كشف تقرير حديث صادر عن وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء (EUAA) عن تحولات جوهرية في خريطة الهجرة غير النظامية نحو القارة العجوز، مسجلا تراجعا ملحوظا في الانطلاقات من السواحل المغربية، يقابله انتعاش في المسارات البديلة انطلاقا من السواحل الجزائرية.
التقرير السنوي، الذي يحمل عنوان “أحدث اتجاهات اللجوء 2025 – التحليل السنوي” (Latest Asylum Trends 2025 – Annual Analysis) والصادر خلال شهر مارس الجاري، قدم قراءة للدينامية المتغيرة لشبكات تهريب البشر، مسلطا الضوء على “تأثير البالون” في المنطقة المغاربية؛ حيث يؤدي الضغط الأمني في نقطة ما إلى انفجار في نقاط عبور أخرى.
وبلغة الأرقام، أكد التقرير الأوروبي تسجيل انخفاض بنسبة 17 في المائة في أعداد المهاجرين المنطلقين من السواحل المغربية عبر “الطريق الغربي الإفريقي” (الطريق الأطلسي) المؤدي إلى جزر الكناري الإسبانية.
وأرجع التقرير هذا التراجع الملموس إلى عامل حاسم يتمثل في “التعاون العملياتي الوثيق بين الرباط ومدريد”، حيث أثمر التنسيق الأمني العالي، وتشديد المراقبة على الحدود، وتكثيف الدوريات البحرية والجوية المشتركة، عن إحباط آلاف المحاولات وتفكيك العشرات من شبكات الاتجار بالبشر، مما جعل السواحل المغربية عصية على المهربين مقارنة بالسنوات الماضية.
المهربون يغيرون البوصلة نحو الجزائر
وفي مقابل النجاح المسجل على المحور المغربي، دق التقرير ناقوس الخطر بشأن تحول مسارات الهجرة، مؤكدا أن الانطلاقات من السواحل الجزائرية نحو المسارات المرتبطة بغرب إفريقيا وأوروبا شهدت ارتفاعا ملحوظا خلال الفترة ذاتها.
ويفسر خبراء الهجرة هذا التحول بـ “مرونة” شبكات التهريب الدولية التي تسارع إلى إعادة توجيه أنشطتها وتغيير خرائط انطلاقها بمجرد استشعارها لتشديد الرقابة الأمنية في منطقة معينة.
وباتت السواحل الجزائرية تشكل نقطة جذب جديدة للمهربين الباحثين عن منافذ أقل صرامة لتوجيه قوارب المهاجرين المنحدرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، فضلا عن المهاجرين المحليين.
وعاد التقرير ليُذكّر بخطورة “الطريق الأطلسي” المؤدي إلى الأرخبيل الإسباني (جزر الكناري)، واصفا إياه بأنه أحد أعنف وأخطر طرق الهجرة البحرية في العالم. فهذا المسار يمتد عبر مئات الكيلومترات في مياه المحيط الأطلسي الغادرة، انطلاقا من سواحل شمال وغرب إفريقيا، وغالبا ما تُستخدم فيه قوارب متهالكة غير قادرة على الصمود أمام الأمواج العاتية، مما يحوله إلى مقبرة مفتوحة للمهاجرين.
ورغم التراجع المسجل من الجانب المغربي، يظل هذا الطريق عرضة لتقلبات مستمرة تفرضها الظروف المناخية وتغير السياسات الأمنية في دول العبور المتشاطئة.
منظومة اللجوء الأوروبية على حافة الانهيار
ولا ينفصل هذا المشهد المعقد في شمال إفريقيا عن الأزمة الهيكلية التي تعيشها دول الاستقبال. فقد كشفت وكالة (EUAA) عن أرقام صادمة تعكس حجم الضغط الهائل الذي تتعرض له منظومة اللجوء داخل الاتحاد الأوروبي.
وأشار التقرير إلى أن عدد طلبات اللجوء المتراكمة والمعلقة قيد المعالجة (في مختلف المراحل الإدارية والقانونية) بلغ حوالي 1.2 مليون ملف بحلول نهاية سنة 2025. ويمثل هذا الرقم الضخم واحدا من أعلى المستويات المسجلة تاريخيا في أوروبا، مما يضع البنية التحتية للاستقبال والأنظمة القضائية الأوروبية تحت اختبار غير مسبوق.
وخلص التقرير إلى أن معادلة الهجرة غير النظامية باتت تتطلب أكثر من مجرد مراقبة حدودية؛ فهي لعبة “قط وفأر” بين السلطات الأمنية وشبكات التهريب العابرة للحدود. فكلما نجحت دول مثل المغرب في إغلاق منافذها بفضل المراقبة الصارمة، سارعت تلك الشبكات إلى البحث عن ثغرات في دول مجاورة، مما يحتم ضرورة إرساء مقاربة إقليمية شاملة لمعالجة الظاهرة.
المصدر:
العمق