آخر الأخبار

يستنزف الاقتصاد الوطني.. جدري: تعميم الرقمنة سلاح المغرب لتجفيف منابع الفساد

شارك

أظهر التقرير السنوي لمؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية استمرار التحديات العالمية في مجال الحكامة، حيث حصل المغرب على تنقيط 39 من أصل 100، ليظل بذلك تحت العتبة العالمية المحددة في 42 نقطة. ويعكس هذا التصنيف توجهاً دولياً مقلقاً، إذ انخفض المعدل العالمي لأول مرة منذ عقد، وفشلت 122 دولة من أصل 182 في تجاوز حاجز الخمسين نقطة، في حين شهدت ديمقراطيات عريقة كالولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة تراجعاً ملحوظاً في نقاطها.

وعلى الصعيدين الإقليمي والقاري، تقاسم المغرب مع تونس صدارة منطقة شمال إفريقيا متفوقين على دول الجوار، بينما جاءت المملكة في موقع وسط إفريقياً، متجاوزة معدل دول جنوب الصحراء، لكنها ظلت بعيدة عن الدول الإفريقية الرائدة كجزر السيشل والرأس الأخضر. أما عربياً، فقد كشف التقرير عن تباين صارخ، حيث واصلت الإمارات وقطر تصدر المشهد، في حين تذيلت الدول التي تعاني من نزاعات مسلحة كاليمن والسودان وسوريا ذيل الترتيب العالمي.

وربطت المنظمة في تحليلها لهذه النتائج بين تفشي الفساد وتراجع مؤشرات الديمقراطية وضعف استقلالية العدالة، مشيرة إلى أن الدول ذات الأنظمة الديمقراطية الكاملة سجلت معدلات أعلى بكثير من تلك التي تشهد تضييقاً على المجتمع المدني وتسييساً للقضاء. وقد شدد التقرير في توصياته على ضرورة حماية الفضاء المدني وضمان شفافية المؤسسات القضائية، محذراً من أن تآكل الضوابط الديمقراطية يهدد استقرار المجتمعات ويفسح المجال لنهب المال العام.

وتعليقا على هذا التقرير، أكد الخبير الاقتصادي محمد جدري، في تصريح خص به جريدة “العمق”، أن الفساد يكلف الاقتصاد الوطني مئات الملايين من الدراهم، مشددا على ضرورة بذل مجهودات أكبر لمحاربته رغم التحسن النسبي الذي سجله المغرب في المؤشرات الدولية، حيث اعتبر أن الوضع يتطلب التعامل معه بجدية بالغة عبر مستويات متعددة لضمان حماية الموارد الوطنية وتشجيع الاستثمار، خاصة في ظل التحولات السياسية التي شهدها العالم منذ جائحة كورونا والتي أثرت على مشهد الحكامة عالميا.

واوضح جدري في سياق حديثه للجريدة أن العالم يشهد اليوم تراجعا ملحوظا في مستويات الديمقراطية وحرية الصحافة ومؤشرات محاربة الفساد، حيث استقر المؤشر العالمي عند 42 نقطة عوض المعدل المتوسط المحدد في 50 نقطة، وهو انخفاض يعزى للتحولات الجيوسياسية في السنوات الأخيرة، مسجلا في الوقت نفسه أن المغرب حقق تحسنا بوصوله إلى تنقيط 39، مما يجعله قريبا من المعدل العالمي الحالي، إلا أن هذا الاقتراب لا ينفي الحاجة الملحة للاستمرار في الإصلاحات لتفادي الهدر المالي الكبير الناتج عن ممارسات الفساد.

واشار المتحدث ذاته إلى أن المملكة باشرت بالفعل إصلاحات هيكلية مهمة، شملت الإصلاح الجبائي وتحديث الإدارة وتبسيط المساطر الإدارية وآليات التبليغ عن الرشوة، لكنه اعتبر أن هذه الخطوات غير كافية لوحدها، محددا ثلاثة مداخل أساسية يجب الاشتغال عليها للذهاب إلى أبعد مدى خلال السنوات القادمة، أولها ورش إصلاح منظومة العدالة الذي لا يزال يسجل تأخرا، داعيا إلى إصلاح حقيقي يضمن سرعة وفعالية القضاء لحماية حقوق المتقاضين.

وبين الخبير الاقتصادي أن ضعف الثقة في القضاء يضيع على المغرب فرصا استثمارية حقيقية، حيث يتخوف المستثمرون من ضياع حقوقهم ويحجمون عن اتخاذ خطوات للأمام، مما يبقي رؤوس الأموال جامدة، منتقلا للحديث عن المدخل الثاني المتعلق بالرقمنة الشاملة للإدارة والاقتصاد، مؤكدا أن تقليص التدخل البشري يحد بشكل كبير من مخاطر الفساد والابتزاز.

واستدل المصدر نفسه بنجاح ورش الرقمنة في مجالي الدعم الاجتماعي المباشر ودعم السكن، حيث يتم تدبيرهما رقميا بنسبة مائة في المائة، مما جعل المواطنين لا يشتكون من أي ابتزاز أو رشوة في هذين القطاعين، وهو ما يعد دليلا صارخا على فعالية التكنولوجيا في تجفيف منابع الفساد وتقليص فرص حدوثه مقارنة بالمساطر التقليدية.

وتابع جدري تشخيصه للوضع بالتأكيد على المدخل الثالث المتمثل في ضرورة مراجعة النموذج الاقتصادي لوسائل الإعلام الوطنية، لتمكينها من لعب دورها الرقابي كاملا، لا سيما فيما يتعلق بالصحافة الاستقصائية القادرة على كشف مكامن الخلل والفساد، معتبرا أن السير قدما في هذه النقاط الثلاث سيمكن المغرب من تجاوز المعدل العالمي وتصدر الترتيب على الصعيد الإفريقي، والالتحاق بمصاف الدول الديمقراطية، حتى وإن كان الوصول لمستويات الدول الإسكندنافية أمرا صعبا في المرحلة الراهنة.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا