يشتعل سوق انتقالات الفاعلين السياسيين بين الأحزاب المغربية قبل الانتخابات التشريعية القادمة، مع رحيل محمد بودرا من الأصالة المعاصرة، وعبد الهادي خيرات من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، نحو حزب التقدم والاشتراكية.
وبيّن خبراء في الشأن السياسي أن هذه الانتقالات التي تدخل ضمن “ظاهرة الترحال السياسي” تظهر عدة نقاط سلبية تطبع المشهد السياسي الحزبي بالمغرب مع اقتراب الانتخابات، حيث غالبا ما ترسخ الوجوه التي تتسيد “الميركاتو السياسي”، ما يعاكس طموح “التجديد والتشبيب”.
محمد شقير، محلل سياسي، قال إن “المشهد الحالي يعرف انتقال قياديين من أحزاب إلى أخرى لدواع متعددة، تجتمع كلها حول المواقف من الزعماء الحاليين أو طموحات مناصب أكبر؛ ما رسخ فكرة أن الأحزاب المغربية باتت تبحث عن ‘بروفايلات’ تضمن لها المقاعد، في ما يشبه ‘ميركاتو’ كرة القدم، حيث يتسابق الجميع لاستقطاب أفضل الأطر والأسماء”.
وأضاف شقير لهسبريس أن “انتقال أسماء وازنة مثل بودرا وعبد الهادي خيرات بين أحزاب كبيرة يعكس غياب الالتزام السياسي وتفضيل المصالح الشخصية والانتخابية”، وزاد: “هذا السلوك يكرس نظرة سلبية لدى المواطن تجاه النخب، ويوحي بأن الأحزاب لا تلهث إلا خلف حصد أكبر عدد ممكن من المقاعد”.
وأورد المتحدث ذاته أن “هذه التحركات تؤدي إلى بقاء النخب السياسية مغلقة دون تجديد، ما يرفع نسبة العزوف السياسي الذي تحاول الدولة محاربته”، مشيرا إلى أن “دوران الوجوه نفسها في حلقات مفرغة يجمد المشهد السياسي ويجعله يفتقر إلى التطور الحقيقي، ما يكلف المسار الديمقراطي ضريبة باهظة”.
وذكر المحلل نفسه أن “الترحال السياسي في المنظومة الحزبية بالمغرب، إلى جانب الانشقاقات، ظاهرتان ميزتا المشهد منذ الستينيات؛ فبالعودة إلى التاريخ نجد شخصيات بارزة كالهادي بوطالب وبنسودة، اللذين انتقلا من حزب الشورى والاستقلال إلى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية”.
وتطورت هذه الظاهرة واستفحلت، وفق شقير، خاصة بعد ثمانينيات القرن الماضي، نتيجة عوامل عدة، أبرزها ظهور من يعرفون بـ”أعيان الأحزاب”، الذين يبحثون عن الحزب الذي يوفر لهم التزكية ويضمن لهم الفوز في دوائر انتخابية معينة، مقدمين اعتبارات السوق الانتخابية على الانتماء.
عبد العزيز قراقي، الأكاديمي والباحث في العلوم السياسية، قال إن “المفاهيم السياسية في الحياة الحزبية المغربية شهدت تغيراً جذرياً، إذ لم يعد الأمر كما كان في السابق، فالملاحظ حدوث تراجع كبير في وفاء الأفراد للأيديولوجيات والبرامج الحزبية والمنهجيات الفكرية الكبرى”، معتبرا أن “هذا التحول أصبح جلياً حتى داخل الكتل الاشتراكية التقليدية التي كانت تُعرف بانضباطها العقدي”.
وأضاف قراقي لهسبريس أن “الترحال السياسي أضحى ظاهرة أساسية تميز الحياة السياسية ببلادنا، وتبرز بشكل حاد مع كل استحقاق انتخابي”، مشيرا إلى أن “المثير في الأمر أن بعض الأطراف تبادر بالانتقال من حزب لآخر، بل وتتحول بسرعة لتصبح قيادية في الحزب الجديد، ما يعكس مرونة مفرطة في الانتماءات الحزبية الراهنة”.
وبين المتحدث ذاته أن “غياب الوفاء للبرامج والأفكار جعل الناس لا يشعرون بأي حرج عند تبديل قبعاتهم السياسية، خاصة أن الأمر بات عادياً، سواء في أحزاب اليمين أو اليسار أو غيرها”.
وترتبط هذه الظاهرة أيضاً، وفق الأكاديمي نفسه، بتغير منظومة القيم السياسية والاجتماعية في المغرب، “حيث لم يعد الانتماء الحزبي مقدساً؛ فالشخص الذي يشعر بالتهميش داخل حزبه يفضل الانتقال إلى إطار آخر يضمن له دوراً فاعلاً، ما جعل المسار السياسي غير محكوم بالتدرج التقليدي من الشبيبات وصولاً إلى المكتب السياسي”.
وختم قراقي بالتأكيد على أن “الحديث عن النخب اليوم يجب أن ينصب على آليات النجاح الاجتماعي والسياسي الجديدة التي تفرضها هذه التحولات العميقة، خاصة أن الحزب لم يعد مدرسة للتنشئة السياسية الطويلة الأمد، بل أصبح وسيلة لتحقيق غايات آنية، ما يجعل هذه المتغيرات تفرض واقع الترحال وتحدد ملامح المشهد الحزبي الحالي”.
المصدر:
هسبريس