آخر الأخبار

السدل والقبض عند إقامة الصلاة.. اختلاف فقهي يتجدد في السياق المغربي

شارك

قال باحثون في الشأن الديني إن “نقاش السدل والقبض الذي تجدد مرة أخرى في المغرب يعكس حيوية الحقل الفقهي وتفاعل المجتمع مع قضايا العبادة وهيئاتها، في ظل حرص المؤسسات الدينية على تأطير الممارسة وفق المرجعية المعتمدة بالمملكة”، مشددين على أن “الجدل الدائر لا يمس صحة الصلاة بقدر ما يرتبط باختلاف في الهيئات والاختيارات الفقهية”.

ودعا الباحثون إلى “تدبير هذا التباين بروح علمية رصينة تحفظ وحدة المصلين وتجنب تحويل المساجد إلى فضاءات للخلاف أو التنازع”، مبرزين أن “إلزام الإمام بهيئة معينة في الصلاة لا يعني بالضرورة إلزام عموم المصلين، باعتباره يمثل جهة رسمية تسهر على التقيد بالاختيار الفقهي للمملكة القائم على المذهب المالكي، في حين تظل المسألة في حق الأفراد ضمن دائرة السعة الفقهية المعتبرة ما دامت لا تمس أركان الصلاة وشروطها”.

وجاء في مراسلة موجهة من رئيس المجلس العلمي الجهوي لجهة الدار البيضاء-سطات إلى رؤساء المجالس العلمية المحلية، أنه “توصل بقائمة من المخالفات تتعلق بأداء الشعائر الدينية بمساجد المملكة المغربية، رصدتها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وكل هذه المخالفات تمس ‘ما جرى به العمل’ في مساجد المملكة منذ قرون، وتخالف مخالفة صريحة مضامين دليل الإمام والخطيب والواعظ”.

اختلاف الهيئة

قال خالد التوزاني، رئيس المركز المغربي للاستثمار الثقافي، إن “المسألة لا تتعلق بتخطئة سُنّة نبوية أو إثبات أخرى؛ فالقبض والسدل كلاهما واردان في الأثر، وكلاهما من هيئات الصلاة التي لا تبطلها”، مضيفا أن “الفقه الإسلامي رحبٌ يتسع للجميع، والمغاربة حين يعانقون مذهب إمام دار الهجرة، مالك بن أنس، فإنهم يعانقون مذهبا ينظر إلى الصلاة ككتلة من الخشوع. والقبض والسدل كلاهما غُرفا من بحر السنة النبوية؛ فالقبض ثابتٌ بآثار صحيحة، والسدل ثابتٌ بعمل أهل المدينة كما نص على ذلك بعض علماء المذهب المالكي”.

وأشار التوزاني، في تصريح لهسبريس، إلى أن “القبض والسدل قضية جزئية في أداء الصلاة، والمفاضلة بينهما هي مفاضلة في الهيئة لا في الأصل”، مبرزا أن “التزام الأئمة في مساجد المملكة بالسدل ليس إقصاء للقبض، بل هو اختيار لهيئة معينة بناء على ما رآه بعض العلماء”، مضيفا أن “معركتنا الحقيقية ليست في وضع اليدين، بل في إقامة جوهر الصلاة؛ وهو الخشوع وتعديل السلوك، مصداقا لقوله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ}”.

واعتبر المتحدث أن “الصلاة، بغض النظر عن القبض أو السدل، ينبغي أن تعزز الائتلاف لا أن تتحول إلى حلبات للصراع والاختلاف”، موردا أن “المجلس العلمي، بملاحظاته وتوجيهاته، إنما ينطلق من مسؤولياته في الحرص على وحدة المغاربة، تلك الوحدة التي جعلت من المغرب نموذجا في الاستقرار”، موردا أن “هذه المؤسسة كان ينبغي لها أن تنظّم ندوات علمية في هذه القضية، لتوضيح حقيقة القبض أو السدل وترجيح كفة اختيار على آخر”.

وبيّن التوزاني أن جزءا كبيرا من المغاربة اعتادوا في الصلاة على القبض، نظرا لكون الكتب الدينية في بداية الاستقلال وما بعدها كانت تأتي من المشرق وفيها ذكر القبض في هيئة الصلاة، وخاصة أيضا أن المقررات المدرسية في دروس العبادات لم تكن تتطرق لهذه الهيئة في الصلاة بما يلزم من الدرس والفهم”، خالصا إلى أن “هذا الموضوع يقتضي أن يُمهد له بندوات ومؤلفات ومقالات وبرامج دينية قبل نشر المخالفات وقبل إلزام الناس بهيئة معينة”.

محط نقاش

أفاد يوسف محمد بناصر، باحث مغربي في حوار الأديان وقضايا التجديد في الفكر الإسلامي، بأن قضية السدل والقبض ظلت محل نقاش بين الفقهاء منذ تدوين “الموطأ” وشروحه، موضحا أن “المغاربة وشمال إفريقيا والأندلس درجوا تاريخيا على العمل بالمشهور في المذهب المالكي، وهو السدل، رغم أن الإمام مالك روى حديثا في القبض، غير أنه لم يعتبره من سنن الصلاة المؤكدة، كما أن المذهب المالكي لا يعتمد الروايات فحسب، بل يستند أيضا إلى عمل أهل المدينة”.

وأضاف بناصر أن “هذا النقاش كان متجاوزا في المغرب منذ دخول المذهب المالكي إلى شمال إفريقيا، لكنه عاد إلى الواجهة مع انتشار بعض القنوات الفضائية وتأثير مذاهب فقهية أخرى تعتمد القبض بدل السدل، ما أعاد طرح المسألة في الفضاء الديني العام”، مشددا على أن “الصلاة صحيحة في المذهب المالكي سواء أكانت بالقبض أم بالسدل؛ لأنهما ليسا من شروط صحتها؛ فالقبض لا يُبطل الصلاة عند المالكية، وإن كان مكروها في الفريضة ومسنونا في النافلة، بخلاف بعض المذاهب الأخرى كالمذهب الجعفري الذي يرى أن القبض مبطل للصلاة”.

وأشار المصرّح لهسبريس إلى أن “حرص وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية على التذكير بهذه المسائل يأتي في إطار توحيد صلاة المغاربة وتفادي الشذوذ الفقهي أو الاختلاف في صفة الصلاة المعتمدة رسميا”، مؤكدا أن “من واجب الأئمة الالتزام بمشهور المذهب المالكي، باعتباره المذهب المعتمد عمليا في المغرب، تجنبا لحدوث اضطراب أو تتبع لآراء مذاهب أخرى على غرار الحنفية أو الشافعية أو الحنابلة”.

ولفت الباحث عينه إلى أن “المسألة فيها سعة، والخلاف فيها معتبر ومشروع داخل المذهب المالكي نفسه، حيث وردت روايتا القبض والسدل، وإن كان المشهور في العمل والممارسة عند المالكية هو السدل”، مع التشديد على أن “عامة الناس أحرار في صلاتهم ما داموا لا يمثلون جهة رسمية، بخلاف الأئمة الملزمين بالمذكرات والآراء الفقهية الصادرة عن المجلس العلمي الأعلى أو عن الوزارة، بل وحتى عن الرابطة المحمدية للعلماء، وذلك حرصا على توحيد الرؤية ومنعا للاختلاف”.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا