رحلة عبر آلاف الكيلومترات على متن شاحنة تنطلق من أكبر أسواق الخضر بسوس، وتعبر الصحراء ومعبر الكركرات نحو موريتانيا والسنغال، حيث أصبحت المنتجات الفلاحية المغربية جزءا من الأمن الغذائي في أسواق غرب إفريقيا.
هبة بريس – أيمن المغبر
قبل أن يطلع الفجر بقليل، يكون سوق الجملة للخضر والفواكه في إنزكان قد بدأ بالفعل يومه الطويل، في هذا المكان الذي لا ينام إلا ساعات قليلة، تختلط أصوات محركات الشاحنات الثقيلة بنداءات السماسرة الذين يتنقلون بين الصناديق المكدسة وهم يعرضون الأسعار ويبرمون الصفقات في عجلة من أمرهم.
الأضواء الصفراء المعلقة فوق الممرات الضيقة تكشف مشهدا حيويا يشبه خلية نحل ضخمة، حيث يتحرك العمال، و عدد منهم ينحدرون من دول إفريقيا جنوب الصحراء، بسرعة بين أكوام الطماطم والبطاطس والبصل والحوامض، هنا، في هذا السوق الواقع بضواحي أكادير، تبدأ كل ليلة رحلة طويلة لمنتجات فلاحية مغربية ستقطع آلاف الكيلومترات قبل أن تصل إلى موائد أسر في مدن بعيدة داخل القارة الإفريقية.
بين صفوف الشاحنات المبردة المتوقفة في ساحة الشحن، يقف عبد القادر، سائق شاحنة نقل دولي تجاوز الأربعين بقليل، يتابع بعين خبيرة عملية تحميل شاحنته، يرتدي قبعة قطنية خفيفة ويحمل في يده قائمة صغيرة تضم تفاصيل الشحنة.
العمال يرصون الصناديق بعناية داخل المقطورة، يتركون مسافات محسوبة بين الصفوف حتى يسمح الهواء البارد بالمرور ويحافظ على الخضر طازجة طوال الطريق، كل صندوق يحمل علامة مألوفة مكتوبة بالفرنسية “Produit du Maroc”، بالنسبة لعبد القادر، هذه العبارة الصغيرة تختصر قصة طويلة، فهي ليست مجرد إشارة إلى بلد المنشأ، بل علامة تجارية أصبحت معروفة في أسواق غرب إفريقيا.
يقول عبد القادر وهو يتابع العمال: “هذه الشحنة ستذهب إلى دكار”، ثم يتوقف لحظة وكأنه يسترجع في ذهنه الطريق الطويل الذي ينتظره قبل أن يضيف مبتسما: “الرحلة قد تستغرق أربعة أيام أو أكثر، حسب الطريق والحدود”، بالنسبة له، لم تعد هذه الرحلة شيئا جديدا، فمنذ سنوات وهو يقود شاحنته عبر الطريق الصحراوي الذي يربط المغرب بعمق القارة الإفريقية، ومع ذلك، لا تزال كل رحلة تحمل شيئا من المغامرة، لأن الطريق طويل، والمسافات شاسعة، والصحراء لا تخلو من مفاجآت.
يعد سوق إنزكان اليوم واحدا من أهم المراكز التجارية للخضر والفواكه في المغرب، بل وفي منطقة غرب إفريقيا بأكملها، فهنا تلتقي منتجات الحقول القادمة من مناطق فلاحية متعددة مثل سوس والغرب واللوكوس ودكالة، ومع تطور سلاسل التصدير وتزايد الطلب في الأسواق الإفريقية، أصبحت الشاحنات التي تغادر هذا السوق تحمل جزءا مهما من الإنتاج الفلاحي المغربي نحو الجنوب.
تحميل الخضراوات في سوق الجملة بإنزكان
في هذا السوق، لا يقتصر النشاط على السائقين والعمال فقط، فبين الأزقة الضيقة للسوق يتحرك عشرات الوسطاء والتجار الذين يشرفون على صفقات بيع الخضر والفواكه قبل أن تبدأ رحلة التصدير، يقف عبد الرحيم، أحد كبار السماسرة في السوق، بجانب شاحنة مليئة بصناديق الطماطم القادمة من ضيعات سوس، يقول وهو يتابع عملية المزايدة بين التجار إن الطلب القادم من إفريقيا أصبح عاملا مهما في حركة السوق اليومية، “قبل سنوات كان التركيز الأكبر على السوق الأوروبية، لكن اليوم أصبحت إفريقيا أيضا سوقا واعدة جدا”.
ويشير عبد الرحيم إلى أن العديد من التجار في موريتانيا والسنغال أصبحوا يتعاملون مباشرة مع وسطاء في سوق إنزكان، حيث يتم الاتفاق على الكميات والأسعار قبل تحميل الشاحنات، ويضيف أن بعض الشاحنات تنطلق كل يوم تقريبا نحو الجنوب، خصوصا خلال المواسم التي يكون فيها الإنتاج الفلاحي وفيرا.
تشير معطيات وزارة الفلاحة المغربية إلى أن المغرب أصبح من بين أبرز مصدري الخضر والفواكه في العالم، حيث تجاوزت قيمة الصادرات الفلاحية المغربية خلال السنوات الأخيرة مليارات الدولارات سنويا، وتشكل الطماطم والحوامض والبصل والبطاطس جزءا مهما من هذه الصادرات، التي تتجه إلى أكثر من ستين دولة عبر العالم، ورغم أن أوروبا تظل الوجهة الأولى للمنتجات المغربية، فإن أسواق إفريقيا جنوب الصحراء تشهد نموا متزايدا في الطلب على المنتجات الفلاحية القادمة من المغرب.
يقول الحسين، أحد السماسرة الذين يعملون في السوق منذ أكثر من عشرين عاما، إن حجم الطلب من إفريقيا ازداد بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، “الطماطم والبصل والبطاطس المغربية مطلوبة كثيرا في موريتانيا والسنغال ومالي، الجودة معروفة، والطريق أصبح أسهل مما كان عليه في السابق”.
عند الساعة السادسة صباحا تقريبا، تكون الشاحنة قد امتلأت عن آخرها، يراجع عبد القادر الوثائق مرة أخيرة، أوراق الشحنة، وثائق التبريد وتصريح العبور الحدودي، بعد ذلك يغلق باب المقطورة بإحكام، يصعد إلى المقصورة، ويشغل المحرك الذي يطلق هديرا عميقا يعلن بداية الرحلة، ببطء، تتحرك الشاحنة خارج سوق إنزكان، تاركة خلفها ضجيج السوق المتصاعد، ومتجهة نحو الطريق الوطنية التي تقود إلى الجنوب.
غير بعيد عن سوق إنزكان، تبدأ الطريق السريعة في الابتعاد تدريجيا عن ضجيج المدينة، خلف الشاحنة تختفي شيئا فشيئا أضواء أكادير، بينما تمتد أمامها مسافات طويلة من الإسفلت تقود نحو الجنوب، بالنسبة لعبد القادر، لا تعني هذه الطريق مجرد انتقال من نقطة إلى أخرى، بل تمثل بداية مرحلة مختلفة من الرحلة، مرحلة تبدأ فيها القافلة الحقيقية لشاحنات الخضر المغربية التي تسير كل يوم نحو إفريقيا.
في المقصورة الواسعة للشاحنة، يضبط عبد القادر جهاز التبريد المثبت خلفه، هذا الجهاز هو قلب الرحلة كلها، لأنه يحافظ على درجة حرارة الشحنة طوال الطريق، فهذه الطماطم التي خرجت قبل ساعات فقط من الحقول المغربية يجب أن تصل بعد أيام إلى أسواق دكار بنفس الطزاجة تقريبا، يقول عبد القادر وهو يشير إلى لوحة التحكم: “درجة الحرارة يجب أن تبقى مستقرة، لأن أي خلل قد يفسد جزءا من الحمولة”.
الطريق إلى دكار تبدأ بقطع مسافات طوال في الصحراء المغربية
على طول الطريق نحو الجنوب، تبدأ الشاحنات الأخرى في الظهور، بعضها يحمل صناديق الحوامض، وبعضها الآخر ينقل البطاطس أو البصل، لكن معظم السائقين يعرفون بعضهم البعض، فهذه الرحلة الطويلة نحو إفريقيا تجمعهم في مسار واحد يتكرر مرات عديدة في السنة.
عند إحدى محطات الوقود الصغيرة جانب الطريق، يتوقف عبد القادر قليلا، هناك يلتقي بسائق آخر يدعى مصطفى، يقود شاحنة محملة بالبطاطس نحو نواكشوط، يقول مصطفى وهو يملأ خزان الوقود: “الطلب على الخضر المغربية في إفريقيا كبير جدا”، ثم يضيف وهو يشير إلى الطريق الممتد جنوبا: “كل أسبوع تقريبا أقوم بهذه الرحلة”، بالنسبة له، لم تعد المسافة الطويلة تشكل عائقا، لأن الأسواق الإفريقية أصبحت جزءا مهما من نشاط التصدير المغربي.
خلال السنوات الأخيرة، ارتفعت صادرات المغرب من الخضر والفواكه بشكل ملحوظ، فالمملكة تعد اليوم من بين كبار مصدري الطماطم في العالم، حيث يتجاوز الإنتاج السنوي عدة ملايين من الأطنان، جزء مهم من هذه الكميات يتجه نحو أوروبا، لكن الأسواق الإفريقية أصبحت أيضا وجهة متنامية للصادرات المغربية، خصوصا مع تطور البنية التحتية للنقل عبر الصحراء المغربية و نسبة الأمان العالية التي باتت تسمح بنقل البضائع بشكل سلس و آمن.
بعد اجتياز مدينة كلميم، يبدأ المشهد الطبيعي في التحول بشكل واضح، التلال الصخرية و الرملية تمتد على جانبي الطريق، والسماء تبدو أكثر اتساعا، هنا تبدأ الصحراء في فرض إيقاعها الخاص على الرحلة، الطريق طويل ومستقيم في أغلب الأحيان، لكن الرياح الصحراوية قد تجعل القيادة أكثر صعوبة أحيانا.
في منتصف النهار تقريبا، تمر الشاحنة قرب قافلة أخرى من الشاحنات، يلوح السائقون لبعضهم البعض بإشارات خفيفة من الأضواء، وكأنهم يتبادلون تحية غير مكتوبة بين أبناء المهنة الواحدة، يقول عبد القادر إن هذا الطريق خلق نوعا من التضامن بين السائقين، لأنهم يعرفون أن كل واحد منهم قد يحتاج مساعدة الآخر في أي لحظة.
مع الاقتراب من مدينة العيون، يبدأ التعب في الظهور قليلا، لكن الطريق لا يزال طويلا، لذلك يقرر عبد القادر التوقف في موقف مخصص للشاحنات على أطراف المدينة، هنا تتجمع عشرات الشاحنات القادمة من مختلف مناطق المغرب، بعض السائقين ينامون داخل المقصورات، بينما يجلس آخرون في مقهى صغير يتبادلون أطراف الحديث.
في هذا المقهى الصحراوي الصغير، يلتقي عبد القادر برجل يدعى العربي، يعمل هو الآخر في النقل الدولي منذ سنوات طويلة، يقول العربي وهو يحتسي كوب شاي ساخن: “قبل عشرين سنة لم يكن هذا الطريق مزدحما كما هو اليوم”، ثم يضيف مبتسما: “الآن أصبح طريق إفريقيا”.
مع غروب الشمس، تستأنف الشاحنة رحلتها نحو الجنوب، الطريق بين العيون والداخلة يمتد عبر مساحات صحراوية شاسعة تبدو أحيانا بلا نهاية، الرمال تتدرج ألوانها بين الذهبي والأحمر، بينما تتحول السماء تدريجيا إلى لوحة واسعة من الألوان البرتقالية.
مع حلول الليل، تصبح القيادة أكثر هدوءا، الطريق شبه فارغ، والنجوم تملأ السماء بشكل مذهل، داخل المقصورة، يشغل عبد القادر جهاز الراديو ليستمع إلى محطة موسيقية مغربية ترافقه في الطريق، يقول إن الليل هو الوقت الذي يشعر فيه فعلا بطول الرحلة، لأن المسافات تبدو أكبر عندما يختفي ضوء الشمس.
عند منتصف الليل تقريبا، تقترب الشاحنة من الداخلة، آخر المدن الكبرى قبل الحدود، هنا تتوقف القافلة مرة أخرى للاستراحة، بعض السائقين يفضلون النوم لبضع ساعات قبل مواصلة الطريق، لأن الجزء الأخير نحو الكركرات يتطلب تركيزا أكبر.
مع أول خيوط الفجر، تنطلق الشاحنات مجددا نحو معبر الكركرات، الطريق هنا يبدو أكثر نشاطا، لأن عشرات الشاحنات الأخرى تسلك المسار نفسه، عندما يظهر المعبر أخيرا في الأفق، يدرك عبد القادر أن الجزء المغربي من الرحلة قد شارف على نهايته، يقول وهو يشير إلى طابور الشاحنات المنتظر للعبور: “من هنا تبدأ إفريقيا”.
عند بوابة معبر الكركرات، تبدو الشاحنات مصطفة في طابور طويل يمتد لعشرات الأمتار، بعضها محمل بالأسماك القادمة من موانئ الجنوب، وبعضها الآخر يحمل مواد بناء أو سلعا استهلاكية مختلفة، لكن بين هذه القافلة من المركبات الثقيلة، تبقى شاحنات الخضر والفواكه المغربية من أكثرها حضورا، يترجل عبد القادر من مقصورته حاملا ملف الوثائق، ويتجه نحو مكتب الجمارك حيث ينتظر السائقون دورهم لإتمام إجراءات العبور.
في الساحة المجاورة للمعبر، يجلس عدد من السائقين على كراسي بلاستيكية وهم يتبادلون الأحاديث، بعضهم يتحدث عن الطريق في موريتانيا، وآخرون يناقشون أسعار الخضر في أسواق دكار ونواكشوط، يقول أحد السائقين ويدعى محمد: “في بعض الأسابيع ترتفع الأسعار في السنغال بشكل كبير، وعندها تكون الرحلة مربحة أكثر”، بالنسبة لهؤلاء السائقين، لا يتعلق الأمر فقط بقيادة شاحنة عبر الصحراء، بل بالمشاركة في حركة تجارية واسعة تربط المغرب بعمق القارة الإفريقية.
بعد انتهاء الإجراءات، تتحرك الشاحنة ببطء نحو النقطة الحدودية، خلفها يبقى آخر جزء من الطريق المغربي، وأمامها تمتد مسافة طويلة من الأراضي الموريتانية، بمجرد عبور الحاجز الحدودي، يتغير المشهد قليلا، الطريق يصبح أكثر ضيقا، والصحراء تبدو أكثر خشونة، ومع ذلك، تستمر حركة الشاحنات بشكل متواصل، لأن هذا الممر الحدودي أصبح خلال السنوات الأخيرة واحدا من أهم المعابر التجارية في المنطقة.
الطريق نحو نواكشوط يمتد عبر مساحات صحراوية شاسعة، حيث تظهر بين الحين والآخر تجمعات سكانية صغيرة أو محطات وقود متواضعة، في إحدى هذه المحطات، يتوقف عبد القادر لتناول وجبة سريعة و شرب كأس شاي على الطريقة الصحراوية، يجلس إلى طاولة معدنية مع سائقين آخرين جاءوا من مدن مغربية مختلفة، يتحدثون عن الطريق، وعن نقاط التفتيش، وعن الأسواق الإفريقية التي يعرفونها جيدا.
يقول سائق شاحنة يدعى إدريس إنه بدأ هذه الرحلات منذ أكثر من خمسة عشر عاما، “في البداية كانت الرحلة أصعب بكثير”، يوضح وهو يرتشف كوب شاي، “الطريق لم يكن بهذه الجودة، وكانت الشاحنات أقل عددا”، لكن مع تحسن البنية التحتية وتزايد التبادل التجاري، أصبح هذا الطريق جزءا أساسيا من حركة التجارة بين المغرب ودول غرب إفريقيا.
مع اقتراب المساء، تظهر أضواء نواكشوط في الأفق، العاصمة الموريتانية تبدو أكثر حيوية مما توحي به الصحراء المحيطة بها، هنا تتوقف بعض الشاحنات لتفريغ جزء من حمولتها قبل مواصلة الطريق نحو الجنوب، في أحد الأسواق الكبرى، ينتظر عدد من التجار وصول الشاحنات القادمة من المغرب، صناديق الطماطم والبصل التي تحملها هذه الشاحنات تجد طريقها بسرعة إلى أكشاك البيع، حيث يقبل عليها المستهلكون بكثرة.
يقول أحد التجار الموريتانيين إن المنتجات المغربية أصبحت جزءا مهما من السوق المحلية، “الجودة معروفة، والناس يثقون في الخضر القادمة من المغرب”، يوضح وهو يشير إلى صناديق الطماطم المرتبة أمامه، بالنسبة له، وصول هذه الشاحنات يعني توفر سلع طازجة في السوق، وهو أمر ضروري في بلد يعتمد جزء من إمداداته الغذائية على الاستيراد.
بعد استراحة قصيرة في نواكشوط، يعاود عبد القادر الانطلاق نحو الجنوب، الطريق إلى السنغال أطول مما يبدو على الخريطة، الصحراء تستمر في فرض حضورها، والقرى تظهر متباعدة على امتداد الطريق، لكن حركة الشاحنات تبقى نشطة، لأن هذا المسار يشكل حلقة أساسية في شبكة التجارة الإقليمية.
الطريق التي لا تنتهي بمخاطرها و متاعبها
مع حلول الليل، تتحول الرحلة إلى تجربة مختلفة تماما، الطريق يبدو وكأنه شريط أسود يمتد بلا نهاية تحت سماء مليئة بالنجوم، في مثل هذه اللحظات، يقول عبد القادر إنه يشعر بحجم المسافة التي تفصل بين المغرب والوجهة النهائية للشحنة، “الصحراء في الليل هادئة جدا”، يقول وهو يركز عينيه على الطريق أمامه، “لكن عليك أن تبقى يقظا طوال الوقت”.
داخل المقصورة، يراقب شاشة جهاز التبريد باستمرار، الحفاظ على درجة الحرارة المناسبة داخل المقطورة أمر حاسم لنجاح الرحلة، فهذه الطماطم التي غادرت سوق إنزكان قبل يومين يجب أن تصل إلى دكار في أفضل حالة ممكنة، أي خلل في نظام التبريد قد يؤدي إلى خسائر كبيرة.
مع بزوغ الفجر في اليوم التالي، تبدأ ملامح الحدود السنغالية في الظهور، الطريق هنا يصبح أكثر ازدحاما، وتظهر سيارات صغيرة وحافلات نقل على جانبي الطريق، بعد استكمال الإجراءات الحدودية، تدخل الشاحنة المغربية الأراضي السنغالية، لتبدأ المرحلة الأخيرة من الرحلة.
الطريق نحو دكار يمر عبر قرى صغيرة وحقول زراعية متناثرة، على جانبي الطريق، تظهر الأسواق المحلية التي يعرض فيها الباعة منتجاتهم، بعض هذه الأسواق ينتظر وصول الشاحنات المغربية التي تحمل الخضر الطازجة، بالنسبة لكثير من التجار، وصول هذه الشاحنات يعني بداية يوم تجاري نشط.
سوق دكار الذي يعتبر الأضخم في دول غرب إفريقيا
في ضواحي دكار، يتوقف عبد القادر أخيرا في سوق كبير مخصص لتوزيع الخضر والفواكه، العمال يفتحون باب المقطورة ويبدأون في إنزال الصناديق واحدة تلو الأخرى، بعد رحلة طويلة عبر الصحراء، تصل الشحنة القادمة من إنزكان إلى وجهتها النهائية.
يقف عبد القادر قليلا يراقب عملية التفريغ، بالنسبة له، هذا المشهد يمثل نهاية رحلة وبداية أخرى، لأن الشاحنات التي تحمل عبارة “Produit du Maroc” لن تتوقف عن السفر عبر الصحراء، كل يوم تقريبا، تنطلق شاحنات جديدة من أسواق المغرب نحو إفريقيا، حاملة معها جزءا من الإنتاج الفلاحي المغربي.
في عالم يزداد فيه الحديث عن الأمن الغذائي والتعاون الإقليمي، تبدو هذه الشاحنات أكثر من مجرد وسائل نقل، إنها جسور اقتصادية حقيقية تربط بين الحقول المغربية وأسواق إفريقيا، ومن خلال هذه الجسور، يساهم المغرب بشكل متزايد في تأمين جزء من احتياجات الأسواق الإفريقية من الخضر والفواكه.
وهكذا تستمر الرحلة، ليس فقط رحلة عبد القادر وشاحنته، بل رحلة آلاف الأطنان من المنتجات الفلاحية التي تغادر كل يوم الأراضي المغربية في اتجاه الجنوب، في مسيرة خضراء تمتد عبر الصحراء نحو قلب القارة الإفريقية.
الخضر و الفواكه المغربية تغزو سوق دكار
في سوق دكار الكبير، حيث تنتهي رحلة عبد القادر، تبدو الخضر المغربية جزءا مألوفا من العرض اليومي، في أحد الأكشاك، يقف تاجر سنغالي يدعى مامادو وهو يرتب صناديق الطماطم القادمة من المغرب، يقول إن الزبائن يعرفون جيدا مصدر هذه الخضر، ويضيف مبتسما: “حين تصل الشاحنات المغربية نعرف أن السوق سيشهد حركة كبيرة”.
يشير مامادو إلى أن الطماطم المغربية تتميز بحجمها وجودتها، وهو ما يجعلها مطلوبة في السوق المحلية، كما أن وصولها السريع عبر الطريق البري يسمح ببيعها وهي لا تزال طازجة، ويؤكد أن العديد من التجار في دكار يعتمدون على هذه الشحنات لتزويد الأسواق المحلية.
وفي سوق آخر قريب من الميناء، يعمل عدد من العمال على نقل صناديق الخضر من الشاحنات إلى المخازن، أحد هؤلاء العمال يقول إن وصول الشاحنات المغربية يعني يوما مزدحما بالعمل، “حين تصل الشاحنات يبدأ العمل فورا، لأن التجار يريدون توزيع الخضر بسرعة على الأسواق”.
بالنسبة لعبد القادر، تنتهي الرحلة هنا مؤقتا، بعد تفريغ الشحنة، يستعد لبدء رحلة العودة نحو المغرب، الطريق نفسه ينتظره من جديد، ومع ذلك، يعرف أن رحلته القادمة لن تتأخر كثيرا، فكل أسبوع تقريبا ينطلق في رحلة جديدة تحمل الخضر المغربية نحو الجنوب.
طماطم المغرب.. رقم 1 في قارة إفريقيا
قبل مغادرة السوق، يقف عبد القادر للحظة قرب شاحنته وينظر إلى الصناديق الفارغة التي كانت قبل أيام مليئة بالخضر القادمة من الحقول المغربية، يقول وهو يبتسم: “حين ترى هذه الخضر في أسواق إفريقيا، تشعر أن الطريق الطويل كان يستحق العناء”.
وهكذا تستمر الرحلة التي تبدأ في أسواق مثل إنزكان، وتعبر الصحراء آلاف الكيلومترات، قبل أن تصل إلى مدن إفريقيا الغربية، رحلة تحمل معها أكثر من مجرد بضائع فلاحية، بل قصة تعاون اقتصادي متنام بين المغرب وعمقه الإفريقي، حيث تتحول شاحنات الخضر إلى جسور تربط بين الأرض المغربية وأسواق القارة.
المصدر:
هبة بريس
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة