هبة بريس
مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، يتجدد النقاش حول تقييم أداء حكومة عزيز أخنوش، وقراءة في حصيلة برامجها المعلنة ومدى تنزيلها على أرض الواقع.
وسنخصص هذه السلسلة الأسبوعية، للحديث عن حصيلة عمل ومنجزات عدد من أعضاء الحكومة الذين سطع نجمهم خلال هذه الولاية ونجحوا في الوفاء ولو بجزء من وعودهم أمام عاهل البلاد وكذا امام المواطنين.
لن ننثر الورود على الحكومة ولن نمارس جلد الذات، بل سنحرص على تقييم أداء أعضائها بلغة الأرقام، بعيدا عن منطق الاصطفاف السياسي.
معيار النجاعة والالتزام بالوعود يظل الفيصل في الحكم على أي تجربة حكومية، إذ لا تقاس السياسات بحسن النوايا ولا بكثرة الشعارات، بل بمدى قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة تنعكس على حياة المواطنين.
و في هذه الحلقة من السلسلة الأسبوعية المخصصة لتقييم حصيلة الوزراء، سنسلط الضوء على أداء الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، أحد أبرز الوجوه المالية في الحكومة.
فمن هو مهندس ميزانية الدولة في زمن الأزمات؟
لا يمكن متابعة مداخلات لقجع خلال جلسات الأسئلة الشفوية الأسبوعية أو اجتماعات اللجان البرلمانية دون ملاحظة تحكمه في المعطيات الرقمية وقدرته على تبسيط المؤشرات الاقتصادية للمغاربة.
المسؤول الحكومي، حرص، طيلة السنوات الخمس الماضية، على تقديم شروحات مفصلة حول قوانين المالية، وتفسير خلفيات الاختيارات الحكومية في ما يتعلق بالميزانية، العجز، المديونية، والاستثمار العمومي.
هذا الحضور التقني القوي رافقه اشتغال داخل الحكومة على بلورة سياسة مالية هدفت إلى الحفاظ على توازنات الاقتصاد الوطني، رغم إكراهات دولية صعبة مرتبطة بالتضخم، وارتفاع أسعار الطاقة، وتداعيات الأزمات الجيوسياسية، إلى جانب تحديات داخلية كالجفاف وتنامي الطلب الاجتماعي.
أداء قياسي للمداخيل الضريبية سنة 2024
ومن أحد أبرز مؤشرات الحصيلة المالية يتمثل في تطور المداخيل الجبائية، فخلال سنة 2024، سجلت المداخيل الضريبية أداءً قوياً، حيث بلغت نسبة الإنجاز 110.8% من الهدف المقرر في قانون المالية، مع زيادة قدرها 37.6 مليار درهم مقارنة بالسنة السابقة.
هذا التحسن شمل مختلف أنواع الضرائب، من الضريبة على الدخل، إلى الضريبة على الشركات، والضريبة على القيمة المضافة، والرسوم الجمركية.
والأهم أن هذا الارتفاع تحقق دون اللجوء إلى رفع الضغط الضريبي على المواطنين، بل عبر توسيع الوعاء الضريبي وتحسين آليات التحصيل وتعزيز الامتثال الطوعي.
نتائج إيجابية لسنة 2025: نمو متواصل للمداخيل
و في عرض قدمه أمام البرلمان بتاريخ 26 يناير المنصرم، كشف لقجع أن المداخيل العادية للدولة بلغت حوالي 424 مليار درهم برسم سنة 2025، بزيادة 14.2% مقارنة بسنة 2024، ويعزى هذا النمو أساساً إلى ارتفاع المداخيل الجبائية وتجاوز نسبة الإنجاز المستهدفة.
هذه الأرقام تعكس، وفق القراءة الحكومية، تحسناً في دينامية الاقتصاد الوطني وفي فعالية الإدارة الجبائية، كما تعزز قدرة الدولة على تمويل السياسات الاجتماعية والاستثمار العمومي دون انفلات كبير في عجز الميزانية.
إصلاح ضريبي واسع لتعزيز العدالة الجبائية
ومن بين الأوراش الكبرى التي قادها الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، ورش الإصلاح الضريبي، الذي استهدف تحقيق قدر أكبر من العدالة الجبائية وتخفيف العبء عن الفئات المتوسطة والمنخفضة.
وقد شمل هذا الإصلاح، رفع بعض الشرائح المعفاة من الضريبة على الدخل، توسيع الإعفاءات العائلية، وكذا مراجعة بعض المقتضيات لتشجيع الامتثال الطوعي.
هذه الإجراءات كان لها أثر مباشر على القدرة الشرائية لعدد من الأجراء والأسر، كما ساهمت في إعادة توزيع العبء الضريبي بشكل أكثر توازناً، مع الحرص على الحفاظ على موارد الدولة.
ضخ 125 مليار درهم عبر التصريح الطوعي
و من المبادرات اللافتة خلال هذه الولاية، تشجيع التصريح الطوعي بالمداخيل والأصول غير المصرح بها سابقا، حيث مكنت هذه العملية من ضخ حوالي 125 مليار درهم في الاقتصاد الوطني، ما عزز السيولة ووسع القاعدة الجبائية مستقبلا.
هذه الخطوة اعتُبرت مؤشرا على سعي الحكومة إلى بناء علاقة ثقة جديدة بين الإدارة والمكلفين بالضرائب، قائمة على التحفيز بدل الزجر فقط، مع إدماج أنشطة غير مهيكلة في الدورة الاقتصادية الرسمية.
تحديث الإدارة المالية والرهان على الرقمنة
و على مستوى تدبير الميزانية، شهدت الفترة الأخيرة توجها واضحاً نحو تحديث الإدارة المالية، من خلال تعميم الرقمنة في مساطر التحصيل والتصريح، توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في الإدارة الضريبية والجمارك لمحاربة الغش وتحسين المراقبة وكذا تسريع معالجة الملفات وتبسيط الخدمات المقدمة للمرتفقين.
هذه الخطوات عكست وعيا بأهمية التكنولوجيا في رفع مردودية الإدارة، وتقليص هامش الخطأ، وتعزيز الشفافية.
إلى ذلك، ورغم المؤشرات الإيجابية، يبقى تقييم الحصيلة المالية مرتبطا أيضا بقدرة هذه الموارد على تحسين حياة المواطنين بشكل ملموس، سواء عبر دعم الحماية الاجتماعية، أو تمويل إصلاح الصحة والتعليم، أو دعم الاستثمار وخلق فرص الشغل.
و تظل تحديات التحكم في المديونية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وضمان استدامة التوازنات الماكرو-اقتصادية، رهانات قائمة أمام أي مسؤول عن الميزانية.
المصدر:
هبة بريس