آخر الأخبار

رمضان في المغرب.. بين زحام الشوارع ورهفة القلوب

شارك

هبة بريس – طارق عبلا

مع إعلان دخول شهر رمضان المبارك في المغرب، تستيقظ المدن على إيقاع مختلف، تمتزج فيه الروحانيات بحركة الحياة اليومية، ليشكل اليوم الأول من الشهر الفضيل لوحة اجتماعية نابضة بالتناقضات بين زحام الشوارع وصفاء القلوب.

مع اقتراب الساعات الأخيرة قبل أذان المغرب، تتحول شوارع المدن المغربية إلى شرايين مكتظة بالسيارات والدراجات النارية، في مشهد يومي اعتاده المغاربة مع حلول الشهر الكريم، فالساعة الرمضانية تخلق إيقاعا خاصا، حيث يسابق الجميع الزمن للوصول إلى بيوتهم قبل دوي المدفع، الطرقات تعج بالحركة، والدراجات النارية تتسلل بين السيارات المتوقفة، وسائقو سيارات الأجرة يبذلون جهودا مضاعفة لإنهاء مشاوير الصائمين قبل الموعد المقدس، في هذا الزحام، ترتفع الأصوات أحيانا بمشادات صغيرة، ويعتلي التوتر في جوه المارة، لكن رمضان يبقى فرصة ذهبية لتهذيب النفس وضبط الأعصاب.

الصيام في جوهره ليس مجرد حرمان من الطعام والشراب، بل هو مدرسة روحية متكاملة لتهذيب النفس وتدريبها على الصبر والوعي الداخلي، في اليوم الأول من رمضان، تتجلى هذه المعاني بوضوح، خاصة لدى المدخنين الذين يعيشون لحظات ترقب حقيقية قبل أذان المغرب، فتكون أولى خطوات التغيير الحقيقي نحو قطع العادات الضارة بالصحة، ذكر الله والتفكر في فضائل الشهر الكريم يتحولان إلى ملاذ آمن يخفف من وطأة التوتر اليومي، ويحول لحظات الانتظار إلى تأمل عميق يربط الروح بالجسد معا.

في زمن طغت فيه المظاهر الاستهلاكية على جوهر الأشياء، يطرح رمضان تحديا حقيقيا أمام المغاربة: كيف نستثمر أيامه ولياليه بعيدا عن السطحية؟ فالشهر الفضيل للأسف تحول عند البعض إلى سهرات طويلة في المقاهي بلا هدف حقيقي، وتصفح مفرط لمنصات التواصل الاجتماعي وتطبيق تيك توك، وتتبع عشرات المسلسلات الدرامية التي تنتظر المتابعين لتحقيق نسب مشاهدة عالية، فينشغل الناس بها عن اغتنام أوقات البركة والخشوع، هذه الظواهر تستدعي وقفة تأمل: هل رمضان مجرد موسم ترفيهي، أم هو محطة روحية لتغيير الذات وإعادة ترتيب الأولويات؟

اليوم الأول من رمضان يحمل في طياته فرصة استثنائية لكل من أراد أن يجعل هذا الشهر بداية حقيقية للتغيير، فكل ساعة تمر ليست مجرد وقت يمر، بل دعوة صادقة لإعادة ترتيب الأولويات، وتقوية الصلة بالله وبالآخرين، وملء القلب بوعي صافي، إنه اليوم الذي يضيء الطريق نحو التفكر العميق في معاني الوجود والحياة، والتغيير الإيجابي للعادات والسلوكيات، والارتقاء بالقيم والأهداف النبيلة، والعطاء الداخلي والخارجي بصدق وإخلاص.

رمضان هذا العام هو دعوة للحياة برؤية مختلفة، تتجاوز المظاهر والتكرار، نحو وجود أكثر وعيا وصفاء. إنه فرصة لإيقاظ النفس من روتين الغفلة، والانفتاح على معنى أعمق للوجود، ففي خضم زحام الشوارع وضجيج الحياة، يبقى الصمت المؤثر والفعل الواعي هما جوهر الرسالة الرمضانية، لحظة نعيد فيها اكتشاف معنى كل يوم، وكل دقيقة، وكل صلة بيننا وبين ما هو أسمى وأعمق.

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا