آخر الأخبار

أصوليات جديدة .. كيف تتحول الهوية من بيت للسكن إلى سلاح للافتراس؟

شارك

لم تعد الأصولية اليوم حكرا على الدين، ولا على تأويل متشدد للنص المقدس، ولا على الخطاب اللاهوتي عامة. نحن إزاء أصوليات جديدة، علمانية في مظهرها، ثقافوية في لغتها، لكنها لا تقلّ شراسة عن سابقاتها. أصوليات ترفع الهوية وقد نزعت عنها بعدها التاريخي وسيرورة تكوينها وصيرورات تحولها، وحوّلتها إلى جوهر صلب، مكتفٍ بذاته، متعالٍ على التعدد، لا يرى في الاختلاف سوى تهديد يجب تحييده أو ابتلاعه. أصوليات لها فقهاء بلا مساجد ولا نصوص مقدسة وبلا جلابيب ولا “رزات”… تتغذى على الثقافة، واللغة، والتاريخ والهوية، وتتقن لغة الحداثة، لكنها تمارس منطق الإقصاء ذاته، وإن بأدوات أكثر نعومة وخداعا. أصوليات متوحشة تسعى إلى تعريف ذاتها من خلال التهام مكوّن آخر داخل الكيان نفسه كي تُثبت شرعيتها. عبر تصوير هوية لا تعيش إلا في حالة صراع دائم ولا تستمد معناها إلا من وجود “عدو” يجب تحجيمه أو تشويهه أو نفيه رمزيا.

يعلّمنا التاريخ القريب أن الأصولية الدينية تنشأ غالبا من الخوف من التيه وفقدان الموقع التاريخي حين تتصدع المرجعيات الكبرى، يبحث الإنسان عن يقين صلب يعصمه من الشك.. ما يحدث اليوم مع الأصوليات الهوياتية هو الوجه الجديد للآلية نفسها، حيث تعجز المجتمعات عن إنتاج عقد رمزي جامع وتفشل السياسة في إدارة التعدد، فتتحول الهوية المنغلقة إلى ملجأ نفسي جماعي.

لكن الفرق الجوهري أن الأصولية الجديدة لا تعلن نفسها بوصفها أصولية، إنها تتخفى خلف خطاب “الحقوق”، “الذاكرة”، “الإنصاف التاريخي” أو “الدفاع عن اللغة” بل وأحيانا بتقديم نفسها كرافض للأصولية. وهنا تكمن خطورتها: لأنها تقدّم نفسها كضحية بينما تمارس دور الجلاد الرمزي.

في المغرب، حيث تشكّلت الهوية تاريخيا عبر التداخل والتنوع لا عبر النقاء العرقي والصفاء الحضاري المتخيل، وعبر الترجمة والاحتكاك مع مختلف الأجناس والأعراق لا عبر القطيعة والانعزال، نشهد اليوم عودة مقلقة لهويات لاحمة تريد أن تفترس – تحت حجة أنها الأصل الطاهر- باقي المكونات، هويات لا تكتفي بأن تكون وأن تدافع عن حق وجودها إلى جانب باقي أطراف الهوية المتداخلة، بل تريد أن تهيمن، أن تُعرّف الكل الاجتماعي على الصورة الأصيلة التي ترسمها في مخيلتها وفي خطابها، وأن تُقصي باقي مكوّناته كي تثبت “قوتها الرمزية” أو أصالتها التاريخية وتفوق “جنسها” و”ثقافتها”. هنا يلتقي غلاة العروبيين مع غلاة الأمازيغيين في مفارقة غريبة: كلٌّ منهما يدّعي الدفاع عن الذاكرة، بينما يمارس في العمق محوا انتقائيا لها.

لا تعترف الهوية المتوحشة بالتاريخ بوصفه مجالًا للتعقيد والتداخل، لأنها تحتاج إلى تاريخ مبسّط، خطّي، انتقائي. تاريخ يُقصي ما لا يخدم السردية، ويضخّم ما يعزّز الإحساس بالنقاء أو المظلومية. يتجلّى هذا بوضوح في السياق المغربي، في خطابي الغلوّ العروبي والغلوّ الأمازيغي. كلاهما ينطلق من جرح حقيقي لكنه يحوّله إلى أيديولوجيا دائمة.

من الهوية كذاكرة إلى الهوية كسلاح

لم تكن الهوية يوما، في معناها الحيّ والدياكروني، تعريفا نهائيا، بقدر ما ظلت سؤالًا مفتوحا يجسد تراكما رخوا من اللغات، الأجساد، الطقوس، التعابير، الرموز، التقاليد، الهجرات والانتصارات والانكسارات. لكنها حين تُختزل في عنصر واحد: لغة، أصل إثني، أو سردية تاريخية مُنتقاة بشكل متعسف… تتحول إلى هوية متوحشة، هوية تخاف من التعدد لأنها تخاف من ذاتها.

لا يدافع غلاة العروبيين عن العربية بوصفها لغة انفتاح وترجمة ووسيط حضاري، بعضهم يبحث في الأصول التاريخية لباقي المكونات لإرجاعها إلى أصله وعرقه، كأنه هو الرافد الوحيد والباقي مجرد نسخ منه انتشرت في الأرض منذ أزمان، تصبح القومية العربية راية سيادة، والعربية تتحول عندهم من أفق ثقافي باذخ ومتطور، إلى حدّ فاصل بين “نحن” و”هم”. وكل ما لا يدخل في هذا التعريف يُختزل في الفولكلور أو يُتّهم بالانفصال أو ينسب إلى عدو هو من يقوم برسم خرائط هويتنا ويخلخل لحمتنا الوطنية.

هكذا تُفرَّغ العروبة من بعدها التاريخي المتوسطي والإفريقي، وتُعاد صياغتها كهوية صلبة، متعالية، تنظر إلى الأمازيغية خارج الشريك التاريخي، كتهديد مؤجَّل أو كتخطيط خطير من عدو مفترض وحدها تملك أسراره، وللأسف أن بعض سلوكات غلاة الأمازيغية في قضية إنسانية مثل فلسطين تشرعن في الكثير من الأحيان ما يصدر من اتهامات بعض أطراف الأصولية القومية العربية.

في المقابل، يُعيد غلاة الأمازيغية إنتاج المنطق نفسه ولكن بعكس الاتجاه. تتحول الأمازيغية من تجربة تاريخية متعددة اللهجات والمجالات والتمثلات، إلى جوهر إثني خالص، يُستدعى خارج الزمن، ويُقدَّم بوصفه الضحية المطلقة التي لا يجوز مساءلتها ويُعاد تقديمها بوصفها الحقيقة الأصلية الوحيدة. يتم اختزال قرون من التفاعل العربي – الأمازيغي في سردية صدام، وتُشيطن كل من يذكّر بأن التاريخ لا يُكتب بمنطق “نحن وحدنا نضويو البلاد”، نحن الحرية والتحرر، ثقافتنا رمز العقل والانفتاح وباقي المكونات لا يرى منها سوى الجانب المظلم حتى لو لم يكن من مصادر علمية موثوقة.

الأصولية تفشل في أن تكون ثقافة

ما يجمع هذين التيارين المتطرفين ليس ما يعلنانه بل ما يُخفيانه: العجز عن العيش داخل التعقيد. الأصولية – دينية كانت أم ثقافية – هي دائما ردّ فعل على الهشاشة. حين تعجز الذات عن تحمّل التعدد، تبحث عن يقين صلب، عن هوية مغلقة، عن “أصل” نقي لم يوجد يوما في التاريخ لتتكئ عليه كي لا تواجه قلقها.

لا تحب الهوية المتوحشة التاريخ، لأنها لا تحتمل تناقضاته. لذلك تنتقي منه ما يخدم خطابها، وتمحو الباقي. ولا تحب اللغة إلا حين تتحول إلى شعار، ولا تحب الذاكرة إلا حين تصبح أداة تعبئة. أما الإنسان الحيّ، المتعدد، المتناقض… فلا مكان له في هذا الخطاب.

في هذا السياق، تصبح الهوية أداة ضبط اجتماعي تُستخدم لتخوين، لتصنيف، لتقسيم المجال العمومي إلى “أصيل” و”دخيل”، إلى “وطني” و”مشبوه”. وهنا تكمن خطورتها القصوى: حين تتحول الهوية خارج أي حس تاريخي نقدي، من سؤال ثقافي إلى منطق إقصائي وعبر خطابات سجالية تفتقد للروح العلمية وللبحث الرصين وفي معظمها جري نحو شهرة أنوات تدعي الدفاع عن حق مهدور. وتمارس عنفا رمزيا يشتغل عبر اللغة، والتصنيف، والتخوين، والتهكّم، والنبش الانتقائي في الماضي. يُجرد المغربي في هذا العنف من شرعية وجوده الرمزي المتعدد ويصبح مطالبا بأن يختار: إما هذه الهوية أو تلك. إما أن تنتمي بالكامل، أو تُتّهم بالالتباس، أو بالانتهازية، أو بعدم الأصالة.

قد يبدو للوهلة الأولى أن الغلاة العروبيين وغلاة الأمازيغيين يقفون على طرفي نقيض، لكن التحليل العميق يكشف أنهما يشتركان في البنية العميقة نفسها: الهوس بالنقاء عبر البحث عن أصل صافٍ لم يوجد يوما، الخوف من التعدد باعتبار الاختلاف تهديدا لا ثراء. ثم اختزال التاريخ حيث يتم تحويل الماضي إلى أداة شرعنة، وتحويل الهوية إلى أخلاق من معناها الوصفي إلى معناها العقابي وإنتاج عدو داخلي. .هذه السمات تجعل الأصوليات المتقابلة تغذّي بعضها بعضا، فكل تطرف يولّد تطرفا مضادا، وكل خطاب إقصائي يمنح خصمه الذريعة ليصبح أكثر شراسة.

المغرب: هوية عجينية بلا مركز صلب

لا يسمح تاريخ المغرب بأصولية ناجحة، لأنه تاريخ عجيني بلا مركز واحد، هو تاريخ عبور لحضارات وأقوام وألسن مختلفة: فينيقيون، أمازيغ، عرب، أندلسيون، أفارقة، يهود ومتوسطيون. لم تدخل اللغة العربية نفسها كقوة محو بل كأفق كتابة وترجمة. والأمازيغية لم تكن يوما هوية منغلقة، بقدر ما ظلت تجربة عيش مفتوحة على التفاعل. من هنا، فإن كل محاولة لتقديم المغرب بوصفه “كيانا واحدا” هي خيانة لتاريخه. ليست الهوية المغربية معادلة حسابية، ولا مجموعا جبريا لعناصر ثابتة، إنها نسيج متحوّل ومن يريد اختزالها، يفعل ذلك بدافع الخوف لا بدافع المعرفة.

لا يعني الدفاع عن التعدد تمييع الهوية ولا إنكار الجراح التاريخية، ولكنه يعني رفض تحويلها إلى رأسمال رمزي دائم. ولا يعني المساواة السطحية بين كل الخطابات، ولكنه يعني تفكيك منطق الافتراس الذي يسكنها بغاية إنقاذها من التحجر.

ما نحتاجه اليوم ليس “هوية أقوى” أو أكثر صفاء من باقي المكونات المشكلة لها، نحتاج حقا إلى هوية أذكى تعترف بأن القوة – بعيدا عن نقاء الأصل- تتجلى في القدرة على التعايش مع التناقض. وأن الأصالة خارج استئصال الآخر، تكمن في الاعتراف بأن الآخر يسكننا. فالهوية مسؤولية لا غنيمة نتصارع عليها، مسؤولية أخلاقية تفرض ألا نحول ذاكرتنا إلى أداة عنف، ولا لغتنا ولا تاريخنا إلى محكمة تفتيش. حيث تصبح الهوية متوحشة تلتهم أصحابها من الداخل قبل أن تدمّر من تعتبرهم خصومها الذين يهددون هذا الطرف أو ذاك بالمحو.

في مغرب اليوم، المعركة الحقيقية ليست بين عربي وأمازيغي، إنها بين هوية مفتوحة على التطور التاريخي وهوية مغلقة على صراع الأصول النقية. بين من يرى في التعدد ثراءً، ومن لا يرى فيه سوى خطر يجب تحييده. الهوية التي تستحق الدفاع عنها هي تلك التي تترك الباب مواربا وتقبل بأن تكون سؤالًا لا جوابا نهائيًا.

تكمن الخصوصية المغربية في أن الهوية لم تُبنَ يوما على عنصر واحد. لم يكن المغرب مشروع دولة قومية أحادية بالمعنى الكلاسيكي، بل فضاء تاريخيا للعبور والتراكم.

اللغة العربية مكون وعمود فقري في الهوية المغربية. والأمازيغية لم تكن يومًا كتلة واحدة، بل عوالم متعددة باذخة، تعتبر روحا للأمة المغربية بها تتغذى وتتنفس في الجبل والسهل والصحراء. والدين نفسه عاش تاريخيا في صيغ متعددة من التصوف والفقه والعرف. لهذا السبب، فإن كل مشروع لهوية أصولية في المغرب محكوم عليه بالفشل، أو بالعنف. لأن الواقع نفسه يقاوم الاختزال.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا