أثار إطلاق وزارة العدل لمنصة المسطرة الغيابية نقاشا واسعا داخل الأوساط القانونية والحقوقية بالمغرب، بين من يرى فيها خطوة في اتجاه تحديث منظومة العدالة وتسريع مساطرها عبر توظيف الرقمنة، وبين من يعتبرها إجراء يطرح إشكالات حقيقية مرتبطة بضمانات المحاكمة العادلة وحماية المعطيات الشخصية للمتقاضين. ويأتي هذا الجدل في سياق التحول الرقمي الذي تعرفه الإدارة القضائية، وما يرافقه من تساؤلات حول حدود استعمال التكنولوجيا في تدبير المساطر القضائية دون المساس بالحقوق الدستورية للأفراد.
وفي هذا الإطار، تتباين قراءات الفاعلين القانونيين والحقوقيين بشأن طبيعة هذه المنصة وأثرها على مبدأ قرينة البراءة وحق المتهم في محاكمة عادلة، خاصة في ظل نشر معطيات شخصية مرتبطة بأشخاص موضوع مسطرة غيابية قبل صدور أحكام قضائية نهائية في حقهم. وبين التحذير من انعكاسات ذلك على الخصوصية والسمعة، والتأكيد على أن المنصة مجرد أداة تنظيمية لتدبير المعطيات القضائية في إطار قانوني قائم، يتواصل النقاش حول كيفية تحقيق التوازن بين متطلبات العدالة الرقمية وضمانات الحقوق والحريات.
وفي هذا الصدد، أكد إبراهيم حشان، المحامي وعضو المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، أن منصة المسطرة الغيابية التي أطلقتها وزارة العدل تشكل انتهاكا صريحا لأبسط حقوق المتهمين في الخضوع لمحاكمة عادلة. وأبرز المصدر ذاته أن هذا الإجراء يضرب في العمق مبدأ قرينة البراءة الذي يضمنه الفصل 119 من الدستور المغربي لسنة 2011، معتبرا أن نشر المعطيات الشخصية للمشتبه فيهم في غياب أي قرار قضائي نهائي بالإدانة يتعارض تماما مع قانون حماية المعطيات الشخصية.
وأوضح الفاعل الحقوقي ضمن تصريح لجريدة “العمق” أن هذا الإجراء المثير للجدل يستمد سنده القانوني من مقتضيات المادة 445 من قانون المسطرة الجنائية، مشيرا إلى أن المسطرة الغيابية يتم اللجوء إليها في قضايا الجنايات حصرا، وذلك في الحالات التي يتعذر فيها إلقاء القبض على المتهمين أو عند رفضهم الاستجابة لطلبات الاستدعاء. وأضاف المتحدث أن هذه العملية تتم بموجب أمر قضائي تصدره غرف الجنايات بناء على المادة 443، ليعهد بعد ذلك للوكيل العام للملك بتنفيذه بالاستعانة بعناصر الشرطة القضائية، تطبيقا لمضامين المادة 444 من القانون ذاته.
وتابع المصدر توضيحه لتفاصيل هذه المسطرة، مبرزا أن الخطوة الموالية تتمثل في نشر إعلان بالمنصة الإلكترونية التي أعدتها وزارة العدل لمدة خمسة عشر يوما، حيث يتضمن هذا الإشعار هوية الشخص الصادر في حقه أمر المسطرة الغيابية من طرف غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف المعنية. وكشف المحامي أن الإعلان المنشور يكشف عن تفاصيل دقيقة تشمل عنوان المسكن الأخير للمتهم، وطبيعة التهم الموجهة إليه، وأوصافه الجسدية، ورقم بطاقة هويته، مع إمكانية إرفاق صورته الشخصية عند الاقتضاء، كما يتضمن الإعلان دعوة صريحة للمتهم لتقديم نفسه فورا لأي سلطة قضائية أو شرطية، مع إلزام كل شخص يعلم بمكان تواجده بضرورة إبلاغ السلطات المختصة.
وشدد عضو الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، من زاوية المقاربة الحقوقية، على الخطورة البالغة لنشر المعطيات الشخصية للمواطنين دون الحصول على إذن مسبق منهم، ودون وجود أحكام قضائية حائزة لقوة الشيء المقضي به. وختم حشان تصريحه بالتحذير من التداعيات الوخيمة لهذا الإجراء الذي يقوض ضمانات المحاكمة العادلة، لافتا الانتباه إلى الأضرار النفسية الجسيمة التي تلحق بالمعنيين بالأمر وبأسرهم، خاصة في الحالات التي قد تنتهي بصدور أحكام قضائية تقضي ببراءتهم بعد استيفاء جميع المساطر القانونية المعمول بها.
وفي سياق متصل، أكد رشيد أشنين، الخبير في التحول الرقمي بمجال العدالة، في تصريح لجريدة “العمق”، أن المنصة الرقمية للمسطرة الغيابية لا تمارس أي سلطة قضائية ولا تتدخل في جوهر القرارات، نافيا بذلك الجدل المثار حول احتمال مساسها باختصاصات القضاء. واعتبر الخبير أن الرقمنة في منظومة العدالة بالمغرب تجاوزت البعدين التقني والإداري لتصبح عملية ابتكارية استراتيجية تعيد صياغة البنية التنظيمية، وتؤسس لما أسماه بـ “دستور العدالة الرقمية” الذي يحدد قواعد إدارة المرفق ومبادئه في العصر الحالي.
وأوضح المتحدث ذاته أن القراءة المتأنية لطبيعة هذه المنصة تكشف أنها مجرد أداة رقمية لتنظيم المعلومة وتيسير الوصول إليها في إطار المساطر القانونية القائمة، مشددا على أنها لا تصدر الأحكام بتاتا، بل تساعد على تدبير المعطيات لتسهيل عمل القضاء وتقريب المعلومة من المعنيين. وأبرز أشنين أن القرار القضائي يظل حصريا بيد السلطة القضائية، في حين تندرج هذه المنصات ضمن مجال التدبير الإداري والتنظيمي للمرفق، وهو الدور الذي اضطلعت به وزارة العدل تاريخيا لدعم حسن سير منظومة العدالة.
وكشف المصدر نفسه، ضمن إفادته للمنبر الإعلامي المذكور، أن النقاش الدائر يغفل طبيعة وزارة العدل كمؤسسة ريادية تضم مديريات قانونية متخصصة، كمديرية التشريع ومديرية الشؤون الجنائية ومديرية الشؤون المدنية، والتي تدرس أي مشروع لضمان مطابقته للقوانين والضمانات الدستورية قبل تنزيله. وتفاعلا مع التساؤلات المثارة حول حماية الخصوصية، سجل الخبير معطى حاسما يتمثل في حصول هذا المشروع على إذن رسمي من اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، مما يؤكد احترام المساطر المعتمدة قانونيا في مجال حماية البيانات.
وتابع خبير التحول الرقمي تحليله بالإشارة إلى أن الأسئلة الجديدة المرتبطة بملكية بيانات العدالة وكيفية تدبيرها يجب أن تقود إلى بناء نموذج متوازن لحكامة البيانات يضمن التكامل بين مختلف الفاعلين، بدل الدخول في صراعات مؤسساتية. وخلص أشنين إلى أن المنصة الرقمية للمسطرة الغيابية تشكل لبنة إضافية وفعالة في صرح العدالة الرقمية بالمغرب، معتبرا إياها مرحلة جديدة تتحول فيها المنصات إلى أدوات لتطوير الأداء، وتكتب فقرة جديدة في مسار تشكل دستور العدالة الرقمية بالبلاد بما يعزز ثقة المواطن في المرفق القضائي.
المصدر:
العمق