هبة بريس – شفيق عنوري
خلف ملامح الضباط العابسة، والملابس العسكرية الشاحبة، تختبئ حملان لا تقوى على القتال قبل زيارة عرّاف لاستشراف المستقبل، والاطلاع على ما يخبّئه، لاستبشار خيره واتّقاء شرّه. هذا ما قامت به الفرقة الجزائرية التي كانت ستتجه إلى مصر للمشاركة في حرب الاستنزاف ضد إسرائيل.
العرّاف ومحاربة إسرائيل
وروى الجنرال نزار، الذي يعتبر من أكثر الشخصيات تأثيرا في تاريخ الجزائر، في مذكراته التي نشرها على شكل مقالات سنة 2009، أن القائد بوستة، الذي كان يشرف على وحدة مدفعية، بدأ يتصرف بغرابة بعد اقتراب موعد السفر نحو الشرق الأوسط في أكتوبر من سنة 1968.
وقال نزار إن بوستة اعترف له “أنه وبعضَ ضباط اللواء ذهبوا لمقابلة عرّاف مشهور في منطقة عين الصفراء، وأنه أخبره بأسراره الخاصة المتعلقة بعائلته، وهي أسرار لم يكن يعرفها سواه. وهذا ما أربكه”، مضيفاً أنه حاول التعامل بدعابة مع الموضوع، ودعوته لعد التعاطي مع هذه “الخرافات”.
ضباط في الجيش يلجأون للعرّاف
رغم محاولات نزار التخفيف من صدمة بوستة بشأن قدرات “العرّاف”، لم يستطع، بل إن الجنرال قال إن مساعي إقناعه كانت “غير ممكنة”، قبل أن يتابع أن القائد زاره بعد أيام في بيته بالثكنة العسكرية مشوشاً ومتفاجئا، حيث اعترف بأنه عاد لتوه من عند العرّاف المتواجد بمنطقة عين الصفراء.
وذكر بوستة، حسب مذكرات نزار، أنه زار بصحبة رفاقه من الضباط، العرّاف، الذي خاطبهم بـ”قائدكم لا يسلم بقدراتي.. أحضروه فقد دخل لتوه إلى الثكنة”، ليرد عليه مازحاً بأن “أحد رفاقه أخبر العراف مسبقا”، لكن بوستة “كان أسير معتقداته الخائطة”.
الجنرال نزار في بيت عرّاف عين الصفراء
وحسب نزار، فقد دافع بوستة عن العراف و”أقسم بجميع الأولياء على أنه لم يكن أحد على علم بأنني ذهبت إلى الصيد، رغم أن الجميع كانوا يرونني نهاية الأسبوع وأيام العطل سائحا في المنطقة، لاسيما “طكوت” المعروفة بمناظرها الخلابة”.
ورغم زعمه أنه كان غير مقتنع وغير مصدق، قرر نزار، مرافقة القائد إلى العراف بـ”دافع الفضول”، مورداً: “دهشت من المكان الذي يتواجد به. كانت هناك قاعة استقبال وفي مدخلها أناس مكلفون باستقبال الزوّار، وتم إدخالنا بعد ذلك إلى قاعة كبيرة كانت بمثابة صالة الجلوس”.
لقاء العرّاف.. الضباط يحجّون لاستشراف المستقبل
وأورد نزار في مذكراته أنه دخل إلى “عرّاف عين الصفراء”، الذي تعرف عليه بلا عناء بسبب ما قال إنه “مظهره المميز” وسط المتواجدين في القاعة، متابعا أنه لمح هناك “بعض الضباط وقد أسندوا ظهورهم إلى ظهر الحائط وجلسوا على كراسيّ صغيرة أو فوق الحصير”.
واسترسل نزار أن العراف الذي بدا “بشوشا وحفيا بلطافة كبيرة” استقبله، غير أن الجنرال لم يقدر على إطلاعه على “رأيه في تنبؤاته التي يطالبه بعض الضباط بإعادتها، وأنني لا أؤمن بها أصلا”، متابعاً: “أجلسني عن يمينه وطلب من ابنه إحضار الشاي، قبل أن يقدم له ابنه (…) الآخر رزمة تشبه البريد”.
ويقول نزار إن العراف رحّب به، ورفض الانصياع للضباط الذين طالبوه بإعادة ذكر تنبؤاته، رغم إلحاهم، حيث كان يكرر “لست كاهنا”. وأورد الجنرال أن العراف كان “مثقفا باللغة العربية وذكيا، وهو ما دفعه إلى تجنب مصادمة معتقداتي بدهاء، وكان يكتفي بترديد عبارة “تروحوا بالسلامة وترجعوا بالسلامة””.
العرّاف ورهان سباق الأحصنة
وبدأ العرّاف، وفق ما ورد في مذكرات الجنرال نزار، يراجع “بريده وكلما صادفته رسالة بالفرنسية ناولني إياها. ووقعت في يدي رسالة من فرنسا، فحتى المغتربون كانوا يستنجدون بهذا العرّاف”.
وأضاف نزار: “عندما قرأت الأسطر الأولى من الرسالة، شرعت في الضحك، فخطف صديقي العرّاف الرسالة من بين يديّ وصرخ: “هذا الرجل لا يعي ما يقول”. لقد ترجاه كاتب الرسالة بأن يُعينه ليفوز في رهان سباق الأحصنة!”.
وزراء وولاة يزورون العرّاف
وخلص الجنرال نزار في مذكراته، إلى أن عرّاف عين الصفراء، كان يستغل “موهبته في الكهانة” من أجل التكسب “التجاري المربح”، قبل أن يسرد ما اكتشفته لاحقاً حيث قال إنه عرف “أن كثيرا من المسؤولين كانوا يزرونه، بمن فيهم وزراء وولاة”.
وأوضح نزار أنه استحضر كلمات هذا العراف سنوات بعد ذلك: “تروحوا بالسلامة وترجعوا بالسلامة”، مسترسلاً “لقد ظفر لمكره ودهائه بأحسن جواب، وهي عبارة رائجة عند الجميع وتبعث على الارتياح كما تعزز القدرات المتوهمة التي يحظى بها هذا الكاهن”.
المصدر:
هبة بريس