وجهت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان فرع المنارة مراكش رسالة إلى كل من رئيس الحكومة، والوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بإدارة الدفاع الوطني، والمندوب الوزاري المكلف بحقوق الإنسان، ووالي جهة مراكش آسفي، وقائد الحامية العسكرية بمراكش، والمسؤول عن وكالة المساكن والتجهيزات العسكرية (ALEM)، ورئيسة المجلس الجماعي لمراكش، بخصوص ماوصفته بالوضعية الحقوقية والاجتماعية الكارثية لحي يوسف بن تاشفين المعروف بالحي العسكري أو “بين لقشالي”.
وكشفت الجمعية في بلاغها الذي تتوفر الجريدة على نسخة منه، أن الملف الذي يهم أكثر من 5000 أسرة من قدماء المحاربين والعسكريين المتقاعدين والأرامل وأسرى الحرب سابقا والمعطوبين والأشخاص في وضعية زمانة وذوي الحقوق، دخل عامه الخامس عشر من الاحتجاج المتواصل، حيث واكبت الجمعية هذا الملف منذ أكثر من خمسة عشر سنة عبر بلاغات وبيانات ووقفات احتجاجية في سنوات 2011 و2015 و2017 و2018 و2019 و2022 و2024 و2025 وإلى الآن، إضافة إلى تقاريرها السنوية التي وثقت الانتهاكات وأكدت مؤازرتها اللامشروطة للساكنة وتنسيقها مع لجنة الحوار للحي العسكري.
وأكد البلاغ أن المعاناة المستمرة للساكنة تعكس غياب حلول منصفة، وترتبط مباشرة بالالتزامات الدولية والدستورية والقانونية التي تضمن الحق في السكن اللائق والكرامة الإنسانية، مشددا على أن المغرب صادق على العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي تنص المادة 11 منه على الحق في مستوى معيشي كاف بما في ذلك السكن الملائم، كما أن اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أكدت في تعليقها العام رقم 4 أن السكن الملائم لا يقتصر على المأوى بل يشمل الأمن القانوني للحيازة والاستقرار والملاءمة وإمكانية الوصول إلى الخدمات من صحة وتعليم ومرافق أساسية، بينما شدد التعليق العام رقم 7 على حظر الإخلاءات القسرية التي تتم دون ضمانات إجرائية ودون تشاور فعلي ودون توفير بدائل مناسبة وتعويض عادل.
ونبهت الجمعية إلى أن الدستور المغربي ينص على سمو الاتفاقيات الدولية المصادق عليها على التشريعات الوطنية، وعلى التزام الدولة بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا، حيث ينص الفصل 31 على تعبئة الدولة لكافة الوسائل لتيسير استفادة المواطنات والمواطنين من الحق في السكن اللائق، ويؤكد الفصل 35 حماية حق الملكية، ويشدد الفصل 6 على خضوع الجميع بما فيهم السلطات العمومية للقانون، كما أن القانونين رقم 12.90 المتعلق بالتعمير ورقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية ينظمان عمليات إعادة الهيكلة والهدم مع اشتراط احترام المساطر القانونية وضمان حقوق المتضررين.
وأشار البلاغ إلى أن هناك قرارات رسمية سابقة توجب تسوية أوضاع ساكنة الحي، من بينها المذكرة الملكية رقم 2642 بتاريخ 10 ماي 2001 التي نصت على تسليم الدور لقاطنيها من قدماء العسكريين وذوي الحقوق، والمرسوم الصادر عن الوزير الأول الأسبق عبد الرحمان اليوسفي ذي الصلة، والمحضر الصادر في 19 شتنبر 2002 المنجز من طرف لجنة مكلفة من وزارة الدفاع الوطني المتعلق ببعض الجوانب التقنية والطوبوغرافية، إضافة إلى محضر 26 فبراير 2011 الموقع بين الحامية العسكرية وولاية مراكش الذي أكد على إعادة الهيكلة وعدم الترحيل، واعتبرت الجمعية أن عدم تفعيل مقتضيات هذه القرارات أو تجاهل روحها يشكل إخلالا بمبدأ استمرارية الدولة في تنفيذ التزاماتها.
وسجلت الجمعية أن المقترحات القائمة على ترحيل السكان إلى مناطق أخرى تعد إجراء تعسفيا وتنكرا لكل التزامات السلطات التي تسعى بكل الوسائل إلى نزع الوعاء العقاري للمنطقة الذي تقدر مساحته 273 هكتارا منها 230 هكتارا كانت بها مؤسسات عسكرية تم هدم جلها وتنقيل خدماتها إلى أماكن أخرى كالمستشفى العسكري ابن سينا والمستوصف العسكري ومقر جمعية الأعمال الاجتماعية ناهيك عن هدم كل الثكنات، كما أن المنطقة السكنية تتكون من عدة أحياء هي يوسف بن تاشفين والسبايس والزيتون و114 والكوم والبيجو وغيرها، ويقطنها سكان منذ ما يفوق 40 سنة.
وأضافت الجمعية أن المقترحات الحالية التي يسوقها صندوق الإيداع والتدبير وصفته بالهزيلة ولا ترقى لمتطلبات الإنصاف والعدل وجبر الأضرار، فهي تتم دون احتساب الضرر المتراكم منذ سنوات ودون مراعاة الروابط الاجتماعية والاقتصادية ولا تستجيب لمعيار التناسب ولا تحقق شرط الملاءمة والأمن القانوني للحيازة كما حددهما القانون الدولي لحقوق الإنسان، مؤكدة أن أي تسوية لا تأخذ بعين الاعتبار جبر الضرر الكامل تبقى ناقصة من منظور العدالة الاجتماعية والقانون والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي تعد الدولة طرفا فيها.
ووصفت الجمعية الدفع بخيار الترحيل من طرف صندوق الإيداع والتدبير واستغلال العقار لأغراض استثمارية وخدمة اللوبيات العقارية والرأسمال العقاري الساعي للربح بأنه استمرار لسياسة الالتفاف على الحقوق، مما يفرض على الدولة ومؤسساتها تحمل مسؤوليتها الكاملة في ضمان السكن اللائق والكرامة الإنسانية للساكنة، مشيرة إلى أن المقاربة المعتمدة حاليا من طرف صندوق الإيداع والتدبير وكل السلطات المتدخلة تتم دون الالتفات للجوانب الاجتماعية وحماية الحقوق مما يجعل الشعار الذي ترفعه الدولة حول الحماية الاجتماعية غير ذي جدوى، إضافة إلى كونها تتعارض مع الالتزامات السابقة وتضاعف من معاناة الأسر، كما أن توقف وكالة المساكن والتجهيزات العسكرية عن استكمال عملية التمليك رغم إشرافها على الدفعات السابقة ساهم في تعميق الأزمة.
وطالبت الجمعية في بلاغها بالوقف الفوري للهدم والترحيل القسري حماية للأسر من التشرد وضمان استقرارها الاجتماعي، واستئناف عملية التمليك وفق المذكرة الملكية لسنة 2001 ومحضر شتنبر 2002 ومحضر 26 فبراير 2011 ومرسوم الوزير الأول عبد الرحمان اليوسفي ذي الصلة مع احترام شروط العدالة والشفافية والتقويم السليم، وجبر الضرر وتعويض الأسر التي تعرضت ممتلكاتها للهدم أو طالها التهجير والترحيل بما يتماشى وحجم الأضرار وضمان إعادة إدماجها اجتماعيا واقتصاديا، وضمان الحق في التعليم بتوفير حلول عاجلة للأطفال الذين انقطعوا عن الدراسة بسبب التهجير وضمان استمرارية تمدرسهم، وحماية الأنشطة الاقتصادية بإدماج المحلات التجارية والأنشطة الصغيرة في الحلول باعتبارها مصدر رزق أساسي للأسر.
كما طالبت بفتح تحقيقات قضائية نزيهة حول الانتهاكات التي طالت الساكنة بما في ذلك وفاة شاب في وضعية إعاقة يوم 10 فبراير 2026، واحترام المرجعيات الدولية خاصة التعليق العام رقم 4 ورقم 7 للجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية واتفاقية حقوق الطفل واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وتفعيل الفصل 31 من الدستور المغربي الذي ينص على الحق في السكن والتعليم والصحة والعيش الكريم.
وشددت الجمعية على ضرورة إشراك فعلي للساكنة والجمعيات الحقوقية في صياغة الحلول بدل تغييب المجتمع المدني الحقيقي، وتحمل المسؤولية من طرف الجهات المتدخلة المتمثلة في الحامية العسكرية ووكالة المساكن العسكرية وصندوق الإيداع والتدبير وولاية مراكش والمجالس المنتخبة والحكومة المركزية، ووضع برنامج عمراني اجتماعي يضع الحق في السكن في صلب السياسات العمومية بعيدا عن المضاربات العقارية.
ودعت الجمعية إلى تشكيل لجنة مشتركة تضم لجنة الحوار والجمعيات الحقوقية لمتابعة الملف بشكل دوري، واعتماد مقاربة الإنصاف والعدالة المجالية عبر حلول تراعي الوضعية الاجتماعية للأرامل وذوي الإعاقة والأسر محدودة الدخل، ورفع مخلفات الهدم فورا وتحسين البنية التحتية للحي بما يليق بمدينة مقبلة على تنظيم تظاهرات عالمية، وضمان الشفافية في كل مراحل المعالجة عبر نشر الإحصاءات والقرارات للرأي العام.
واختتمت الجمعية بلاغها بالتأكيد على أن أي حل لا يأخذ بعين الاعتبار جبر الضرر الكامل للعائلات المتضررة ويضمن لها السكن اللائق والكرامة الإنسانية يظل حلا ناقصا من منظور العدالة الاجتماعية والقانون والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
المصدر:
لكم