نضع المفهوم على محك أفقي كاف وحده لإضاءة جوهر المسألة: ورش الدولة الاجتماعية على اعتبار أنه ورش مؤطر بسقف زمني، ويمس جوهر الكرامة اليومية، ويكشف بسرعة ما إذا كانت الأحزاب ـ حين تمسك أدوات القرار العمومي في الحكومة والبرلمان والإدارة ـ قادرة على تحويل الشرعية إلى أثر، أم أنها تُبقي الأثر معلقا وتحول الأدوات إلى وثائق.
مشروع الدولة الاجتماعية كما نعرفه جميعا هو ورش ملكي استراتيجي يهدف إلى تصحيح الفجوات في منظومة العدالة الاجتماعية عبر تعميم الحماية الاجتماعية، والتغطية الصحية الشاملة، والدعم الاجتماعي المباشر للأسر، مع إصلاح منظومات الصحة والتعليم، ومحاربة الهشاشة وتحقيق التنمية المستدامة؛ وهو ورش مؤطر بسقف واضح (2021-2026)، وبمضامين تلامس صلب الكرامة اليومية. لكن قيمته ـ بالنسبة لما نناقشه هنا ـ لا تقاس بكونه ورشا للدولة في العموم؛ بل بكونه امتحانا للوساطة الحزبية وهي تمسك أدوات القرار العمومي فعلا: الحكومة في التنفيذ والتنسيق والتمويل، البرلمان في التشريع والرقابة والتقييم، ثم الإدارة والقطاعات في تحويل الحق إلى خدمة. هنا بالضبط تُختبر “ديمقراطية النتائج”: هل تحولت الشرعية الانتخابية بما تفرزها من خرائط سياسية إلى قدرة على الإنفاذ داخل أجل محدد، أم بقيت تنتج لغة جميلة بينما الأثر يتأخر؟
ولكي لا نبقى في مقام التشخيص العام، لا بد من فتح نافذة تقييمية على أداء الحكومة وهي تدبر تنزيل هذا الورش. فمن جهة، قدمت الحكومة أمام البرلمان روايتها الرسمية حول حصيلة “الدولة الاجتماعية” باعتبارها مشروعا في طور التحقق، وربطت تقدم الورش بتوسيع التغطية وببرامج الاستهداف وبالتتبع المنتظم. ومن جهة ثانية، تظهر قرائن مؤسساتية على وجود مسار تتبع وتنسيق عبر اجتماعات رسمية حول تعميم الحماية الاجتماعية وتفعيل الأدوات المرتبطة بها، بما يعني أن الورش قد غادر فعلا منطقة النوايا والتخطيط إلى محك التفعيل والتنزيل. لكن معيار “ديمقراطية النتائج” لا يقف عند إعلان التتبع ولا عند توسعة الحق؛ بل عند تحويل السقف الزمني إلى برنامج إنفاذ قابل للقياس: مراحل واضحة، أهداف مرحلية، مؤشرات أثر منشورة، وآجال تُراجع بانتظام، حتى يصبح سؤال “ما الذي تحقق؟ وما الذي تعثر؟ ولماذا؟ ومن المسؤول عن ذلك؟” سؤالا مؤسسيا لا سجاليا. وهنا تكتسب القراءة المؤسساتية والرقابية وزنها: ففي رأيه حول التأمين الإجباري عن المرض بعد التعميم، يذكر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بأن التحدي هو جودة الخدمة والحكامة والاستدامة لا الاتساع العددي وحده. ثم تأتي خلاصات المجلس الأعلى للحسابات لتضع الإصبع على مناطق الهشاشة والاختلالات التي قد تضعف أثر التعميم إذا لم تعالج بمنطق الإنفاذ والمساءلة.
ليس الغرض من هذه النافذة تسفيه الجهد ولا تحويل الورش إلى مزايدة سياسية؛ بل تثبيت جوهر الفكرة التي يناقشها البيان الذي نشرناه: أن الوساطة الحزبية تُقاس ـ حين تحكم وتدبر الشأن العام ـ بقدرتها على جعل “النتائج” آلية عمل، لا شعارا؛ وبقدرتها على أن تجعل للمحاسبة كلفة منتظمة، حتى يتحول الحق الاجتماعي من وعد كبير إلى أثر يومي محسوس.
ولكي لا يبقى السؤال عاما، يمكن تلخيص الاختبار في ثلاث نقاط لا تقبل المناورة:
أولا: هل حوّلت الحكومة السقف الزمني للمشروع كما حدده جلالة الملك إلى “برنامج إنفاذ Programme de mise en œuvre” واضح ـ مراحل، أهداف مرحلية، مؤشرات منشورة ـ أم ظل السقف عنوانا واسعا؟
ثانيا: هل مارس البرلمان رقابة مؤشراتية، أي رقابة تُقاس بالأثر لا بالخطابة: ماذا تحقق؟ ما الفجوات؟ من المسؤول؟ ما كلفة التأخر؟ أم اكتفى بتقييمات سياسوية عامة لا تلزم أحدا؟
ثالثا: هل ظهرت المحاسبة كفعل منتظم ـ لا كحدث استثنائي ـ كلما اتسعت الفجوة بين ما يتم الإعلان عنه وما يتم إنجازه ميدانيا؟
وعند هذا الحد، لا نحتاج إلى جدل طويل. فالوثائق الرسمية المرتبطة بالمالية العمومية تشير- على سبيل المثال – إلى أن التغطية الصحية عبر التأمين الإجباري الأساسي عن المرض تشمل أكثر من 32 مليون مستفيد في 2025. هذا رقم مهم، لكنه لا يحسم شرعية الإنجاز وحده؛ لأن الشرعية هنا تُقاس بما إذا كانت التغطية تحولت إلى خدمة محترمة تقلص زمن الانتظار وتعيد الكرامة، أم بقيت توسعة في الحق دون تعزيز ملموس لقدرة المستشفيات على الاستقبال وعلى تقديم الخدمة.
وبالمعنى نفسه نستشهد بتقرير التنمية المستدامة 2025 الذي يضع المغرب في الرتبة الـ68 من أصل 167 دولة، ليس لتوزيع التنقيط السياسي، بل لأنه يقدم مرآة مؤشراتية في المجالات التي تشكل قلب الدولة الاجتماعية (الصحة، التعليم، الفوارق…). معنى هذا الترتيب أنه نقطة قياس: هل سيترجم السقف الزمني إلى صعود ملموس في المؤشرات، أم سيظل الورش كبيرا بأثر محدود؟ هكذا يصبح التقرير درسا عمليا في ديمقراطية النتائج: السياسة تُقاس بما تُحدثه، لا بما تعلنه.
غير أن بيت القصيد هو ما يكشفه فحص التنفيذ نفسه: فعلى الرغم من أن الدولة بذلت كما قلنا مجهودا لإدخال معايير وميكانيزمات الأثر في التدبير وفي النسيج المؤسساتي، فإن التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم 2024–2025 يسجل، بالأرقام، أن تنفيذ برنامج “تعزيز وتأهيل والحفاظ على البنيات التحتية والتجهيزات الصحية” لم يتجاوز 46,8 في المائة، ويسجل أيضا أن مرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة (SEGMA) تتركز بقوة في الصحة (91 مرفقا)، ومع ذلك لم يتجاوز تنفيذ اعتماداتها 57 في المائة على مستوى الاستغلال و24 في المائة على مستوى الاستثمار ـ وهي نسب يعتبرها التقرير غير كافية.
والسؤال الذي لا يصح القفز عليه: إذا كان الإصلاح الرامي إلى اعتماد ثقافة التدبير المرتكز على النتائج والأثر قد انطلق منذ 2018، فما معنى أن نكون- بعد نحو ثماني سنوات- ما زلنا نقرأ ـ في وثيقة رقابية رسمية ـ مثل هذه النسب داخل قلب ورش اجتماعي ملكي مؤطر بسقف زمني؟ أليس ذلك هدرا لزمن الإصلاح نفسه، ودليلا على أن المشكلة لم تعد في “وجود المعيار والأداة” بل في تفعيلهما كإنفاذ ومحاسبة؟ ألا يعد ذلك دليلا ينضاف الي الأدلة التي بسطناها في المقال الأول عن كيف أصبحت مؤسسات الوساطة الحزبية مفرملة ومعطلة (بتشديد الطاء مع كسرها ونصبها معا)؟.
في ضوء ما سبق بيانه، يصبح الاكتفاء بديمقراطية الأشكال ـ أي الاكتفاء بانتظام المواعيد وبسلامة الإجراءات ـ دون إدماج ميكانيزمات الأثر والنتائج والمحاسبة في نظام اشتغالها أمرا مكلفا للغاية. والكلفة التي نتحدث عنها ليست نظرية ولا سياسية فقط؛ بل كلفة زمن وطني يُهدر، وثقة تتآكل، وحقوق تتأخر عن أصحابها. ودليل ذلك ليس الانطباع وحده، بل ما تقوله تقارير المؤسسات الوطنية، وما تؤكده أيضا أدوات القياس الدولية حين تقرأ ما وراء الخطاب.
لنأخذ مثالا أوليا من أدوات القياس الشاملة: تقارير التنمية المستدامة (ODD) تضع أمامنا حقيقة بسيطة: مواقع الدول تُقاس بتقدمها في مؤشرات تمس جوهر الدولة الاجتماعية. وإذا كان ترتيب المغرب في 2025 هو المرتبة الـ68 من أصل 167 دولة، فالمعنى العملي ليس “تنقيطا سياسيا”، بل إشارة إلى أن الطريق ما زال طويلا، وأن الارتقاء لن يتحقق بالنية وحدها؛ بل بتحسين مؤشرات الأثر. ولتعزيز هذا المعنى دون إغراق المقال بالتقارير، تكفي مرآتان دوليتان أخريان تلتقطان جوهر الدولة الاجتماعية بلغة المؤشرات: فمؤشر التنمية البشرية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (PNUD–IDH)، يضع المغرب في الرتبة الـ120 من أصل 193 دولة، بينما يقدر مؤشر رأس المال البشري للبنك الدولي (World Bank–ICH)، أن الطفل المولود في المغرب لن يحقق عند البلوغ سوى نحو 50 في المائة من إمكانه الإنتاجي الممكن إذا قورن بتعليم وصحة كاملين، أي أن نصف ما يمكن أن يحققه من دخل وإنتاج في حياته العملية يُفقد بسبب اختلالات تراكمية في جودة التعليم والصحة والتغذية منذ الطفولة.
ومرة أخرى فإن القصد من التذكير بهذه الأرقام ليس التشهير؛ بل التذكير بأن أثر السياسات لا يقاس بالوعود بل بمحصلة قابلة للمقارنة الدولية. وفي التجارب التي نجحت، لم تُترك المؤشرات حبيسة التقارير؛ ولكنها تُنشر في صيغة لوحات أثر مختصرة بانتظام، ويُسائل البرلمان الحكومة عليها في آجال مضبوطة، وتصحح البرامج أثناء التنفيذ لا بعد فوات الأوان.
ثم إن هناك – بالإضافة إلى مؤشرات الأثر- شرطا سابقا على الأثر نفسه يتمثل في قدرة الدولة على إنفاذ القواعد. فمؤشر سيادة القانون الصادر عن (World Justice Project) لا يقيس “الخطاب”؛ بل ما إذا كانت القاعدة تعمل، وما إذا كان المواطن يثق أن بمقدوره أن ينال حقه بالقانون لا بالوساطة. وفي نسخة 2024 من هذا المؤشر، احتل المغرب الرتبة الـ92 من أصل 142 دولة، ثم تحسن بشكل طفيف في 2025 إلى الرتبة الـ91 من أصل 143. ودلالة هذا المعطى في سياقنا مرة أخرى ليست الإحراج أو التشهير؛ بل التذكير بأن “ديمقراطية النتائج” تحتاج أرضية إنفاذ: حين تضعف قابلية تطبيق القاعدة، يصبح الأثر هشا حتى لو كانت النوايا والبرامج سليمة، وهذا هو تحديدا التجلي الأبرز لما دعوناه بجودة الديمقراطية.
وأخيرا، حين نتحدث عن تحويل المحاسبة إلى “كلفة” لا إلى شعار، فإن مؤشرات النزاهة العمومية (OCDE- Indicateurs d’intégrité publique) تُذكرنا بأن المسألة ليست أخلاقا عامة؛ بل منظومة: تضارب مصالح، شفافية، رقابة داخلية، إشراف خارجي، ومسارات مساءلة. كلما ضعفت هذه المنظومة، بقيت “ديمقراطية الأشكال” قائمة؛ لكن جدواها تتآكل لأن المواطن لا يرى في النهاية إلا فجوة بين ما يتم الإعلان عنه وما يتم إنجازه على أرض الواقع.
بهذا المعنى، تصبح الدولة الاجتماعية محكا أفقيا حاسما: ليس لأنها أجمل ورش، بل لأنها الورش الذي يفضح بسرعة ما إذا كانت الوساطة الحزبية ـ حين تمسك القرار ـ قادرة على تحويل الشرعية إلى أثر، أم أنها تعيد إنتاج الشرعية كطقسٍ منتظم بينما يبقى الأثر رهين الانتظار.
وسواء تعلق الأمر بورش الدولة الاجتماعية كمحك لاختبار قدرة أحزابنا في إعمال وترسيخ منطق شرعية الإنجاز في فلسفة تدبير الشأن العام، أو بغيره من الأوراش التي لا يتسع المجال لعرضها، فإن ما يظهر من كل ما سبق ذكره هو شيء واحد: أن أعطاب الوساطة التي انتقدناها في المقال / الحلقة الأولى ليست توصيفا ولا تهويلا؛ بل تتحول ـ حين تمسك المؤسسات المنتخبة بصيغتها الراهنة بأدوات القرار ـ إلى فرامل تنفيذ وفرامل أثر: يتسع الحق في النص، ويضيق في الخدمة؛ يُعلن السقف الزمني، ويتعثر الإنفاذ؛ تُروى الحصيلة، لكن المؤشرات لا تُنشر بما يكفي لتصبح المحاسبة كلفة منتظمة. لذلك، لم يكن نقدنا للأحزاب رغبة في تجريحها؛ بل دفاعا عن وظيفتها: أن تكون جسرا للأثر لا قنطرة للانتظار.
ومن هنا، نفهم أيضا لماذا لا يكفي ـ في لحظة ضيق الزمن الوطني ـ الاعتماد على الوعظ أو انتظار أن تُصلح الوساطة الحزبية نفسها بالوتيرة المطلوبة. فإذا كانت “ديمقراطية النتائج” تعني مؤشرات منشورة ومساءلة بكلفة، فمن يرفع كلفة الفرملة والتعطيل حين يتحولان إلى نمط؟ هنا يندرج ما سميناه “التدخل السيادي” داخل سقف الدستور: لا باعتباره بديلا عن السياسة ولا قفزا فوق المؤسسات؛ بل باعتباره تفعيلا صارما لأدوات الإنفاذ والمساءلة، وضبطا للآجال، وربطا للمسؤوليات بالنتائج، حتى لا يتحول السقف الزمني للأوراش الكبرى إلى مجرد عنوان، ولا يبقى الحق الاجتماعي وعدا كبيرا بلا أثر أو بأثر محدود.
المصدر:
هسبريس