قالت فاطمة التامني، النائبة البرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، إن واقع النساء في العالم العربي وأوروبا وإفريقيا ما يزال يطبعه تناقض واضح بين التقدم القانوني الذي تحقق في عدد من الدول وبين استمرار الفجوات الفعلية في المشاركة السياسية والتمكين الاقتصادي والحقوق الاجتماعية، مؤكدة أن “التحدي اليوم لم يعد فقط في سن القوانين، بل في القدرة على تحويلها إلى سياسات عمومية فعالة تضمن المساواة الفعلية”.
وأوضحت التامني، خلال مداخلة لها في الندوة الدولية عن بعد المنظمة مساء السبت 14 مارس من طرف نساء فيدرالية اليسار الديمقراطي تحت عنوان “المرأة في العالم العربي وأوروبا وإفريقيا: الواقع، التحديات والبدائل”، أن النقاش حول حقوق النساء لا يمكن فصله عن السياق العالمي الراهن الذي يتسم بتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وتصاعد النزاعات المسلحة واتساع موجات الهجرة القسرية، معتبرة أن “كل هذه التحولات العالمية تضاعف من هشاشة أوضاع النساء في مختلف مناطق العالم”.
وأشارت إلى أن التقارير الدولية، من بينها تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي، ما تزال تسجل استمرار الفجوات بين النساء والرجال في مجالات عدة، منها التمكين الاقتصادي والتمثيل السياسي والولوج إلى الموارد، رغم بعض التقدم القانوني الذي تحقق في عدد من الدول، مضيفة أن “الفجوة بين النصوص القانونية والواقع الاجتماعي ما تزال واسعة في العديد من السياقات”.
وأفادت بأن منطقة العالم العربي وشمال إفريقيا تقدم مثالاً واضحاً على هذا التناقض، إذ يوجد تطور نسبي في الاعتراف القانوني ببعض الحقوق، غير أن هذا التقدم “لا ينعكس دائماً على مستوى الممارسة السياسية والاجتماعية”، لافتة إلى أن متوسط تمثيلية النساء في البرلمانات العربية لا يزال محدوداً ويقارب نحو 26 في المائة، بينما تبقى مشاركة النساء في مواقع القرار الاقتصادي ضعيفة للغاية.
وأضافت أن النساء في عدد من الدول يواجهن عراقيل مرتبطة بالبنية الاجتماعية المحافظة وضعف السياسات العمومية الموجهة لتحقيق المساواة، معتبرة أن هذه العوامل تساهم في استمرار التفاوتات بين الجنسين، سواء في سوق الشغل أو في الولوج إلى الموارد وفرص المشاركة في اتخاذ القرار.
وفي المقابل، سجلت التامني أن أوروبا، رغم ما راكمته من تقدم تشريعي ومؤسساتي في مجال المساواة، ما تزال تعرف بدورها فجوات قائمة، خاصة في ما يتعلق بالأجور والتمثيلية في المناصب القيادية، موضحة أن “الفجوة في الأجور بين النساء والرجال لا تزال قائمة وتصل في بعض الحالات إلى حوالي 13 في المائة، كما أن حضور النساء في مواقع القيادة الاقتصادية والسياسية ما يزال دون المستوى المطلوب”.
وشددت على أن أحد أبرز الإشكالات التي تواجه مسار تحقيق المساواة يتمثل في استمرار الفجوة بين النصوص القانونية والواقع، معتبرة أن “العديد من الدساتير والتشريعات تنص على المساواة، لكن البنيات الاقتصادية والاجتماعية تعيد إنتاج التمييز بشكل مستمر”. وأوضحت أن النساء يتركزن بشكل أكبر في القطاعات الهشة وغير المهيكلة داخل سوق الشغل، وهو ما يجعلهن أكثر عرضة للهشاشة الاقتصادية وعدم الاستقرار المهني.
وفي السياق المغربي، قالت التامني إن النساء ما زلن يواجهن أشكالاً متعددة من التمييز والعنف، من بينها العنف الرقمي والمؤسساتي، مشيرة إلى أن الشعارات المرتبطة بالمساواة “لا تُترجم دائماً إلى نصوص قانونية وسياسات عمومية قادرة على الحد من التمييز وضمان الإنصاف الحقيقي”.
وأرجعت جزءاً من هذه الإشكالات إلى ما وصفته بضعف الإرادة السياسية في عدد من البلدان، حيث يتم أحياناً الاكتفاء بالمصادقة على الاتفاقيات الدولية دون ترجمتها إلى تشريعات وطنية وسياسات عملية، موضحة أن “الكثير من الدول تعلن التزامها بالاتفاقيات الدولية، لكنها لا تحول هذه الالتزامات إلى قوانين وإجراءات ملموسة على أرض الواقع”.
وتطرقت البرلمانية إلى التحديات الكبرى التي تواجه تقدم حقوق النساء، مشيرة إلى أن تصاعد النزاعات المسلحة في عدة مناطق من العالم العربي وإفريقيا يؤدي إلى تفاقم معاناة النساء عبر التهجير والفقر والعنف، كما أن السياسات الاقتصادية النيوليبرالية التي تقلص دور الدولة في الحماية الاجتماعية “تنعكس بشكل مباشر على النساء باعتبارهن الفئة الأكثر هشاشة اجتماعياً واقتصادياً”.
وأضافت أن استمرار الصور النمطية والأدوار التقليدية داخل المجتمعات الأبوية يشكل بدوره عائقاً أمام وصول النساء إلى مواقع القرار، معتبرة أن مواجهة هذه المعيقات تتطلب “معركة ثقافية حقيقية لتفكيك المنطق الذكوري السائد في العديد من المجتمعات”.
وفي ما يتعلق بالوضع القانوني بالمغرب، أكدت التامني أن الحركة النسائية والقوى الديمقراطية ما تزال تنتظر إصلاحات جوهرية، من بينها إخراج مدونة أسرة عادلة تضمن المساواة وتحمي حقوق النساء، موضحة أن “المجتمع المغربي ينتظر مدونة أسرة عادلة تمنع زواج القاصرات وتحد من تعدد الزوجات وتضمن أسرة قائمة على المساواة والكرامة”.
كما دعت إلى مراجعة عدد من القوانين التي تتضمن، بحسب تعبيرها، مظاهر تمييز مباشر أو غير مباشر، وعلى رأسها القانون الجنائي، مؤكدة أن تحقيق المساواة يقتضي “مراجعة شاملة لكل النصوص القانونية التي قد تكرس التمييز أو تعيق تحقيق الإنصاف بين النساء والرجال”.
وتوقفت أيضاً عند مسألة التمثيلية السياسية للنساء في المغرب، مشيرة إلى أن البرلمان الحالي يعرف تراجعاً في نسبة حضور النساء مقارنة بما كان متوقعاً بعد دستور 2011، مضيفة أن فيدرالية اليسار الديمقراطي تقدمت بمقترحات لتعزيز المناصفة، من بينها اعتماد لوائح انتخابية تقوم على مبدأ التناوب بين النساء والرجال، غير أن هذه المقترحات “قوبلت بالرفض، وهو ما يعكس غياب إرادة سياسية حقيقية لضمان المناصفة”.
وبخصوص البدائل الممكنة لتعزيز المساواة، أكدت التامني أن الأمر لا يتعلق بحلول تقنية فقط، بل بمشروع مجتمعي متكامل، موضحة أن “تعزيز المساواة يتطلب أولاً تقوية الديمقراطية، لأنه لا يمكن الحديث عن ديمقراطية حقيقية بدون مساواة فعلية بين النساء والرجال”.
وأضافت أن من بين الأولويات أيضاً تعزيز التمثيل السياسي للنساء في المؤسسات المنتخبة ومراكز القرار، واعتماد سياسات اقتصادية تراعي العدالة الاجتماعية وتوفر الحماية للفئات الهشة، إلى جانب إصلاح شامل للقوانين بما يضمن إزالة كل أشكال التمييز.
وشددت على ضرورة إقرار تشريعات أكثر فعالية لمناهضة العنف ضد النساء، داعية إلى مراجعة القانون المتعلق بمحاربة العنف وإرساء إطار قانوني قادر على مواجهة مختلف أشكال العنف، بما فيها العنف الرقمي والمؤسساتي.
كما أبرزت الدور المحوري للحركات النسائية والمجتمع المدني في الدفاع عن حقوق النساء، معتبرة أن هذه الحركات “راكمت نضالات مهمة من أجل الكرامة والمساواة ومناهضة التمييز والعنف”، الأمر الذي يستوجب دعمها وتعزيز حضورها في النقاش العمومي وصنع السياسات.
المصدر:
لكم