آخر الأخبار

حرائق واحات زاكورة.. “مقابر النخيل” تستصرخ المسؤولين وتكشف هشاشة التدبير

شارك

كالنار في الهشيم، اندلعت ألسنة اللهب نهاية الأسبوع المنصرم بشكل مفاجئ وسط واحات دوار تيكيت التابع لجماعة تنسيفت بإقليم زاكورة، مخلفة حالة من الهلع والاستنفار في صفوف الساكنة بعدما التهمت النيران مساحات من النخيل والأعشاب الجافة، في مشهد أعاد إلى الواجهة المخاوف المتزايدة من تكرار حرائق الواحات مع اقتراب فصل الصيف.

وفي أعقاب هذا الحادث، عبرت فعاليات مدنية وحقوقية بالإقليم عن استيائها وقلقها المتزايد إزاء تكرار حرائق الواحات سنة بعد أخرى، محذرة من المخاطر التي باتت تهدد هذا الموروث البيئي والاقتصادي الحيوي، في ظل هشاشة المنظومة الواحية وتفاقم آثار الجفاف والتغيرات المناخية.

وفي هذا السياق، كشف جمال أقشباب، رئيس جمعية أصدقاء البيئة بإقليم زاكورة، أن الواحات شهدت خلال السنوات الأخيرة تدهورا مقلقا بفعل عدة عوامل، من بينها الحرائق التي تسببت في تحول أجزاء واسعة منها إلى ما يشبه الأطلال والمقابر.

وأوضح أقشباب في تصريح لجريدة “العمق”، أن هذه الواحات أصبحت تواجه ظاهرة خطيرة وغير مسبوقة، وهي تزايد الحرائق، مشيرا إلى أن هذا المجال البيئي الفريد يشكل منظومة إيكولوجية ذات أهمية كبرى، إذ يمثل أكثر من 15 في المائة من مساحة المغرب، كما يلعب دورا حيويا في حماية مناطق الوسط والشمال من زحف الرمال والتصحر ورياح الشرقي.

واعتبر أن الأسباب الكامنة وراء هذه الحرائق متعددة، في مقدمتها العوامل المناخية المرتبطة بالجفاف وقلة التساقطات المطرية وارتفاع درجات الحرارة وارتفاع نسبة التبخر، إلى جانب تداعيات التغيرات المناخية التي أثرت بشكل مباشر على واحات النخيل ووفرت الظروف الملائمة لاندلاع الحرائق.

وأبرز المتحدث ذاته أن هناك أيضا أسبابا بشرية مرتبطة بالسياسات العمومية، من بينها إهمال هذا المجال الحيوي وغياب استراتيجية واضحة لتنمية وتأهيل الواحات وتجديدها، علاوة على ضعف الوعي البيئي لدى بعض السكان، وهو ما تفاقم مع تراجع الموارد الاقتصادية للواحات، الأمر الذي دفع عددا كبيرا من الفلاحين الصغار إلى الهجرة وترك أراضيهم دون عناية.

مصدر الصورة

ومن بين العوامل التي ساهمت كذلك في تدهور الواحات، أضاف أقشباب، الاستنزاف المتزايد للفرشة المائية الجوفية بفعل التوسع في زراعة البطيخ الأحمر، وهو ما أدى إلى عدم وصول جذور النخيل إلى المياه، وبالتالي موتها وهي واقفة، الأمر الذي حول مساحات واسعة من الواحات إلى مناطق ميتة توفر بدورها شروطاً ملائمة لاندلاع الحرائق.

من جهة أخرى، لفت إلى أن غياب برامج منتظمة لتنظيف الواحات من النخيل الهالك وبقايا الجذوع والجريد اليابس يساهم بشكل كبير في انتشار الحرائق، خاصة خلال فصل الصيف الذي يعرف ارتفاعا كبيرا في درجات الحرارة، إضافة إلى أسباب مباشرة مرتبطة ببعض السلوكيات البشرية غير المسؤولة، مثل رمي أعقاب السجائر أو إشعال النار داخل الواحات، فضلا عن بقايا الزجاج التي قد تساهم مع الحرارة المرتفعة في إشعال النيران.

وبخصوص انعكاسات هذه الحرائق، أشار ئيس جمعية أصدقاء البيئة إلى أنها لا تقتصر على الجانب البيئي فحسب، بل تمتد إلى أبعاد اقتصادية واجتماعية خطيرة، إذ يؤدي هلاك أشجار النخيل إلى فقدان السكان لمصدرهم الأساسي للعيش، باعتبار أن إنتاج التمور يشكل المورد الاقتصادي الرئيسي للعديد من الأسر، ما يفاقم مظاهر الفقر والبطالة ويدفع إلى الهجرة نحو مناطق أخرى.

مصدر الصورة

من جهة ثانية، حذّر المصدر ذاته من أن تراجع الغطاء النباتي داخل الواحات يساهم في تسارع زحف الرمال والتصحر، فضلا عن اختلال التوازن المناخي المحلي الذي كانت توفره الواحات للزراعات التحتية، مسجلا أن الفلاحين المتضررين من هذه الحرائق لم يستفيدوا من الصندوق الخاص بالكوارث، على خلاف مناطق أخرى في شمال البلاد التي شهدت حرائق غابات.

وتساءل أقشباب عن مصير الاستثمارات الموجهة لتنمية الواحات، مؤكدا أن حجم الاستثمارات التي أشرفت عليها وكالة تنمية الواحات وشجر الأركان خلال الفترة الممتدة ما بين 2012 و2022 بلغ أكثر من 12.5 مليار دولار، غير أن انعكاساتها، بحسب تعبيره، لا تبدو واضحة على واقع الساكنة، في ظل استمرار مظاهر الفقر والبطالة والهجرة وضعف البنيات التحتية.

وجدّد المصدر نفسه تأكيده أن الفيضانات التي عرفتها المنطقة مؤخرا كشفت هشاشة البنية التحتية المائية، حيث ضاعت ملايين الأمتار المكعبة من المياه في رمال الصحراء ووصلت إلى المحيط الأطلسي بسبب ضعف التجهيزات المائية.

وأشار أيضا إلى وجود اتفاقية بقيمة تناهز 54 مليار سنتيم، وقعتها وزارة الداخلية وتم توجيهها إلى مجلس جهة درعة تافيلالت من أجل تنفيذ برنامج يروم تنمية وتأهيل الواحات ومحاربة الحرائق، بمشاركة عدة متدخلين من بينهم المديرية الجهوية للفلاحة ووكالة تنمية الواحات وشجر الأركان والوقاية المدنية، وذلك في إطار برنامج يمتد لثلاث سنوات.

مصدر الصورة

وطرح الفاعل الجمعوي تساؤلات بخصوص مآل هذه البرامج والدراسات، معتبرا أن عددا منها يعتمد على مكاتب دراسات لا علاقة لها بالمجال الواحي ولا تمتلك الخبرة الكافية، في وقت يتم فيه ضخ أموال مهمة دون أن ينعكس ذلك على واقع الإنسان والمجال الواحي، داعيا إلى فتح تحقيق وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وشدد أقشباب على أن أحد مكامن الخلل يتمثل في غياب المقاربة التشاركية وإقصاء الساكنة المحلية والمجتمع المدني من تدبير هذه البرامج، في حين يتم تخصيص جزء من هذه الميزانيات لدعم الجمعيات المحلية في الدواوير لمراقبة الواحات وتنظيفها وتنظيم حملات توعوية كان من شأنه أن يساهم في الحد من هذه الحرائق، فضلا عن خلق فرص عمل للسكان المنطقة الذين يعتبرون الأكثر دراية بخصوصيات المجال الواحي.

وفي ما يتعلق بالحلول الممكنة، دعا الفاعل البيئي إلى اعتماد استراتيجية مستدامة ومندمجة تقوم على تجديد الواحات وتنظيفها من النخيل اليابس، والحد من الاستنزاف الخطير للفرشة المائية، خاصة بسبب الزراعات المستنزفة للمياه مثل البطيخ الأحمر، مع ضرورة توفير مسالك داخل الواحات لتسهيل وصول فرق الوقاية المدنية، وإحداث نقاط مائية داخلها، إلى جانب تعزيز الإمكانات اللوجستية لفرق التدخل.

من جهته، أكد محمد لمين الأبيض، الفاعل الحقوقي بإقليم زاكورة، أن المجال الواحي بالمنطقة يعيش اليوم وضعا أكثر صعوبة مقارنة بالماضي، مشيرا إلى أن الفلاح الزاكوري يواجه معاناة حقيقية نتيجة سنوات الجفاف التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الأخيرة.

وأوضح الأبيض في تصريح لجريدة “العمق”، أن منطقة تيكيت بولمان التابعة لجماعة ترناتة شهدت مؤخرا حريقا مهولا، إلى جانب حرائق ٱخرى عرفتها المنطقة في الأشهر الماضية، شأنها في ذلك شأن عدد من المناطق الأخرى بالإقليم مثل أكدز وتاكونيت ومحاميد الغزلان وفزواطة ومزكيطة.

وأضاف أن الواحة التي كانت تضم في السابق ما يقارب 15 مليون نخلة لم يتبق منها اليوم سوى حوالي مليوني نخلة فقط، فيما تحولت مساحات واسعة إلى أعجاز نخل خاوية، وهو الأمر الذي يوضح حجم التدهور الكبير الذي طال هذا المجال الحيوي.

وأشار الفاعل الحقوقي إلى أن الواحة تمتد من أفرا لندرا بأكدز إلى محاميد الغزلان على مسافة تناهز 260 كيلومترا، وكانت تشكل فضاء زراعيا واجتماعيا يضم العديد من القصور والقصبات، غير أن جزءا مهما من سكانها اضطر إلى الهجرة بحثا عن لقمة العيش.

وعبّر الأبيض عن أمله الكبير في أن تساهم المبادرات الجديدة في إعادة إحياء الواحات، مشيرا إلى برنامج رصد له حوالي 700 مليون درهم ويستهدف ثلاث واحات رئيسية هي مزكيطة وترناتة وكتاوة، بهدف إعادة تأهيلها وإنعاش النشاط الفلاحي بها.

وسجل المصدر نفسه، أن هذا الوضع يستدعي اعتماد إجراءات عملية، من بينها إعادة غرس فسائل النخيل وتشبيب الواحات، وإحداث أثقاب وصهاريج مائية في مختلف الدواوير، إضافة إلى إحياء الطرق التقليدية في تدبير مياه السقي مثل نظام “المخارجة” الذي يقوم على توزيع المياه بين الفلاحين حسب الحقول.

وفي المقابل، لفت المتحدث عينه إلى أن الفلاحين بالمنطقة ما زالوا ينتظرون إطلاق حصة مائية من سد المنصور الذهبي بورزازات عبر سد أكدز، باعتبار أن الفلاحة الواحية تعتمد أساسا على هذا المورد لضمان استمرار النشاط الزراعي.

كما نبه إلى أن غياب المسالك داخل الواحات يشكل عائقا كبيرا أمام تدخل فرق الوقاية المدنية عند اندلاع الحرائق، ما يستدعي إصلاح هذه المسالك وإحداث صهاريج ونقط مائية لتسهيل عمليات الإطفاء.

وأكد الأبيض أن المبادرة المتعلقة بإحداث مجموع جماعات لتدبير آليات إصلاح المسالك تعتبر خطوة إيجابية، مبرزا في الوقت ذاته أن هذه الآليات كانت في السابق، منذ سنة 2015، تستغل في حسابات سياسية بدل توظيفها لخدمة الساكنة.

وختم الفاعل الحقوقي تصريحه بالقول، أن الوقت حان لإعتماد مقاربة ميدانية وتشاركية حقيقية تأخذ بعين الاعتبار معاناة الفلاحين وأبناء المنطقة، داعيا إلى بناء سدود تلية وعتبات مائية في الوديان لإنعاش الفرشة المائية، خاصة بعد أن ضاعت كميات مهمة من مياه الفيضانات التي عرفتها زاكورة سنة 2024 في اتجاه البحر دون الاستفادة منها محليا.

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا