آخر الأخبار

“الميركاتو السياسي”.. “كائنات انتخابية” تبحث عن الملاذ وخبراء يحذرون من تمييع المشهد الحزبي

شارك

انطلق “الميركاتو السياسي” بالمغرب قبل حوالي سبعة أشهر من موعد الانتخابات التشريعية لسنة 2026، بالتحاق الاتحادي عبد الهادي خيرات بحزب التقدم والاشتراكية، كما طفت على السطح مؤشرات وتسربت أخبار عن تحركات لعدد من “الكائنات الانتخابية” لتغيير أحزابها في سياق إعادة التموضع بحثا عن تزكيات انتخابية.

ظاهرة متجذرة

ظاهرة الترحال السياسي ليست أمرا طارئا في المشهد السياسي المغربي، بل إنها التصقت به منذ ستينيات القرن الماضي، بحسب ما أشار إليه كل من أستاذ القانون الدستوري بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة عبد الغني السرار، والباحث في العلوم السياسية محمد شقير.

فهذه الظاهرة شكلت معطى ثابتا في الحياة السياسية المغربية، واكتسحت الحياة الحزبية بشكل ملفت للانتباه ولازمت الحياة البرلمانية منذ أول انتخابات تشريعية عرفها المغرب سنة 1963، كما مست كل المحطات الانتخابية سواء التشريعية أو الجماعية، وفق تصريح السرار لجريدة “العمق”.

واقترنت هذه الظاهرة بالمشهد السياسي المغربي منذ ستينيات القرن الماضي، يقول محمد شقير في تصريح لجريدة “العمق”، على غرار ظاهرة الانشقاقات الحزبية التي لازمت المنظومة الحزبية منذ تأسيسها في المملكة المغربية.

وأشار شقير إلى أنه سبق لوزير الشغل والشؤون الاجتماعية في أول حكومة مغربية بعد الاستقلال، عبد الهادي بوطالب، وكاتب الدولة للشبيبة والرياضة في الحكومة ذاتها، أحمد بن سودة، أن رحلا من حزب الشورى والاستقلال نحو الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بعد خلاف شخصي مع زعيم هذا الحزب بلحسن الوزاني.

وبخصوص ترحال عبد الهادي خيرات، قال أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، رشيد لزرق، إن انتقاله من حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بعد مسار طويل ارتبط اسمه به، وترشحه للانتخابات المقبلة باسم حزب التقدم والاشتراكية، ليس مجرد تغيير عنوان حزبي، بل “مشهد مكثف من كوميديا سوداء يتقاطع فيها الترحال السياسي مع منطق السمسرة الانتخابية”

“حين يتحول الانتماء إلى محطة عابرة، والهوية الحزبية إلى بطاقة قابلة للاستبدال، يفقد الخطاب السياسي معناه الرمزي ويتحوّل إلى غلاف. الفكرة لم تعد مركز الثقل؛ الكتلة الانتخابية هي العملة. يُعاد تقديم “المجموعة” باعتبارها رأسمالا جاهزا للتوظيف، وكأنها قطيع يُنقل من مرعى إلى آخر، لا أفرادا يملكون وعيا واختيارا”، يقول لزرق في تصريح لـ”العمق”.

الكوميديا السوداء، بحسب تعبيره، لا تتجلى في الانتقال ذاته، بل في “تبريره بلغة المبادئ بعد أن يُحسم بمنطق الحساب. تتبدل اللافتة ويبقى السلوك؛ تتغير الألوان ويبقى الأسلوب”، قائلا إن الأمر يتعلق باختزال السياسة في القدرة على إعادة التموضع، لا في بناء الثقة أو الدفاع عن مشروع، مضيفا باستغراب “الناخب يُفترض فيه أن يتبع المسار نفسه، بلا مساءلة عن المعنى ولا عن الاتساق”.

فعندما يصبح “الاتجار بمجموعة انتخابية ممارسة عادية، يُختزل الفعل الديمقراطي في عملية نقل أصوات، لا في تمثيل إرادات. عندها يتحول المشهد إلى عرض عبثي: خطابات عن الالتزام، وحسابات عن الربح؛ شعارات عن القيم، وتفاوض صامت حول الأرقام. القطيع ليس توصيفا للناس، بل لآلية ترى فيهم كتلة قابلة للتوجيه”.

واعتبر أن ترحاله لا يمثل قصة شخص فقط، “بل مرآة لبنية تسمح بأن يُعاد تدوير المواقع دون مساءلة أخلاقية أو سياسية. في هذا المسرح، لا يُسأل الممثل عن اتساق دوره، بل عن قدرته على الحشد. أما النص، فيبقى ثابتا: ترحال باسم الواقعية، وسمسرة باسم التمثيل، وكوميديا سوداء تُقدَّم كفصل عادي من فصول الحياة الحزبية”.

مصالح براغماتية

وللحد من ظاهرة الترحال السياسي، تدخل المشرع المغربي عبر الفصل 61 من دستور 2011، الذي نص بشكل صريح على أن يُجرَّد من مقعده كل عضو بالبرلمان تخلى عن انتمائه السياسي الذي ترشح باسمه للانتخابات التشريعية، أو تخلى عن الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها، يقول السرار.

وأشار الأستاذ الجامعي إلى أن القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية منع كل عضو في أحد مجلسي البرلمان أو في مجالس الجماعات الترابية أو في الغرف المهنية من التخلي عن انتمائه السياسي الذي ترشح باسمه، تحت طائلة تجريده من العضوية.

وبمراجعة سجل قرارات المجلس الدستوري والمحكمة الدستورية، نصادف العديد من القرارات القاضية بتجريد بعض النواب البرلمانيين من العضوية بمجلس النواب بعد تخليهم عن انتمائهم السياسي الذي ترشحوا باسمه للانتخابات التشريعية، يقول المتحدث.

هذا العائق القانوني، الذي أشار إليه عبد الغني السرار، هو نفسه الذي جعل عددا من البرلمانيين يؤجلون ترحالهم السياسي نحو أحزاب غير تلك التي نالوا مقاعدهم باسمها إلى حين اقتراب نهاية الولاية البرلمانية، خوفا من فقدان مقاعدهم، خصوصا الفئة المعروفة بـ”الأعيان” في الحياة السياسية المغربية.

استسهال الترحال السياسي، بحسب السرار، يثير السؤال حول علاقة البرلمانيين بأحزابهم، “ذلك أن الانتساب لحزب سياسي معين يعني من الناحية المبدئية أن أطره ملتزمة ومقتنعة بمرجعياته وأدبياته السياسية والإيديولوجية والمذهبية، لكن على المستوى الفعلي يُلاحظ بأن الأحزاب المغربية قلما توفرت على هذا النوع من الأطر المخلصة لعقيدة الحزب ومبادئه”.

وخلص إلى أن الانتماء الحزبي في التجربة المغربية يبقى محكوما بمصالح براغماتية أكثر منها إيديولوجية، بحيث إن أغلب الأطر الحزبية غير متشبعة بمبادئ الالتزام السياسي تجاه أحزابها التي تمنحها التزكية للترشح للانتخابات، وحتى تجاه المواطنين الذين يمنحونهم أصواتهم بناء على الحزب السياسي الذي ترشحوا باسمه وبرنامجه الانتخابي.

واعتبر الأستاذ الجامعي ذاته أن التحاق منتخبين بأحزاب أخرى غير التي نالوا مقاعدهم باسمها ضربٌ بالتعاقد السياسي الذي يجمعهم مع الناخبين عرض الحائط، مؤكدا أنه “من المفروض أن يعمل كل نائب في نطاق الحزب الذي ينتمي إليه ووفق برنامجه الانتخابي”.

إخلال وتمييع

والمشكل الخطير في ظاهرة الترحال السياسي، بحسب السرار، يكمن في كونها تعبر عن عدم الالتزام الحزبي وعدم وفاء الأطر الحزبية تجاه تنظيمها السياسي، وهذا من شأنه أن يساهم في عدم استقرار النخب البرلمانية وينعكس بشكل سلبي على أداء المؤسسة البرلمانية.

وقال إن في الترحال السياسي إخلالا بالتعاقد الانتخابي، معتبرا أن هذا السلوك لا يسمح للمؤسسة التشريعية بأن تكوّن تراكمات سياسية إيجابية تساعدها في خلق سوابق لفائدتها، متسائلا: “كيف لبرلمان يعاني من ضعف الانضباط أن يساهم في مجاراة الحكومة من خلال اقتراح القوانين وتعديل مشاريع القوانين؟ وكيف يمكنه خلق نوع من التأثير والتوازن في المراقبة السياسية؟”.

ووصف الظاهرة بأنها تساهم في تمييع المشهد الحزبي، ذلك أن النائب البرلماني الذي يتوفر على انتداب انتخابي ساري المفعول بتزكية من حزب معين، وبمناسبة قرب الاستحقاقات الانتخابية التشريعية وكرد فعل على عدم منحه التزكية، يترشح بلون حزب سياسي آخر، في سلوك يضرب مبدأ التداول على المهام التمثيلية أو الحزبية.

بدوره، نبه شقير إلى أن ظاهرة “الترحال الحزبي” تزايدت بشكل كبير، خاصة في العقدين الأخيرين، لعدة عوامل من أهمها عدم تفعيل آليات الديمقراطية داخل الأحزاب، وتنامي الولاءات الشخصية، وانسداد أفق مسار المناضلين والقياديين داخل معظم الأحزاب.

ومن هذه العوامل أيضا، يقول المتحدث، عدم تجدد القيادات الحزبية التي عادة ما تعدل الأنظمة الداخلية للأحزاب للحفاظ على مناصبها القيادية، من خلال تمديد رئاستها لهذه الهيئات لثلاث أو أربع ولايات.

كما أن ظهور ما أصبح يسمى بأعيان الأحزاب، يضيف الباحث في العلوم السياسية، جعل هذه الظاهرة تستفحل بشكل كبير، نظرا لأن العلاقة التي أصبحت تجمع بين الأحزاب وهذه العينة السياسية تقوم بالأساس على المصلحة السياسية المتمثلة في بحث القيادات الحزبية عن الفوز بأكبر عدد من المقاعد.

في حين أن الأعيان، يسترسل شقير، لا يهمهم من الانضمام إلى هذا الحزب أو ذاك إلا الحظوظ التي سيوفرها لهم الحصول على تزكية والترشح باسمه، في دوائر انتخابية، سواء كانت جماعية أو جهوية أو برلمانية، تضمن فوزهم بالمقعد ووضعهم على رأس اللوائح وضمان المساندة الحزبية.

وخلص إلى أن هذه الظاهرة لا يمكن إلا أن تسيء للعمل الحزبي الذي يقوم على الالتزام السياسي سواء مع الحزب أو مع الناخب، الذي لن يستسيغ هذا التنقل والترحال بين الأحزاب، مما سيكرس لديه القناعة السياسية بأن الكل لا يبحث إلا عن مصالحه الذاتية ولا يضع بعين الاعتبار مصلحة المواطن أو خدمة الشأن العام، بحسب تعبيره.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا