تواجه عدد من الواحات المتواجدة بإقليم طاطا تحديات بيئية وتنموية متزايدة في ظل توالي سنوات الجفاف وتأثيرات التغيرات المناخية، ما يطرح بإلحاح سؤال استدامة هذه المجالات الحيوية.
وتضم هذه الواحات كلا من واحات تتزيضة وتيغرت بجماعة فم الحصن، وواحات أمرزاكن وتكيسلت وتازولت وتيكان بجماعة أديس، إضافة إلى واحات أم الكردان وقصبة نجوع بجماعة أقايغان، وواحات تيسينت وفم زكيد وأقا وجماعتي تزونين وآيت وابلي.
وفي هذا السياق، قال مبارك أوتشرفت، رئيس منتدى إفوس للديموقراطية وحقوق الإنسان، إن الواحات بالمنطقة “أصبحت أوساطا هشة بفعل استمرار سنوات الجفاف وتداعيات التغيرات المناخية، إلى جانب تزايد الهجرة نحو المدن”، معتبرا أن “هذه العوامل مجتمعة تساهم في تعقيد وضعية التنمية المحلية”.
وأوضح أوتشرفت، في تصريح لجريدة “العمق”، أن “ساكنة مناطق الواحات تعاني من ضعف صبيب المياه وإشكالية تدبير الندرة المائية، خاصة بعد نضوب عدد من السواقي والآبار في بعض الواحات، وهو ما يزداد تعقيدا خلال فصل الصيف بسبب الارتفاع الكبير في درجات الحرارة”.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن “هذه الظروف تدفع في كثير من الأحيان إلى هجر عدد من الواحات، ما يجعلها عرضة لظاهرة الحرائق التي تتكرر سنويا وتخلف خسائر كبيرة في المحاصيل الزراعية، خصوصا التمور التي تشكل موردا اقتصاديا أساسيا لساكنة المنطقة”.
وبخصوص مقاربة الترافع عن قضايا الواحات، أكد رئيس منتدى إفوس أن “استراتيجية المنتدى تقوم على التحسيس والتوعية ورفع قدرات الساكنة المحلية، إلى جانب إشراكها مع السلطات في إيجاد حلول آنية وواقعية ومبتكرة للإشكالات المطروحة، مع نقل مطالب الساكنة واقتراحاتهم إلى المسؤولين”.
من جهة ثانية، شدّد الفاعل الحقوقي على “ضرورة الإسراع في تفعيل اتفاقية الحد من حرائق الواحات”، معتبرا أن “نجاحها يقتضي مواكبة فعلية وإشراكا حقيقيا للساكنة المحلية في مختلف مراحل تنزيلها، في إطار مقاربة تشاركية تقوم على المساءلة المجتمعية حول نجاعة التدخلات العمومية”.
وسجل أوتشرافت ضمن التصريح ذاته، أن “إيقاع التنمية الترابية بمناطق الواحات بإقليم طاطا ما يزال ضعيفا”، لافتا إلى أن “هذه المناطق الحدودية في حاجة ماسة إلى استثمارات عمومية قادرة على توفير شروط العيش الكريم وتعزيز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي”.
من جهة ٱخرى، لفت المصدر ذاته، إلى “محدودية النماذج التنموية المعتمدة، في ظل استمرار إلحاق إقليم طاطا بجهة سوس ماسة دون بلورة منظور اقتصادي واضح لتنمية الجنوب والجنوب الشرقي”، مبرزا أن “استمرار السياسات نفسها ساهم في تكريس الفوارق المجالية، خاصة في القطاعات الاجتماعية كالصحة والتعليم”.
وفي المقابل، جدّد المتحدث نفسه تأكيده على أن “إقليم طاطا يتوفر على مؤهلات طبيعية وبشرية مهمة، غير أن التحدي الأكبر يكمن في الرغبة في التغيير مع الاستمرار في اعتماد الأدوات والمقاربات التقليدية نفسها، ما يجعل تحقيق التحول التنموي المنشود أمرا صعبا”.
إلى ذلك، دعا رئيس منتدى إفوس إلى “إيلاء عناية خاصة لهذه المناطق التي تشكل فضاءات استراتيجية للدولة، من خلال برامج تنموية مندمجة تضمن الاستقرار والتنمية المستدامة بدل المبادرات المتفرقة التي تفتقر إلى الالتقائية والفعالية”.
وختم أوتشرفت تصريحه، بالقول، إن “الأمل يظل معقودا على تحفيز الشباب بالمنطقة وتوفير فرص التكوين والشغل للنساء والرجال، عبر إحداث مراكز وبنيات اقتصادية قائمة على الاقتصاد الواحاتي والابتكار، إلى جانب دعم جهود المجتمع المدني والتعاونيات”.
من جهتها، دقّت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان ومكافحة الفساد بالمغرب ناقوس الخطر بشأن “الوضع الكارثي” الذي آلت إليه واحة “القصبة” بجماعة تسينت الواقعة تحت نفوذ إقليم طاطا، منددة بما أسمته بـ“الإهمال الممنهج” الذي يطال هذا الموروث البيئي والتاريخي للمنطقة.
وعبّرت المنظمة، في بيان توصلت جريدة “العمق المغربي” بنسخة منه، عن قلقها العميق واستنكارها الشديد لتدهور الحالة العامة للواحة عقب الفيضانات المدمرة التي شهدتها المنطقة منذ ما يناهز سنتين، مبرزة أن “ هذه الكارثة الطبيعية خلفت أضرارا جسيمة مست البنية البيئية والاجتماعية والاقتصادية للواحة”.
وسجلت الهيئة الحقوقية، بأسف بالغ، استمرار “مظاهر التماطل والتجاهل من قبل الجهات المعنية”، مشددة على أن “غياب أي تدخل عملي وملموس لإنقاذ ما تبقى من هذه المعلمة التاريخية يعكس إخلالا واضحا بالمسؤولية واستخفافا غير مقبول بحقوق الساكنة، وعلى رأسها الحق في العيش الكريم في بيئة سليمة كما تنص عليه المواثيق الوطنية والدولية”.
من جهة أخرى، كشفت المنظمة أنها “بادرت في وقت سابق إلى توجيه مراسلات وتنبيهات رسمية إلى الجهات المختصة من أجل لفت الانتباه إلى خطورة الوضع وضرورة التعجيل باتخاذ التدابير اللازمة، غير أن الصمت ظل سيد الموقف، مما فاقم من حجم الخسائر وعمق معاناة الساكنة التي لا تزال تكابد آثار الكارثة في ظل غياب حلول ناجعة”.
وأمام هذا الوضع المتردي، أعلن التنظيم عينه عن إدانته الشديدة للإهمال الممنهج الذي طال واحة القصبة وما رافق ذلك من تنصل من الواجبات الدستورية والقانونية، محملا المسؤولية الكاملة للجهات الوصية عن تفاقم الأضرار وضياع هذا الموروث الذي يشكل جزءا من الذاكرة الجماعية والتراث الوطني.
إلى ذلك، طالبت الهيئة الحقوقية ذاتها، بـ“فتح تحقيق جدي وشفاف لتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات القانونية في حق كل من ثبت تقصيره أو تماطله، مع الدعوة إلى إطلاق برنامج مستدام وشامل يهدف إلى إنقاذ الواحة، وإعادة تأهيلها، وجبر ضرر الساكنة المتضررة”.
وخلصت المنظمة في بيانها، إلى التأكيد على التزامها الثابت بالدفاع عن حقوق ساكنة واحة القصبة في التنمية والكرامة، ملوحة باللجوء إلى كافة الأشكال النضالية المشروعة وتنسيق الجهود مع الهيئات الوطنية والدولية لفضح مظاهر التقصير وحماية الواحة باعتبارها تراثا وطنيا لا يحتمل مزيدا من التسويف.
المصدر:
العمق