تتجاوز زكاة الفطر في الوجدان المغربي كونها مجرد شعيرة تعبدية موسمية، لتشكل ركيزة أساسية في هندسة التكافل الاجتماعي وبناء جسور التواصل بين مختلف الطبقات. ومع تصاعد الضغوط التضخمية وبروز تحديات الهشاشة التي مسّت فئات واسعة، أضحى النقاش حول “رفع مقدار الزكاة” يتعدى الحسابات الرقمية الضيقة ليلامس جوهر السِّلم المجتمعي؛ حيث تتحول هذه المساهمة من “واجب مالي” ديني إلى استجابة إنسانية واعية تهدف بامتياز إلى حماية كرامة الفئات المعوزة، وضمان حد أدنى من التوازن النفسي والاجتماعي الذي يحُول دون تعميق الفوارق في لحظات الاحتفال الجماعي.
وفي هذا الإطار، يبرز التوجه نحو مأسسة رفع قيمة الزكاة كآلية استراتيجية لترميم الروابط الإنسانية وتوطيد “الألفة المغربية” كخيار لا بديل عنه في الأوقات الصعبة؛ وهو ما تتقاطع حوله قراءات الفاعلين المهتمين وخبراء المالية الإسلامية.
الرهان هنا لا يقتصر على سد الرمق، بل يمتد لاستنطاق قدرة الزكاة على تقوية “اللُّحمة المجتمعية” وتحويلها إلى “رأس مال اجتماعي” يمتص التوترات الاقتصادية؛ مما يجعل من زيادة قيمتها استثمارا في الاستقرار الروحي والمجتمعي، يكرّس قيم “الجوار” و”التضامن العضوي” الذي ميّز تاريخ المغاربة في مواجهة الأزمات.
أوضح عبد السلام بلاجي، أستاذ المالية الإسلامية نائب رئيس الجمعية المغربية للدراسات والبحوث في ركن الزكاة، أن زكاة الفطر “في جوهرها زكاةٌ تضامنية بامتياز بين المسلمين، حيث تهدف إلى تمتين الروابط بين الأغنياء من جهة، والفقراء والمساكين والفئات الهشة من جهة أخرى. وهي عبادة تُراعي من الناحية الفقهية والواقعية المتغيراتِ الاقتصادية، مثل التضخم وارتفاع الأسعار، لتكون ملائمة وقادرة على تغطية حاجيات الفقراء وسد الثغرات في حياتهم اليومية المعتادة”.
واستدلّ بلاجي، في تصريح لجريدة هسبريس، بما جاء في الحديث النبوي الشريف: “أَغْنُوهم بها عن السؤال يوم العيد”. ومن هنا، يتضح أن زكاة الفطر تتوخى تحقيق ‘إغناء ظرفي’ مرتبط بيوم العيد ومقاصده؛ وهو يختلف عن ‘الإغناء المطلق’ الذي تسعى إليه زكاة المال والزروع والثمار والأنعام وغيرها من الزكوات المعروفة”، عادّا “هذا الإغناء المؤقت يراعي القدرة الشرائية لكل من المُكلَّف (المعطي) والمستحق (الآخذ)”.
وأكد المتخصص في المالية الإسلامية أنّ “رفع مقدار زكاة الفطر ببضعة دراهم لتصل لمواكبة التضخم والزيادة في أسعار المواد الغذائية كان أمرا ضروريا؛ فهي تُقدَّر أساسا بناء على فتوى المجلس العلمي الأعلى وفق ‘غالب قوت أهل البلد’، وهو في المغرب القمح والشعير والذرة. وبما أن القمحَ هو المادة الأكثر استهلاكا في الغذاء اليومي، فإن التقدير الحالي يراعي ارتفاع سعره وتكلفة المعيشة، ضمانا لتحقيق مصلحة الطرفين”.
وأهاب نائب رئيس الجمعية المغربية للدراسات والبحوث في ركن الزكاة بالمواطنين بـ”ضرورة التجاوب مع هذه الفتوى المهمة الصادرة عن المجلس العلمي الأعلى، والحرص على إخراج زكاة فِطرهم قبل صلاة العيد بمدة كافية (يومَين أو ثلاثة أيام)، أو حتى في يوم العيد قبل الصلاة لمَن تأخَّر؛ لتمكين المستحقين من الاكتفاء بها وتحقيق المقصد الشرعي من الإغناء”.
بدوره، أكد عمر الكتاني، الخبير الاقتصادي والأستاذ الباحث في اقتصاد التنمية والاقتصاد الإسلامي، أن ثمة “اهتماما إعلاميا لافتا بموضوع زكاة الفطر”.
وقال الكتاني، في تصريح لهسبريس، إن “هذا التوجه يعكس بعمق مدى استشعار المجتمع وتوقعه للأزمة الاجتماعية في المغرب؛ وهو ما يؤكد ما ذهبنا إليه سابقا من أن الأوضاع الاجتماعية الصعبة هي التي ستدفع بالضرورة نحو الاهتمام بالاقتصاد الإسلامي كأحد الحلول لمواجهة هذه التحديات”.
وحسب الأستاذ الباحث في اقتصاد التنمية والاقتصاد الإسلامي، فإن “هذا يُعد، كذلك، تأكيدا على أن الدولة لم تعد قادرة بمفردها على امتصاص أزمات الأوضاع الاجتماعية؛ مما جعلها تتجه نحو التعويل على المجتمع وتضامُنه”.
وأبرز الخبير الاقتصادي أن زكاة الفطر هي آلية يؤديها المواطنون والمجتمع بمختلف فئاته، وهي تعكس رغبة في تشجيع الناس وتنبيههم لأداء هذه الفريضة، لعلها تسهم في خلق عامل نفسي تضامني يخفف من وطأة الأزمات”.
ومقدّما قراءة اقتصادية لرفع مقدار الزكاة (25 درهما)، قال الكتاني: “من الناحية الاقتصادية، فإن رفع مقدار زكاة الفطر من مستويات سابقة (13-15 درهما) إلى 25 درهما يجد مبرره في واقع ‘التضخم’؛ فالقيمة الشرائية للدرهم لم تعد كما كانت، والتضخم الذي يمس القطاعات الاجتماعية يفرض “تحيينا للقيمة النقدية لزكاة الفطر”. وبما أن الأصل فيها أنها مرتبطة بالإنتاج الحقيقي (الصاع من الحبوب)، فمن الطبيعي أن تخضع قيمتها النقدية لتقلبات الأسعار وتكلفة المعيشة.
وأضاف المصرح عينه أن “هذا الرفع يهدف إلى حماية الفئات الهشة من آثار التضخم القادم، خاصة مع الارتفاع المرتقب في أسعار المحروقات وتأثيره على المواد الغذائية”.
وخلص عمر الكتاني: “إذا نَظَرنا إلى زكاة الفطر من منظور إجمالي، فإن أسرة مكونة من 5 أفراد ستؤدي حوالي 125 درهما. وعند تعميم هذا النموذج على مستوى المجتمع ككل، فإننا نتحدث عن ‘مليارات الدراهم’ التي تتحول في ظرف وجيز كدعمٍ مباشر ومكثف للفئات الهشة”، خالصا إلى كونها “فرصة اقتصادية واجتماعية هائلة لتقليص الفوارق وتوطيد السلم الاجتماعي، شريطة العودة إلى الأصول الثقافية والروحية التي تُنظم هذا العمل التضامني”.
المصدر:
هسبريس