آخر الأخبار

احتياطي النفط الأمريكي يتحرك.. خبير يتوقع أزمة في المغرب ويقترح خارطة طريق لتجاوزها

شارك

في خضم الاضطرابات التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية، تتجه أنظار المحللين وصناع القرار إلى الخطوات الاستراتيجية التي تتخذها القوى الكبرى، ومدى انعكاسها على الاقتصادات الناشئة المستوردة للطاقة كالمغرب.

وفي هذا السياق، قدم الدكتور المهدي قيل، الأستاذ المحاضر في تخصص الإقتصاد والتدبير، قراءة تحليلية لقرار الإدارة الأمريكية سحب كميات من احتياطيها النفطي الاستراتيجي، موضحا أبعاد هذا القرار وتأثيراته، ومقدما في الوقت ذاته بدائل واقعية لصناع القرار في المملكة المغربية للتعامل مع “صدمات الأسعار”.

واعتبر الدكتور المهدي قيل أن إعلان إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اللجوء إلى السحب من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي لا يمكن قراءته من زاوية اقتصادية بحتة، بل يندرج ضمن منطق يجمع بذكاء بين متطلبات السياسة وإكراهات الاقتصاد.

وأوضح الخبير أن الهدف الأساسي والمباشر من هذه الخطوة هو تهدئة أسعار الطاقة المشتعلة داخل الولايات المتحدة، وعلى رأسها أسعار البنزين التي تمس جيب المواطن الأمريكي مباشرة. كما يهدف القرار إلى توجيه رسالة طمأنة للأسواق وإبراز قدرة الدولة الفيدرالية على التدخل الحاسم في اللحظات الحساسة، وذلك بالتوازي مع تحرك دولي منسق يجري تحت مظلة وكالة الطاقة الدولية لضمان استقرار الإمدادات.

وفي تشخيصه لوضعية سوق النفط العالمية، أكد الأستاذ المحاضر أن الأسواق تعيش خلال الأسبوعين الأخيرين حالة من “التذبذب الحاد”، تتسم بقفزات يومية مفاجئة تعكس حساسية مفرطة تجاه أي مستجد سياسي، أو تطور أمني، أو حتى شائعة تتعلق بحجم المخزونات.

ولغة الأرقام تؤكد هذا التوجه؛ ففي صباح يوم 12 مارس 2026، قفز سعر خام “برنت” القياسي ليلامس عتبة 100.03 دولار للبرميل، متزامنا مع ارتفاع خام “غرب تكساس” الوسيط إلى 95.25 دولارا للبرميل، وهو ما يمثل صعودا صاروخيا يقارب 9% في جلسة تداول واحدة.

وتأتي هذه القفزة، يضيف المتحدث، بعد سلسلة من التراجعات والارتفاعات الحادة، حيث كان خام “برنت” قد بلغ قمة مؤقتة عند 119.50 دولارا للبرميل يوم 9 مارس 2026، قبل أن يتهاوى إلى 91.98 دولارا عند الإغلاق يوم 11 مارس 2026.

وبالنسبة للمغرب، يرى الدكتور قيل أن هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات على شاشات البورصة، بل تعني أن كل قفزة في سعر البرميل تترجم فورا إلى ضغط مباشر على سعر اللتر في محطات الوقود، وتنعكس تلقائيا على تكلفة النقل والإنتاج والأسعار العامة.

المخزون الاستراتيجي: سلاح الدول في أوقات الأزمات

وفي إضاءة مفاهيمية، عرّف الدكتور قيل “الاحتياطي أو المخزون النفطي الاستراتيجي” بأنه كميات ضخمة من النفط الخام أو المنتجات المكررة التي تحتفظ بها الدول، أو تلزم شركات القطاع الخاص بالاحتفاظ بها، كصمام أمان لتأمين الإمدادات في أوقات الأزمات الكبرى، كاندلاع الحروب، أو إغلاق الممرات البحرية الحيوية، أو الكوارث الطبيعية، أو اضطراب سلاسل الشحن العالمية. ويُقاس هذا المخزون عادة بعدد الأيام التي يمكن أن يغطي فيها الاستهلاك المحلي أو حجم الواردات.

وأشار الخبير إلى المعايير الدولية الصارمة في هذا الباب، مبينا أن وكالة الطاقة الدولية تُلزم الدول الأعضاء بالاحتفاظ بمخزونات تعادل 90 يوما على الأقل من صافي الواردات. في حين يطبق الاتحاد الأوروبي معيارا صارما يتمثل في 90 يوما من الواردات أو 61 يوما من الاستهلاك الداخلي (أيهما أعلى).

وفي مقارنة تكشف حجم التفاوت، أوضح الخبير أن الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك مخزونا استراتيجيا هائلا يغطي حوالي 120 يوما من احتياجاتها، بينما تؤمن الصين مخزونا يكفي لنحو 78 يوما.

في المقابل، تبدو الوضعية في المغرب مدعاة للحذر؛ ففي ظل غياب معطيات رسمية دقيقة وشفافة، تشير التوقعات والتقديرات إلى أن المخزون النفطي للمملكة قد يقل عن 30 يوما، وهو ما يضعف مناعة الاقتصاد الوطني أمام الهزات الخارجية.

وعلى المستوى المالي البحت، كشف الدكتور قيل مفارقة مثيرة، مؤكدا أن المستفيد الأكبر من موجات التذبذب الحالية في أسعار النفط ليسوا المنتجين ولا المستهلكين، بل الفاعلون الماليون الكبار، وعلى رأسهم المؤسسات المالية و”صناديق التحوط” (Hedge Funds).

ويُعزى ذلك إلى أن التقلبات الحادة تخلق بيئة خصبة لجني أرباح خيالية من خلال فوارق الأسعار والمضاربة، خاصة عندما تتسع الهوة بين “الأسواق المالية” المرتبطة بالعقود الآجلة، و”الأسواق الفعلية” التي تتحكم فيها تكاليف الشحن والتأمين وتوافر المنتجات المكررة على أرض الواقع.

بالنسبة للمغرب، شدد الخبير الاقتصادي على أن المعادلة تختلف جذريا عن الدول العظمى، لافتا إلى أن المملكة لا تملك هامش المناورة المالي أو التخزيني الذي تملكه واشنطن، مما يجعل فكرة “محاكاة” الخطوات الأمريكية غير واقعية.

وحذر الدكتور قيل من الانزلاق وراء بعض الأصوات المنادية بالعودة إلى نظام “المقاصة” (دعم المحروقات المباشر)، أو المطالبة بإعادة تشغيل مصفاة “سامير” المعطلة. وبرر ذلك بأن الكلفة المالية والاستثمارية لهذين المسارين باهظة جدا ومحفوفة بمخاطر الارتباط المباشر بتقلبات السوق العالمية، مما قد يخلق “فاتورة مفتوحة” تستنزف ميزانية الدولة.

وعوضا عن الخيارات المكلفة، وضع الدكتور المهدي قيل على طاولة النقاش حزمة متكاملة من السياسات البديلة الرامية إلى إدارة المخاطر، وتقليص حجم انكشاف الاقتصاد المغربي أمام الصدمات الخارجية. وتتجسد أولى هذه الخطوات العملياتية في ضرورة التقوية العاجلة للبنية التخزينية الوطنية، وذلك عبر الاستثمار في توسيع وبناء خزانات طاقة جديدة تتيح للمملكة رفع هامش الأمان في سلاسل الإمداد، وتجاوز عتبة الثلاثين يوما التي وُصفت بالمقلقة.

وبالموازاة مع الشق اللوجستي، شدد الخبير الاقتصادي على أهمية الشق التنظيمي المتمثل في تحسين الحوكمة والتنافسية، داعيا إلى تدخل مؤسساتي لضبط سوق المحروقات الداخلي بما يضمن إرساء منافسة حقيقية وشفافة تنعكس ثمارها إيجابا على القدرة الشرائية للمستهلك النهائي.

وفي السياق ذاته، أوصى المتحدث باللجوء إلى آليات الدعم المالي عند الضرورة، شريطة أن يكون دعما “موجها بدقة” ومؤقتا، يستهدف حصرا الفئات والقطاعات الأكثر تضررا بشكل مباشر، كمهنيي قطاع النقل، لتجنب الهدر المالي.

أما على المستوى المالي، فقد طرح قيل ما اعتبره الخيار الأكثر ابتكارا ونجاعة، ويتعلق الأمر باعتماد آلية “الضريبة المرنة”، حيث تقوم هذه الهندسة الضريبية على ابتكار أداة مرنة لا يتم تفعيلها إلا في فترات الأزمات القصوى، وتسمح بإقرار تخفيض محدود ومدروس للضرائب المفروضة على المحروقات ضمن حيز زمني محدد.

وأكد الخبير أن هذا الإجراء يتميز بقدرة مزدوجة؛ فهو كفيل بامتصاص صدمة الأسعار وتخفيف العبء المادي عن المواطنين بشكل فوري، ويضمن في الوقت نفسه تجنيب المالية العمومية الانزلاق نحو التزامات هيكلية دائمة تثقل كاهل ميزانية الدولة.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا