كشفت منصة الطاقة المتخصصة في تقرير حديث لها أن التطورات الجيوسياسية والحرب الدائرة في إيران تفرض واقعا جديدا على صادرات الأسمدة، مبرزة أن هذه الأزمة تمثل فرصة إستراتيجية أمام المغرب لتعزيز ريادته بوصفه أحد أكبر مصدري الأسمدة في العالم، مستفيدا من موقعه الجغرافي المطل على البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، والبعيد كليا عن مضيق هرمز وتداعيات الصراع التي تهدد بزيادة تكاليف المحاصيل وتفاقم الضغوط التضخمية على أسعار الغذاء عالميا.
وأوضحت قاعدة بيانات المنصة ذاتها أن نحو ثلث التجارة العالمية من المغذيات الزراعية يمر عبر مضيق هرمز، في حين تأتي حوالي 45 بالمائة من صادرات اليوريا عالميا من منشآت الخليج العربي، وتمثل الدوحة وحدها مصدرا لنحو 11 بالمائة منها، مما يضاعف حساسية السوق لأي تعطل، ويعزز في المقابل مكانة المملكة المغربية لتعويض الفجوة وتوسيع صادراتها، خاصة وأنها تمتلك نحو 70 بالمائة من الاحتياطيات العالمية المؤكدة من الفوسفات، مما يمنحها أفضلية طويلة الأمد لتلبية الطلب المتنامي في أوروبا وأمريكا اللاتينية.
وأكدت المعطيات المنشورة أن مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط تقود جهود التوسع بطاقة إنتاجية تتجاوز 12 مليون طن سنويا، حيث سجلت صادرات المغرب قفزة ملحوظة خلال سنة 2025 مدعومة بارتفاع إنتاج الفوسفات الخام بنسبة 7.5 بالمائة ونمو مشتقاته بنسبة 5.2 بالمائة، لتتجاوز العائدات 99.8 مليار درهم، أي ما يعادل 10 مليارات و70 مليون دولار، مسجلة زيادة قدرها 14.6 بالمائة مقارنة بسنة 2024، في حين حققت المجموعة أداء ماليا قويا بارتفاع رقم المعاملات بنسبة 17 بالمائة ليبلغ حوالي 114 مليار درهم.
وأشارت مجلة فوربس الشرق الأوسط إلى أن المغرب تمكن من رفع حصته من صادرات الأسمدة نحو الاتحاد الأوروبي إلى 19 بالمائة خلال سنة 2025، متجاوزا بذلك روسيا التي تراجعت حصتها إلى 12.8 بالمائة، وهو ما يعكس مرونة القطاع الذي سبق أن سجل عائدات تجاوزت 10 مليارات دولار في سنة 2023 رغم تقلب الأسعار، مستفيدا من اعتماده على الفوسفات المحلي الذي يقلل من حساسية التكاليف مقارنة بالمنتجين المعتمدين على الغاز الطبيعي كمادة أولية، خاصة مع اضطراب إمدادات الغاز في الشرق الأوسط الذي يؤثر على إنتاج الأمونيا واليوريا.
وأضافت شركة ستون إكس غروب أن ثلاثة من أكبر عشرة مصدري أمونيا وواحدا من بين أكبر خمسة موردي فوسفات يعتمدون على مضيق هرمز، حيث اعتبر المحلل لدى مؤسسة سكوتيابنك بن إيزاكسون أنه حتى مع استمرار تدفق الإمدادات عبر المضيق، فإن تكلفة التأمين على الشحن قد تصبح غير مجدية اقتصاديا، لافتا إلى أن إيران تستحوذ على ما بين 10 و12 بالمائة من تجارة اليوريا، وأن إعلان إسرائيل حالة الطوارئ وتعطيل إمدادات الغاز إلى مصر قد يؤثر في إنتاج الأسمدة، مما يزيد من جاذبية الإمدادات المغربية البعيدة عن الممرات عالية المخاطر.
وتابعت التقارير ذاتها مبرزة أن الرباط تسعى لبناء إمبراطورية في إنتاج الأسمدة الخضراء لتتصدر القائمة العالمية إلى جانب الهند، مع وجود فرص محتملة لكل من جنوب إفريقيا وكينيا، حيث ضخ المكتب الشريف للفوسفات استثمارات بقيمة 13 مليار دولار لتحقيق الحياد الكربوني بحلول سنة 2040، عبر مشاريع تشمل تحلية المياه بالطاقة المتجددة وإنتاج الهيدروجين والأمونيا الخضراء في العيون وكلميم، وتطوير مشروع بطرفاية بقدرة 3.8 غيغاواط سيبدأ إنتاجه بـ 200 ألف طن خلال العام الجاري 2026، ليرتفع إلى مليون طن في العام المقبل، ويصل إلى 3 ملايين طن بحلول سنة 2032.
وخلصت المصادر الاقتصادية إلى أن المغرب الذي يصنف رابع أكبر مصدري الأسمدة في العالم بعد روسيا والصين وكندا، يستفيد بشكل كبير من تمركز موانئ التصدير على الواجهتين البحرية والمحيطية، وهو ما يختصر زمن الشحن نحو أوروبا وأمريكا، ويمنح البلاد أفضلية تنافسية من حيث التكلفة والزمن لتلبية احتياجات موسم الزراعة الجاري في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، فضلا عن إمكانية إعادة تسعير العقود التصديرية بشروط أفضل في ظل شح الإمدادات العالمية.
المصدر:
العمق