آخر الأخبار

سنوات لم أعشها.. روتيني اليومي في حياتي التي لم أردها

شارك

هبة بريس – ياسين الضميري

مرت الأيام الأولى وكأنها شهور، وكل يوم في السجن يبدو أطول من الذي سبقه، بدأت ألاحظ أن الزنزانة الصغيرة ليست مجرد مكان للنوم، بل مدرسة صارمة للحياة تحت قيود غير مرئية، كل حركة، كل كلمة، كل نظرة، أصبحت محكومة بصمت داخلي وقوانين غير مكتوبة.

تعلمت أن أستيقظ قبل الوقت المخصص للفحص، لأشاهد الشمس وهي تكاد تختفي خلف الجدران العالية، نافذتي الصغيرة لم تكن تمنحني سوى شعاع ضوء خافت، لكنه كان كافيا لأذكرني بأن العالم لا يزال موجودا.

كنت أعد الثواني، الدقائق، الساعات و الأيام، أراقب الحراس، أستمع لأصوات الزنازن الأخرى، كل شيء صار كالتقويم الصامت للزمن، كل يوم يمر بطريقة واحدة لا تتغير.

الطعام هنا ليس مجرد وجبة، بل حدث يومي ينتظره السجناء بصمت، لا يتحدث أحد أثناء الطعام، لكن كل منا يراقب الآخر، بعض الرجال يبكون في صمت، آخرون يضحكون بطريقة غير مفهومة، كنت أجد نفسي أحاول فهم كل حركة ونبرة صوت، أقرأ المواقف كمن يحاول فك شفرة الحياة نفسها داخل السجن.

في ساعات الفراغ، التي كانت غالبا طويلة، بل لا تنتهي، كنت أجلس على السرير وأستعيد صور حياتي السابقة، صور ابنتي الكبرى وهي تلعب في الحديقة، صوت الصغرى وهي تضحك قبل أن أبعد عنها، منزلنا الصغير، رائحة طعام أم بناتي، كل هذه الذكريات كانت مؤلمة أكثر من أي جوع أو برد أو وحدة، لكنها أيضا كانت ما يبقيني إنسانا.

رويدا رويدا، بدأ بعض من السجناء في الزنزانة يتحدثون معي، لم يكن الحديث عن السياسة أو العالم الخارجي، بل عن صمتنا، عن انتظارنا، عن كل شيء فقدناه.

لم يكن ثمة صداقة حقيقية بعد، لكنها كانت بداية التواصل مع بشر يعانون مثلي، بشر يعرفون معنى الوحدة والخوف والحنين، لكل واحد منهم قصته، و دافعه الذي جعله يترك الحرية و يزج خلف القضبان، لكن جميعا نشترك في أمل واحد، متى سنغادر هاته الحياة التي لم نحلم بها يوما؟

مع مرور الأيام، بدأت أشعر أنني أستوعب قوانين المكان، كل شيء هنا له وقته، كل فعل له عاقبته، تعلمت أن أصبر على الصوت العالي في الليل، على الطرق المفاجئ على الأبواب، على نظرات الحراس، وعلى الصمت الذي يطول بلا سبب.

أحيانا كنت أحلم بالحرية، أحلم بالخروج إلى العالم الخارجي، لكن الحلم كان أقسى من الواقع، لأنه يذكرك بما لن يعود إليك أبدا، في هذه اللحظات، شعرت بأنني أصبحت رجلين في جسد رجل واحد، الرجل الذي يعيش داخل السجن، والرجل الذي ما زال يحلم بالعالم الخارجي، الذي ما زال يتذكر الحب والضحك والحرية.

الزنزانة الصغيرة علمتني دروسا لم أكن لأتعلمها في أي مكان آخر، علمتني الصبر، وأهمية المراقبة، وكيف يمكن للإنسان أن يخلق مساحة صغيرة من الأمل حتى في أصعب الظروف، علمتني أيضا أن الحنين، رغم قسوته، هو ما يبقينا على قيد الإنسانية.

هكذا بدأت حياتي اليومية في السجن، روتين جديد، صمت ثقيل، وقت طويل، انتظار دائم، عشرون سنة أمامي، ومع كل يوم كنت أتعلم كيف أصنع حياتي داخل هذا العالم الصغير، وكيف أحافظ على ما تبقى من إنسانيتي رغم كل شيء.

-يتبع في الحلقة القادمة-

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا