عندما نشرتُ في جريدة هسبريس “بيان مغرب السرعة الواحدة“ ، قليلون من انتبهوا – في الردود التي اطلعت عليها على الأقل-إلى أن الأمر يتعلق بنداء تؤطره لحظة مفصلية تجتازها بلادنا لا تشبه، بما تفتحه من آفاق، ما قبلها: لحظة يتقاطع فيها ضغط الاستحقاقات الكبرى مع ضيقِ الهوامش، بحيث يصبح كل تأخير هدرا للفرص وكل ارتباك فرملة للإقلاع، ويتحول فيها “الزمن الوطني” إلى مورد سيادي، وتصبح فيها الدولة-بإنجازها وسرعتها-في مواجهة اختبار صعب: هل تتحول مساحات الاستثناء التي رصدناها في الوثيقة المنشورة إلى نسق عام أم يبقى المغرب يسير بسرعتين؛ سرعة نراها في المشاريع، وبطء نعيشه في المدرسة والمستشفى والإدارة والشغل، حيث تقاس الكرامة كل يوم؟
وقد قال البيان، بوضوح لا يحتمل الالتباس، إن شرعية الإنجاز لا تكتمل من دون استعادة مؤسسات الوساطة لمعناها، وما لم يتحرر المسار الوطني من فرامل أحزاب انزاحت-في واجهات مختلفة من المشهد-عن وظائفها الدستورية المتمثلة في التأطير، والتمثيل، وتجديد النخب، وتأطير المشاركة، وصناعة المعنى العام، إلى منطق الوكالة الانتخابية وذهنية الغنيمة. ومن هنا جاءت الدعوة إلى “جراحة سيادية” ليس بهدف تقويض التعددية، بل لإنقاذها من العبث؛ ليس بهدف القفز فوق الدستور، بل لإيقاظ روحه حين تتعطل الشرعية الإجرائية عن إنتاج شرعية الأثر.
وإذا كان لا بد من جواب عمن حاول مصادرة حقنا في إبداء وجهة نظرنا في شؤون الوطن، بحجة أن صاحب البيان كان مسؤولا حزبيا، وبأنه “قبع في الكهوف طويلا وسكت دهرا، وها هو يعود لينطق كفرا“، فيكفي إنعاش ذاكرته بحقيقة بسيطة: النقد المزدوج للأحزاب وللذات لم يبدأ اليوم، ولم يولد من فراغ، بل كان تقليدا سعينا إلى ترسيخه يوم كنا في معمعة تحمل المسؤولية، وبمنطق الإصلاح من الداخل لا بمنطق التنصل وترك الجمل بما حمل. وإذا كان لا بد أيضا من أدلة توثق ذلك، فليرجع المتشككون إلى وثيقة “طريق الانبعاث“ التي عممتها في سياق علني لإضاءة أعطاب التنظيم ووظائفه، وإلى محطات موثقة بالصوت والصورة والكتابة، سواء ضمن إطار تحمل مسؤولية رئاسة مجلس المستشارين، أو ضمن سياق ما عرف إعلاميا بصراع “تيار الشرعية“ و“تيار المستقبل“. ثم إن النقد الذاتي، في الأصل، ليس فضيلة يدعيها كاتب الوثيقة بالتفرد، بل كان جزءا من دينامية أوسع داخل الحزب نفسه، حملت-في لحظة مفصلية-بيان استقالة أحد أعمدته المؤسسين احتجاجا على انحرافات رآها تمس جوهر المشروع. لذلك، فالسؤال الجدي لا يتعلق بمن يحق له أن ينتقد، بل بما إذا كنا نمتلك الشجاعة لنناقش جوهر الفكرة بدل أن نهرب إلى محاكمة الأشخاص والتفتيش في نواياهم.
وقد أثارت هذه الأطروحة ردودا كشفت، بدورها، طبيعة المأزق: ردود اختار بعضها استدعاء أسلوب الهجاء وشخصنة النقاش بدل مناقشة الفكرة بالحجة، وبعضها الآخر ناقش الوثيقة بأسلوب رصين ولكن سرعان ما غلبه الطبع وراح ينصب ما يشبه محكمة التفتيش لاتهام كاتب الوثيقة بالنية في “التوظيف التدليسي لمفهوم السيادة والدولة“، في انزياح إذا كان مفهوما في لحظة استقطاب، لكنه غير منتج عندما يكون مطلوبا مقارعة الأفكار بمعاييرها، لا بتفتيش أخلاقي في أصحابها. في مقابل ذلك، سجلنا ردودا أكثر إيجابية وهدوءا بحيث لا مست جوهر الأسئلة: شرعية الإنجاز، حدود التدخل، طبيعة الجراحة السيادية، مخاطرها على الديمقراطية والحياة السياسية، توزيع المسؤولية، معنى الدولة والوسيط… لذلك، لا نكتب هذه السلسلة لإطالة السجال، بل لتوجيهه نحو مناطق الظل التي استدعت الأسئلة، ونحول النقاش من لغة الانفعال إلى لغة المعنى ومقارعة الحجة بالحجة؛ من جدل الأشخاص إلى امتحان الفكرة: كيف نربح رهان مغرب السرعة الواحدة؟ وكيف نجعل السياسة جسرا للإنجاز، لا أداة للفرملة والاجهاض؟
ولهذا، ستخرج هذه المذكرة في ثلاث حلقات/مترابطة ومتدرجة: نبدأها أولا بالأسئلة المرتبطة بما سميناه فرامل الوساطة والجراحة السيادية وحدودها وضماناتها داخل سقف الدستور، ثم ننتقل ثانيا إلى تفكيك مفهوم “شرعية الإنجاز” بوصفها معيارا قابلا للقياس لا شعارا، ثم نختم ثالثا بالسياق الأوسع: المنعطف والزمن الوطني ولماذا صار مغرب السرعتين خطرا استراتيجيا إذا طال.
نبدأ بهذه الحلقة بالذات لأن أكثر ما أسيء فهمه-وأكثر ما استخدم لتحريف أو تطويق النقاش-هو عبارة “الجراحة السيادية”. هل هي دعوة الى الوصاية؟ هل هي قفز على الدستور؟ هل هي إجهاز على التعددية؟ لذلك، لا معنى لتأجيل الحسم في هذا الباب. ولكن قبل الدخول في أي تفصيل، ينبغي أن نضع منذ البداية حدود المفهوم وضماناته داخل سقف الدستور، وأن نثبت-بأدلة لا بشعارات-أن الحديث عن “فرامل الوساطة” ليس تهويلا خطابيا أو تجنيا سياسيا، بل هو توصيف لمسار عشناه من الداخل، وفوق هذا فهو قابل للقياس في التأطير، وفي التنفيذ، وفي الرقابة.
الذي يدفعنا إلى هذا النقاش ليس الإحباط، أو الرغبة في تقريع وإدانة مؤسسات الوساطة الحزبية أو التعددية السياسية. بالعكس: نحن ندافع عن التعددية بوصفها وظيفة، لا بوصفها ديكورا وزينة. لكن ما الذي يحدث حين تتحول الوظيفة إلى فرامل؟ حين تمسك الوساطة بأدوات القرار العمومي-حكومة وبرلمانا وجماعات ترابية-فتعجز عن تحويل السياسات إلى أثر يومي، وتتعثر في الرقابة، ويختل ميزان التشريع حين يغلب منطق المصالح على منطق الصالح العام.
وقد يقال: لكن القانون موجود، والدستور قائم، والانتخابات تجري في مواعيدها بشكل منتظم. هذا كله صحيح. لكن الخطأ هو اعتبار وجود النصوص دليلا على وجود القدرة. النصوص قد تنظم “شكل الحزب” ولكنها أحيانا لا تصنع “جوهره”. والدليل على ذلك أن الإطار التنظيمي للأحزاب يضع المبادئ الكبرى ثم يترك جوهر تشغيلها لمجال الضبط الذاتي: لقوانينها الداخلية ولمواثيق الشرف التي اعتدنا أن تظهر عشية كل استحقاق انتخابي.
نعم، الإطار التنظيمي يلزم الأحزاب بالتقيد بمبادئ الديمقراطية والشفافية والمسؤولية والمحاسبة. غير أن الأعطاب الكبرى لا تتولد عادة من “المبادئ العامة“، بل من المنطقة الرمادية التي تصنع فيها السياسة عمليا: بوابة التزكية والترشيح، قواعد صرف التمويل وتوزيعه، آليات ضبط المال الانتخابي، ترتيب المسؤوليات الداخلية وتجديد النخب، وضمانات منع تضارب المصالح وغير ذلك. هذه هي القضايا التي تخلق الأمراض حين تُترك بلا معيار وطني قابل للإنفاذ.
وهنا بالذات يظهر منطق يتكرر في كل دورة: بدل أن يتم تحويل هذه القضايا إلى قواعد إلزامية ذات كلفة واضحة عند الإخلال بها، يجري التعامل معها بمنطق “التوافق“؛ أي نقلها من مستوى القاعدة العامة إلى مستوى ترتيبات مرنة، تقدم للرأي العام في صيغة “مواثيق شرف أخلاقية“ أو تحال إلى القوانين الداخلية للأحزاب بدعوى أن التنظيمات هي التي يجب أن تصلح نفسها. وليس القصد هنا أن التوافق مرفوض-فالتوافق قد يكون ضروريا لتفادي التفرقة والصدام-لكن التوافق وحده لا يعالج الأعطاب حين تتغلب الحوافز على القواعد لسبب بسيط هو أن الميثاق يبقى طوعيا، والقانون الداخلي يبقى رهين ميزان القوة داخل الحزب، بينما تبقى كلفة الالتفاف ضعيفة. لذلك، نرى في التجربة كيف توقع المواثيق وتعلن النوايا، ثم يعاد إنتاج السلوكات نفسها عند التزكيات والتمويل وتدبير اللوائح والتحالفات، فيُفرغ الالتزام من مضمونه ويعود المرض إلى موضعه: حيث تُصنع القرارات لا حيث تُكتب الشعارات.
نعم من الإنصاف أن نعترف بأن السنتين 2025–2026 شهدتا تشديدا قانونيا وقضائيا في شروط الأهلية الانتخابية، مع منع الترشح في قضايا جرائم الأموال والفساد الإداري، وتوسيع فقدان الأهلية ليشمل المنتخبين الذين صدر في حقهم قرار العزل بأحكام قضائية. هذا تطور مهم لأنه يثبت أن القواعد حين تتحول إلى إنفاذ تنتج أثرا: أسماء تستبعد، ومسارات انتخابية تصحَّح، ولجان التزكيات نفسها تصبح أكثر حذرا لأن كلفة الطعون والعزل باتت واقعية.
لكن سؤالنا ليس: هل نستطيع إسقاط أسماء؟ بل: هل يكفي “غربال الأهلية” وحده لإخراج الوساطة من منطق الفرملة البنيوية؟ وإذا كان من الوارد أن ينجح الغربال في طرد بعض الوجوه، إلا أنه من المؤكد ألا يضمن وحده سقوط المنطق الذي أنتجها.
وهنا بالذات نفهم أن الإصلاح الجدي هو الذي ينقل منطق الإنفاذ من مدخل الترشيح فقط إلى صميم الوظائف: التأطير، إنتاج البرامج، القدرة على التنفيذ، والرقابة السياسية على القرار العمومي.
ولكي لا يبدو هذا حكما نظريا، تكفي إشارة واحدة مما تقوله مصادر مدنية ذات صدقية عن واقع الحياة الحزبية: رغم وجود الإطار القانوني، ورغم التشديد الذي تحدثنا عنه، يستمر في المشهد منطق تعطيل الديمقراطية الداخلية، وتأجيل المؤتمرات، والالتفاف على آجال الاستحقاقات التنظيمية، لأن الجزاء العملي لا يكون دائما رادعا؛ فيفضل بعض القادة تحمل تكلفة فقدان الدعم العمومي زمنا بدل إطلاق دينامية ديمقراطية داخلية تهدد مواقع النفوذ.
ونضيف إلى ما سبق زاوية كاشفة أخرى: فحتى حين يظهر في الممارسة أن الاختلال تنظيمي محض، تبدأ عمليات الالتفاف باستدعاء المبررات لتأويل القوانين الداخلية وفق مصالح القيادة المتنفذة، وإعادة إنتاج الأشخاص أنفسهم في مواقع المسؤولية لسنوات، بما يعيق تجديد الأجيال ويكرس السلوكيات نفسها داخل المشهد الوطني.
هنا بالذات تصبح “مواثيق الشرف” وصفة للالتفاف والمراوغة أكثر منها آلية لتغيير الواقع، لأن المشكلة ليست في النص بل في قابلية الإنفاذ وفي كلفة الالتفاف.
ومن هنا أيضا تبدأ فرامل الوساطة في الظهور والاشتغال على مستويات عدة، منها:
لكي لا يبقى ما سلف ذكره مجرد كلام يطلق على عواهنه، يكفي أن نقرأ ما تقوله المؤسسات الوطنية نفسها عن الشباب بوصفه معيارا لنجاعة الوساطة، فالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي-على سبيل المثال-يحذر من أن ضعف الإدماج يولد احتقانا لدى الشباب ويغذي عزوفهم عن الحياة الحزبية، وأنهم “يعتبرون أنفسهم أحيانا مجرد أدوات يتم استغلالها بمناسبة الاستحقاقات الانتخابية”، ويرى غير قليل منهم أنهم “غير ممثلين” ولا يُنصت إليهم.
وهذا المعنى الذي يتكرر في عدة مصادر أخرى موثوقة ليس مجرد تشخيص يرد في التقارير، بل ظهر بوضوح في مشاهد ميدانية متكررة، آخرها حين خرجت دينامية احتجاجية شبابية تحت اسم “GenZ 212” خارج الأطر التقليدية، واعتمدت منصات التواصل للتعبئة والتنظيم، ورفعت مطالب مرتبطة أساسا بالصحة والتعليم والعدالة الاجتماعية. ولنا أن نلاحظ أن مجمل التحليلات الرصينة لهذه الديناميات الاحتجاجية تفسرها، في المقام الأول، بتراجع الثقة في الأحزاب والنقابات والمؤسسات التمثيلية.
وطبيعي جدا أنه عندما تختفي الوسائط وتعجز في لحظة ضغط اجتماعي، فإن سؤال الجدوى الذي طرحه البيان لا يمكن اعتباره استفزازا مجانيا، بل يصبح سؤالا واقعيا: ماذا تفعل الأحزاب عندما لا تكون قادرة على الإمساك بحد أدنى من التواصل والتأطير؟ ومن يسد الفراغ حين تتحول السياسة إلى موسم وتترك الديناميات الاحتجاجية في مواجهة مباشرة مع الدولة؟
ليس المقصود جلد الذات برقم صادم، بل تسمية ما تقوله الاستطلاعات عن منسوب الثقة في المؤسسات السياسية. فوفق استطلاع للمركز المغربي للمواطنة، تسود أزمة ثقة حادة وشاملة تجاه مختلف المؤسسات والهيئات الوسيطة. بعد أربع سنوات من تنصيب الحكومة الحالية، لم تتجاوز نسبة الرضا الجيد عن أدائها 1.1% مقابل 87.3% عدم رضا تام. الصورة نفسها تقريبا لدى البرلمان: 89.5% يعتبرون أداءه دون التطلعات مقابل 1.1% رضا جيد. أما الأحزاب السياسية فهي في أدنى السلم: 91.5% عدم رضا (وأقل من 1% رضا جيد)، بينما لم تنجُ المعارضة (80.6% تقييم سلبي)، ولا النقابات (84.7% أداء ضعيف)، ولا الجماعات الترابية (78.2% دون المستوى).
وتضيف مصادر مدنية أخرى ذات صدقية معطيات أدق تظهر العمق الاجتماعي للأزمة من زاوية “سوق السياسة” نفسه: 77,7% يعتبرون أن المقابل المالي هو العامل الرئيسي الذي يدفع الناخبين للتصويت لمرشح ما، و89,7% يرون أن التفعيل الفعلي لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة هو المفتاح لاستعادة الثقة في الأحزاب السياسية.
وعلينا أن نلاحظ أن الأمر هنا لا يتعلق بمجرد أرقام “على الهامش”، بل بمفاتيح لقراءة ما يحدث: حين يترسخ في الوعي العام أن المال هو المحرك الأول للتصويت، تتحول العملية السياسية إلى منافسة غير عادلة في الوسائل لا في البرامج، وتتآكل شرعية التمثيل من داخلها؛ وحين يصبح مطلب المحاسبة بهذا الإجماع الضمني، فهذا يعني أن المجتمع لا يطلب مزيدا من الخطابة، بل يطلب “قواعد” تجعل الإخلال مكلفا.
إن هذه الأرقام لا تهاجم أحدا بعينه، لكنها تسمي المعضلة بدقة: الثقة لن تعود بخطاب أخلاقي عام ولا بمواثيق حسنة الصياغة، بل حين تصبح المحاسبة فعلا متوقعا لا حدثا استثنائيا، وحين يصبح المال الفاسد مكلفا لا مربحا، وحين يشعر المواطن بأن صوته يحدث الأثر الايجابي ولا يبدل الوجوه فقط. عندها تستعيد الوساطة رصيدها الاجتماعي وتستعيد السياسة معناها كقناة لتعميم الأثر، لا كموسم لإعادة تدوير المواقع وتوزيع الغنائم.
قد يعترض أحدهم قائلا: هذا حديث عن التنشئة والثقة، أما التدبير فمسؤولية الدولة التقنية. والجواب بسيط: حين تمسك الوسائط أدوات القرار العمومي، تصبح مسؤولة عن الأثر والانجاز، لا عن الخطاب والشعار فقط. ولهذا، ينبغي أن نثبت “فرامل التنفيذ” بأدلة لا تقبل التأويل، لأن القدرة على رصد الاعتمادات ليست هي القدرة على تحويلها إلى نتائج، وامتلاك البرامج ليس هو امتلاك نجاعة تنفيذها.
ولكي لا يبقى حديث “الفرملة” مجرد كلام يطلق على عواهنه، تكفي الإشارة، على سبيل المثال فقط، إلى معطى شديد الدلالة ورد في عرض المجلس الأعلى للحسابات حول تقريره السنوي الأخير: فمن بين 78 اتفاقية جرى توقيعها أمام جلالة الملك بين 2008 و2020، لم يتم استكمال التنفيذ إلا في 32 منها فقط-أي 41%-بما يعني أن أغلبية هذه الالتزامات لم تبلغ نهايتها التنفيذية في آجالها المتوقعة. ويزداد وقع الصدمة حين يشار في عبارة أكثر حدة الى أن 59% من هذه البرامج لم تر النور.
ولا يخفى أن ما نتحدث عنه هنا، مرة أخرى، ليس مجرد تفاصيل تقنية، بل معنى سياسي مباشر: حين يتم الاستهتار بالالتزامات الكبرى، يصبح العطب بنيويا ويظهر في الزمن وفي الكلفة وفي ثقة المواطن. والأشد خطورة أن التعثر لا يكون زمنيا فقط؛ فالتقارير الرقابية نفسها تشير إلى نسب مالية ضعيفة جدا في تنفيذ بعض البرامج الاستراتيجية، بما يعني أن التأخر لا يهدر الزمن الثمين فحسب، بل يجمد الموارد ويحول المشاريع إلى وعود معلقة.
ثم إن هذه الفكرة-فكرة الفرملة حين يتحول القرار إلى تدبير-لا تتوقف عند البرامج ذات الرمزية العالية، بل تظهر أيضا في الوثائق المالية الرسمية. فتقرير تنفيذ قانون المالية لسنة 2023 يسجل أن تنفيذ نفقات الاستثمار “يبقى أقل من المستوى المطلوب” في بعض القطاعات رغم الزيادة في الاعتمادات، ويعرض مستويات تنفيذ متوسطة لبرامج مرتبطة بالأولويات: 40,4% في “الأعمال ومناخ الاستثمار”، و47,3% في “الشباب والطفولة والمرأة”، و50% في “التعليم العالي”، و46,8% ضمن السلسلة نفسها.
هذه ليست تفاصيل محاسبية؛ إنها ترجمة دقيقة لمعنى الفرملة حين تتحول السياسة من وعد إلى تدبير.
ومن هنا ننتقل إلى لب سؤالنا: إذا كانت النجاعة تتعثر عند الامتحان، فأين تتولد الفرامل داخل الوساطة: هل في التشريع؟ أم في قواعد المنافسة؟ أم في الرقابة؟ أم في التدبير الترابي الذي يمسك التفاصيل اليومية للخدمة العمومية؟ أم في كل ذلك بالمعنى الأفقي؟
وإذا انتقلنا من مستوى البرامج إلى “المطبخ الترابي”-حيث تخضع الخدمة العمومية للامتحان اليومي-نرى كيف تتحول فرامل الوساطة إلى فرامل في إحداث الأثر. وعلى سبيل المثال فقط، فمن أصل 374 جماعة، 93 فقط وضعت هياكل جبائية و118 فقط أصدرت دلائل مساطر، مع غياب الفصل بين الوعاء والتحصيل في 196 جماعة، وغياب وحدات المراقبة الجبائية والمنازعات لدى 89% من الجماعات و75% من الجهات، وعدم التصريح ببنية مكلفة سوى لدى 42 جماعة.
وعلي أن أعيد التأكيد هنا، مرة أخرى، أن هذه الأرقام وغيرها لا ينبغي أن تُقرأ على هذا المستوى أيضا كتفاصيل تقنية؛ إنها تصف قدرة الوساطة الترابية على تمويل الخدمة العمومية ومراقبتها. وتقرير المجلس الأعلى للحسابات نفسه يضع الأمر في عبارة جامعة: الاستغلال الأمثل للإمكانيات الجبائية المتاحة رهين باستكمال إصلاحات الإطار القانوني وتسريع وتيرة تحديث طرق التدبير.
وكما هو حال السلسلة مترابطة الحلقات، نفهم لماذا تصبح “فرامل الرقابة” خطيرة في القمة: أعني على مستوى البرلمان بغرفتيه. صحيح أن الرقابة القضائية والإدارية أصبحت أكثر حضورا في العزل والتجريد، لكن الخلل الذي نعنيه هنا هو تعثر الرقابة البرلمانية والسياسية في الملفات الكبرى، والديمقراطية لا تقوم بالقضاء وحده بل بتوازن رقابات: تشريعية، ورقابية، ومجتمعية.
ولكي لا نحصي كل اختلالات الرقابة على هذا الصعيد، يكفي مثال واحد صار في نظر الرأي العام كاشفا لحدود الوساطة حين تمسك أدوات المساءلة: ملف ما عرف إعلاميا بـ“دعم الفراقشية”، حيث بلغت الكلفة/المبلغ الإجمالي لدعم الاستيراد الاستثنائي للأغنام الموجهة لعيد الأضحى برسم سنتي 2023 و2024 ما مجموعه 437 مليون درهم، وفق ما أعلنته وزارة الفلاحة نفسها من خلال بوابها الرسمية. فقد تابعنا جميعا ما آل اليه مطلب المعارضة بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق وكيف انتهت الجعجعة إلى بدائل أخف: لجنة استطلاعية بدل تفعيل الآلية الرقابية الثقيلة، ثم كيف تم إقبار الموضوع في استهتار فج بالمسؤولية وبالرأي العام.
وهنا تبرز الدلالة لا الحكاية: حين تعجز الأغلبية والمعارضة معا عن تشغيل أداة رقابية من هذا العيار في ملف رأي عام، تصبح الرقابة نفسها جزءا من الفرملة، ويصبح الإصلاح رهين “توافقات” تخفض سقف المحاسبة بدل أن ترفعه.
يكفي هذا المثال فقط لكي نستوعب معنى الدعوة إلى ما أسميناه “الجراحة السيادية” باعتبارها-في السياق الوطني الراهن-ضرورة تاريخية لأن عجز الوساطة صار يكلف البلاد زمنا وطنيا ثمينا ويهدد استدامة الإنجاز. لذلك، يلزم تدخل يرفع الإصلاح من مستوى المواثيق والدعوات الطوعية إلى قواعد ملزمة قابلة للإنفاذ وتترتب عنها مساءلة وعقاب عند الإخلال. وهذا التدخل لا يستهدف التعددية بل يحميها، عبر تحويلها من وجود شكلي إلى قدرة وظيفية وتشغيلية منتجة للأثر.
نعيد التشديد مرة أخرى على أن المقصود بها ليس استبدال التعددية أو الالتفاف على الانتخابات، ولا القفز فوق الدستور، ولا أي نقل للقرار خارج المؤسسات. المقصود حصرا هو مسار إصلاحي داخل سقف الدستور غايته واحدة: إنقاذ التعددية من العبث الذي لحق بها وإعادة تنظيم العلاقة بين الشرعية الإجرائية وشرعية الأثر، أي أن تصبح التعددية “قادرة” وظيفيا، وأن تصبح الشرعية الانتخابية طريقا إلى أثر ملموس على حياة المواطنين لا عنوانا شكليا.
ولكي لا يبقى هذا المعنى عرضة للتأويل، يكفي التذكير بأن الخطاب السيادي نفسه قد وضع “استرداد النجاعة داخل الشرعية“ في صلب الممارسة الدستورية، لا على هامشها. ففي خطاب العرش لسنة 2017 شدد جلالة الملك على “ضرورة التطبيق الصارم“ لمقتضيات الفصل الأول من الدستور المتعلقة بـ“ربط المسؤولية بالمحاسبة“، مؤكدا أن “الوقت قد حان للتفعيل الكامل لهذا المبدأ“، كما أوضح جلالته أن الأمر ليس مطلبا موجها إلى جهة واحدة، بل “مسؤولية جماعية تهم كل الفاعلين: حكومة وبرلمانا وأحزابا… كل في مجال اختصاصه“.
بهذا المعنى، لا تكون الدعوة إلى جراحة سيادية خروجا عن الدستور، بل انسجاما مع روحه التنفيذية: شرعية تُحترم في مساطرها، وتُستكمل حين تصبح المحاسبة فعلا، وحين تتحول النجاعة من شعار إلى التزام.
وحتى نعود الى السياق الذي نحن فيه، فإن الجراحة السيادية تعني-في ضوء ما سبق-رفع مستوى القواعد الملزمة التي تنظم العمل السياسي حين تتحول الاختلالات إلى فرامل بنيوية: قواعد تعالج ما أفرزته سوسيولوجيا الانتخابات من أمراض، قواعد تضبط شروط الترشح، وتضيق تضارب المصالح، وتحسن شفافية التمويل، وتقوي أدوات الرقابة والمساءلة، وتربط البرامج بمؤشرات أثر منشورة.
وغني عن التأكيد أن ما نحن بصدد توضيحه هنا لا يتعلق بمجرد “تقنية حزبية” معزولة، بل بجزء جوهري من استرداد النجاعة بوصفه حقا سياديا للمجتمع والدولة معا، حتى لا يبقى الإنجاز محصورا فيما تسميه الوثيقة المنشورة “مساحات الاستثناء“بينما تظل الكرامة اليومية رهينة الانتظار، وحتى لا يتحول تعطل الوسائط إلى ثقب أسود يمتص طاقة المنعطف ويبدد الزمن الوطني باعتباره موردا ثمينا.
واللافت أن كثيرا من الاعتراضات ترفض-في الظاهر-عنوان “ديمقراطية النتائج”، لكنها تعود لتستبطنه عمليا حين تدعو إلى قواعد صارمة وتجفيف منابع الريع وربط المال السياسي بالمحاسبة؛ أي إلى تحويل السياسة من طقس انتخابي إلى أثر قابل للقياس. الخلاف إذن ليس على المبدأ، بل على الجرأة في تحويله إلى قواعد واجبة التنفيذ.
بهذا المعنى، الجراحة ليست تدخلا في شؤون الأحزاب، بل إعادة وصل السياسة بالإقلاع الكبير: إنجاز بأثر، ونجاعة بمحاسبة، وثقة تستعيد جسورها بين الدولة والمجتمع.
غير أن الإشكال الذي يواجهنا-وهنا بيت القصيد-ليس فقط في تعريف القواعد أو تعداد الاختلالات، بل في ضيق الزمن المتاح لمعالجتها قبل الاستحقاق الانتخابي القريب. فنحن ذاهبون إلى الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها بتاريخ 23/09/2026 في سياق لا يوحي بأن الأحزاب ستملك، في بضعة أشهر، ما يكفي من الوقت لإصلاح أعطابها البنيوية من الداخل، على افتراض وجود الإرادة والتصميم. بل إن المؤشرات التي رصدناها والتي تفقأ العين ترجح أن تعيد العملية الانتخابية إنتاج المشهد في جوهره، حتى لو تبدلت المواقع والتحالفات: قد تتغير هندسة الأغلبية والمعارضة، لكن البنية التي تفرمل-بثقافتها، وبحوافزها، وبحدود قدرتها على التأطير والتنفيذ والرقابة والتدبير-ستظل، على الأرجح، هي هي، رغم التشديد القانوني والقضائي الذي عايناه مؤخرا في باب الأهلية الانتخابية.
ثم إن السؤال لا يتعلق فقط بما ينبغي أن يكون، بل بما يمكن إنجازه في الزمن المتاح: هل يكفي التعويل على دورة انتخابية أخرى كي تُصلح السياسة أعطابها، أم إن حماية الزمن الوطني تقتضي رفع كلفة الفرملة حتى يصبح الإصلاح ممكنا لا مجرد أمنية؟
ومن هنا يلتقط البيان جوهر المأزق حين يدعو إلى “إيقاظ روح الدستور“ لا إلى الاكتفاء بتكرار الطقس الانتخابي، لأن الزمن الوطني لا ينتظر أن تنضج الوساطة بالوتيرة التي يتطلبها الإقلاع الكبير. إننا أمام مفارقة مركبة يمكن تبويبها-كما تفرضها فلسفة المانيفستو-في طبقتين مترابطتين:
ونعني بذلك أن الزمن الدستوري، بما هو زمن الانتظام، أي زمن تنظيم الانتخابات في مواعيدها المعلومة، لا يضمن وحده القدرة على الإنجاز. أما الزمن الاستراتيجي-كما يفهمه المانيفستو-فهو زمن الفرص والرهانات الكبرى التي لا تنتظر اكتمال الدورات السياسية: إنه زمن ينتقل بنا الى منطق يكون فيه “الزمن الوطني” موردا سياديا ثمينا يفوق في أهميته مورد الفوسفاط أو الثروة السمكية، لأن الاستحقاقات الحاسمة المطروحة على أجندة الدولة كما رصدناها في الوثيقة المنشورة إذا تعثرت أو تأخرت-لا قدر الله-فإنها لا تفوت موعدا فقط، بل تفوت فرصة. ولا شك أن القارئ النبيه يلحظ الفرق بين الاثنين. لذلك، يصبح الخطر-في لحظة المنعطف-أن نحسن إدارة المواعيد ونسيء إدارة المصير، فكل تأخير يحول الفرصة إلى كلفة، وكل ارتباك يحول الاستحقاق إلى فرملة.
وعندما نستوعب ما يعنيه التمييز بين الزمنين الدستوري والاستراتيجي، عندئذ نفهم كيف أنه لا يمكن للبلد الذي يقف اليوم-في سياق جيو-سياسي إقليمي ودولي معقد-أمام رهانات وطنية كبرى تتطلب تماسكا مؤسساتيا وثقة مجتمعية وقدرة على الفعل، أن يظل رهينة دورة انتخابية من المتوقع أن تعيد إنتاج الوهن نفسه، لأن الثمن هنا لن يكون سياسيا فقط، بل ثمن وقت ونجاعة وثقة واستمرارية.
ونعني بذلك أن المطلوب في الأشهر القليلة التي تفصلنا عن الانتخابات، ليس إعادة بناء الأحزاب من الداخل، فهذه مهمة مستحيلة لأنها-بافتراض توفر الإرادة-تتطلب زمنا أطول بكثير؛ بل المطلوب-وهذا ممكن-هو تقليص كلفة الأعطاب على الدولة والمجتمع عبر التفعيل الصارم الذي لا هوادة فيه لأدوات النجاعة والتتبع والمساءلة داخل المؤسسات، حتى لا تتحول هشاشة الوسائط إلى “ثقب أسود“يمتص طاقة المنعطف ويبقي الإنجاز بلا أثر.
وإذا كانت بعض الردود العاقلة قد شددت على أن العلاج ينبغي أن يمر عبر “إعادة السياسة إلى معناها” وبناء التمثيلية من الداخل وفق الشفافية والمساءلة وتكافؤ الفرص، فإن ذلك يعيدنا-من داخل المنطق نفسه-إلى سؤال لا يمكن القفز عليه: هل تستطيع الأحزاب، في الأجل القصير الذي يفصلنا عن الاستحقاق، أن تصلح نفسها بنفسها وهي تجر وراءها إرثا ثقيلا من الأعطاب والحوافز الموروثة؟ أم إن الإصلاح الذاتي، كيلا يبقى وعظا حسن النية، يحتاج إلى بنية قواعد تجعل الاستقامة ممكنة والانحراف مكلفا، بحيث يصبح “ترميم الوظيفة“اليوم شرطا لحماية الزمن الوطني، ويظل “إصلاح التنظيم“ورشا ضروريا ينجز في فضائه الطبيعي ومن خلال نقاش عمومي مؤطر وفي إطار زمن أطول وانخراط أوسع؟
بهذا المعنى، تصبح الإشكالات التي تواجهنا واضحة من منظور الرهانات المعبر عنها: كيف نوفق بين احترام انتظام الزمن الانتخابي وبين منع تحوله إلى إعادة إنتاج أو تدوير للأعطاب؟ كيف نضمن، في الأجل القريب، ألا تفرمل الوساطة إيقاع الدولة في لحظة المنعطف؟ وكيف نطلق نقاشا عموميا مسؤولا حول إصلاح الأحزاب وقواعد المنافسة-بوصفه ورشا ضروريا-من دون أن نجعله شرطا مستحيلا لإنقاذ الزمن الوطني الآن؟
هنا يتضح أن ‘الجراحة السيادية’ بالمعنى الذي يقصده “المانيفستو” تتجاوز الإصلاحات القانونية والإجرائية للمؤسسة الحزبية وحدها، إلى تدبير دستوري للزمن الوطني يحمي النجاعة ويؤمن الاستمرارية ويستعيد الثقة، ويترك-في الوقت نفسه-الإصلاح العميق للوساطة لفضائه الطبيعي: النقاش العمومي المؤطر الذي دعا إليه “المانيفستو”.
الخلاصة التي تفرض نفسها من مجمل هذا الغيض القليل من فيض كبير من الحجج والبراهين هي أن العجز والفرملة التي تمارسها الوساطة الحزبية بصيغتها الراهنة-في التأطير، وفي التشريع، وفي التدبير، وفي الرقابة وغيرها-ليست حوادث معزولة ولا أخطاء ظرفية، بل نمط تدبيري وبراديغم سياسي تكرر بما يكفي ليصبح كلفة تاريخية: ضيع على البلد فرصا ثمينة، وأهدر زمنا وطنيا كان يمكن أن يتحول إلى أثر وتنمية وثقة. والأخطر أن استمرار هذا النمط/البراديغم على المنوال نفسه لن ينتج سوى النتيجة نفسها: مزيدا من هدر الزمن الثمين، في لحظة نحن أحوج ما نكون فيها إلى استثماره لأن شروط الإقلاع الكبير لا تنتظر من يتردد ولا من يفرمل.
ومن هنا يتحدد المفترق بوضوح: فإذا لم تصبح التعددية قادرة، ستظل دولة المهمة تجري وحدها، وسيظل المجتمع يركض خلفها أو خارجها، وتبقى البلاد عالقة في مفارقة قاسية: إنجاز يتقدم، وثقة تتآكل، ووقت وطني يُهدر في الفجوة بين ما يُعلن وما يعاش. أما إذا استعيدت النجاعة داخل الشرعية، وصار للأثر معيار وللمحاسبة كلفة، فإن “مغرب السرعة الواحدة” يصبح اسما لمسار واقعي نحو الإقلاع الكبير، لا مجرد استعارة.
المصدر:
هسبريس