هبة بريس – شفيق عنوري
في بداية ثمانينيات القرن الماضي، وقعت إحدى أغرب الحوادث في تاريخ الجزائر، والتي ظلت تُسيل الكثير من المداد بسبب ملابساتها وطريقة التعامل معها من قبل رئاسة الجمهورية، ويتعلق الأمر بسقوط طائرة “المستير” التي كانت تقل وزير الخارجية محمد صديق بن يحيى في العاصمة المالية باماكو.
سقوط طائرة بن يحيى
لم ينتظر مسؤولو الجزائر كثيرا لإعلان الحداد الرسمي، حتى قبل التأكد من موت وزير الخارجية، وهو ما برّره محيي الدين عميمور، الذي كان وقتها من كبار معاوني الرئيس الشاذلي بن جديد، بأنه ناتج عن “شح المعلومات” التي كانت تصل من مركز الرقابة الجوي في السنغال.
وقال عميمور في كتابه “أيام مع الرئيس هواري بومدين”، إن محمد صديق بن يحيى، وزير خارجية الجزائر، كان قد تعرض لحادثة سقوط أثناء توجهه إلى فريتاون عاصمة سييراليون، لحضور أشغال لجنة الحكماء الأفارقة لحل قضية الصحراء المغربية، التي انعقدت لاحقا في نيروبي دون بن يحيى.
التسرع في إعلان الحداد
وذكر عميمور في مذكراته، أن طائرة “المستير 20” التي كانت تقل بن يحيى، سقطت في العاصمة المالية باماكو، أثناء استعدادها للهبوط للتزود بالوقود، فيما كان مستشارو الرئيس ومعاونوه في القصر الرئاسي يتابعون المعلومات التي كانت تصل من مركز الرقابة الجوي بالسنغال، والتي قال إنها “شحيحة”.
وحسب المسؤول الجزائري الأسبق، فقد “حدث تسرع في أحد المستويات التنفيذية (دون أن يسمي أي مستوى من المستويات التنفيذية والذي على الأرجح سيكون مرتبطا بالرئيس أو الجيش بالنظر لطبيعة الدولة) أدى إلى إعلان حالة الحداد الرسمي”.
حادث أم محاولة اغتيال فاشلة؟
وذكر عميمور أن التراجع عن الحداد، بعد تبين أن بن يحيى نجا من حادثة السقوط، كان “أسوأ من فرضه”، لكن، يبرر “طبيعة كل جهد بشري، في ظروف كهذه، حتى وإن كان البعض لم يخيب ظني فقط أنحى باللائحة على الرئاسة، وهي أسلوب كان يلجأ له البعض، عند ارتكابهم خطأ ما، لتفادي اللوم والعتاب”.
ورغم أن عميمور لم يشر إلى أن حادثة باماكو كانت “محاولة اغتيال”، لكنه لمّح إلى ذلك، حين استعمل في سياق سرده لما كان بن يحيى متجهاً إليه وهو اجتماعات لجنة الحكماء الأفارقة لحل قضية الصحراء المغربية، (استعمل) جملة: “يشاء القدر (ولا أجد تعبيرا آخر) أن يتم لقاء اللجنة بنيروبي دون بن يحيى”.
طائرة عميمور تسقط من جديد!
والغريب في الموضوع، أن الحادث الذي كان على الأرجح يراد اتهام المغرب أو فرنسا بالوقوف وراءه خدمة لمصالح الرباط في نزاع الصحراء، تكرّر بعد سنة فقط، بل مباشرة بعد استكمال بن يحيى للعلاج الطبي وعودته لاستئناف نشاطاته على رأس وزارة الخارجية الجزائرية.
وأورد عميمور أن بن يحيى، عاد، بعدما خضع لعلاج طبي مكثف، لمزاولة نشاطاته كوزير للخارجية، وتوجه في هذا الإطار إلى كل من العراق وإيران، على رأس وفد من خيرة إطارات الوزارة، لإيقاف نزيف الحرب العراقية – الإيرانية، لتسقط طائرته، وهذه المرة لقي حتفه برفقة جميع من كان معه.
لا حداد إلا بعد رؤية الجثامين!
وحسب عميمور، فقد كان بن يحيى على متن طائرة رئاسية جديدة من نوع “غرومان 2” أمريكية الصنع، حلت محل “المستير” فرنسية الصنع، التي كانت قد سقطت في مالي، واختير كرقم دولي للطائرة الجديدة الحرفان الأولان لاسم الرئيس الراحل هواري بومدين H.B.
ووفق ما أورده عميمور، فإن الرئاسة الجزائرية لم تعلن الحداد هذه المرة، إلا بعد القيام بمجموعة من الإجراءات بما فيها إرسال وفد للتأكد من الوفاة عبر معاينة الجثامين والشروع في إحضارها، ثم إبلاغ العائلات، وأخيراً فرض الحداد الرسمي.
قادة الجزائر يُخفون سبب سقوط الطائرة!
لم تُعلن الجزائر عن سبب سقوط الطائرة التي كانت تُقل وزير خارجيتها، لكن السياسي والوزير الأسبق أحمد الطالب الإبراهيمي، الذي خلف لاحقا بن يحيى في وزارة الخارجية، صرّح خلال حلوله ضيفاً على برنامج “شاهد على العصر” قبل أكثر من عقد من الزمن، أن الجيش العراقي كان وراء الحادث.
وحسب رواية الإبراهيمي، فقد تم إرسال لجنة جزائرية إلى موقع سقوط الطائرة، وجرى فتح تحقيق تبين على إثره أنها أسقطت بصاروخ روسي الصّنع بِيع إلى الجيش العراقي، وهو ما لم تعلنه الرئاسة بقيادة الشاذلي بن جديد، وهو ما فتح باب الشكوك حول الملف.
المصدر:
هبة بريس