آخر الأخبار

"جمهورية المسرح" (12).. "ألف مليار دولار" في خزينة الجزائر، أو أكبر عملية "تبذير احتفالي" في التاريخ

شارك

هبة بريس – شفيق عنوري

بين سنتي 2000 و2014، لم تعد الجزائر دولة تكافح من أجل البقاء، بل أصبحت بلداً “يغرق في السيولة”. بفضل أسعار النفط التي ناطحت السحاب، دخلت الخزينة أرقام فلكية (ألف مليار دولار في أقل من عقدين) وبدأت معها أكبر عملية “تبذير احتفالي” في التاريخ الحديث.

أدى ارتفاع أسعار النفط عالميا إلى زيادة ضخمة في مداخيل الدولة من العملة الصعبة، مستفيدةً من استحواذ المحروقات (النفط والغاز) على 95 في المائة من إجمالي الصادرات، وفق دراسة “تطور الاقتصاد الجزائري من الاستعمار إلى الطفرة النفطية.. التحديات والآفاق المستقبلية” الصادرة سنة 2025.

بحبوحة نفطية تُغيب الصناعة والفلاحة

ولم تصاحب هذه “البحبوحة”، حسب الدراسة نفسها، التي أعدها الباحثون العبسي علي وتجانية حمزة ولبزه هشام من جامعة الوادي خطط لتنويع الاقتصاد أو تطوير القطاعات غير النفطية، وهو ما يبرز بشكل واضح في القطاع الفلاحي، حيث بقي الإنتاج ضعيفًا رغم توافر المياه والأراضي الشاسعة.

وفي القطاع الصناعي، لم تتمكن الجزائر، من خلق قيمة مضافة حقيقية، إذ ظل الإنتاج الوطني غير قادر على منافسة الواردات الأجنبية، كما أشارت عدة تقارير نشرتها “لوموند” بين سنتي 2014 و2015، خلال فترة تراجع قيمة النفط والغاز، إلى أن الدولة لم تستثمر في تطوير الصناعات الوطنية، ما جعل الاعتماد على الواردات ضرورة عملية للحفاظ على توازن الاقتصاد.

استيراد لإطعام السكان

ولم تستغل الجزائر السيولة المالية الهائلة لتأسيس بنية صناعية قوية، بل استُهلكت في مشاريع شكلية ومهرجانات ثقافية، وهو ما يوضحه جورج جوفي في مقال بعنوان “لعنة النفط تدفع الاقتصاد الجزائري إلى حافة الانهيار”، نشر على العربي الجديد بتاريخ 28 أغسطس 2015، حيث أشار إلى أن الانخفاض المتواصل في أسعار النفط أدى إلى انخفاض احتياطات العملة الأجنبية.

ويقول جوفي في مقاله، إن وعود الحكومة الجزائرية بتقييد الواردات تزامناً مع التراجع الكبير في قيمة الصادرات مدفوعة بانخفاض سعر النفط والغاز ، ستبقى “مجرد أوهام”، لأن “استبدال الواردات لم يعد خيارا مجديا، فقد انخفضت القدرة التصنيعية المحلية من 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في سنة 2000 إلى 5 في المائة اليوم (أي غشت 2015)”.

علاوة على ذلك، فلا يمكن للجزائر أن تقيد وارداتها لأنها، حسب الصحفي نفسه، “تعتمد على استيراد الحبوب للإطعام سكانها المتزايدين”، حيث ارتفعت قيمة واردات الحبوب خلال النصف الأول من سنة 2015 بنسبة 7 في المائة من حيث القيمة المالية لتصل لـ 1.9 مليار دولار، و20 في المائة من حيث الوزن، لتناهز 6.9 مليون طن.

سياسة المهرجانات..

خلال فترة البحبوحة النفطية بين سنتي 2000 و2014، شهدت الجزائر توسعًا كبيرًا في السياسة الثقافية الرسمية، حيث أصبحت المهرجانات والأنشطة الاحتفالية أداة واضحة من أدوات الدولة في استثمار الوفرة المالية، بما في ذلك تلك المرتبطة بجبهة “البوليساريو” الانفصالية، وقضية الصحراء المغربية.

مع ارتفاع عائدات النفط، تضخم هذا التوجه بشكل لافت إذ انتقل عدد المهرجانات بعد سنة 2000 من أقل من 20، إلى 177 ثم لاحقا 186 مهرجانات سنويا، وغالبًا ما كانت هذه التظاهرات تموَّل بالكامل من ميزانية الدولة.

التقشف بعد انهيار أسعار النفط

انخفضت أسعار النفط في 2014، مما أدى إلى مرحلة تقشف مالي اضطرّت معها الحكومة إلى مراجعة شاملة للميزانية الثقافية. ووفق تصريحات وزير الثقافة آنذاك، تم الإبقاء على 77 مهرجانًا فقط من أصل 186، بينما أُلغيت أو دمجت 109 مهرجانات، وبعضها أصبح دوريًا كل سنتين بدلًا من تنظيمه سنويًا. هذا التحول يوضح التباين بين مرحلة البحبوحة النفطية التي شهدت تضخمًا كبيرًا في المشاريع والمهرجانات، ومرحلة التقشف بعد تراجع الموارد المالية.

شلل سياسي بسبب الأزمة الاقتصادية

وفقًا لمقال “La fin du pétrole cher secoue l’Algérie de Bouteflika” على لوموند بتاريخ 3 يونيو 2015، فإن الجزائر بقيت، بعد إعادة انتخاب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، في حالة شلل سياسي، مع انخفاض إيراداتها الخارجية بنسبة 42% خلال أول سبعة أشهر من 2015، وتراجع صادراتها بنسبة 40%، بينما ارتفعت الواردات بشكل نسبي، ما أدى إلى عجز تجاري بلغ 8 مليارات دولار مقابل فائض تجاري بلغ 4 مليارات في نفس الفترة من 2014.

كما أشار جورج جوفي في مقاله على العربي الجديد (28 أغسطس 2015) إلى أن الاستهلاك المحلي من النفط والغاز كان في تصاعد مستمر، ما ترك أقل فائض للتصدير، وزاد الضغط على الاقتصاد في ظل الاعتماد شبه الكامل على الموارد النفطية، مع صعوبة إنشاء قطاع صناعي قادر على استيعاب هذه الموارد المالية في مشاريع إنتاجية مستدامة.

بحبوحة ولكن..

لقد غرقت الجزائر خلال “البحبوحة النفطية” في وفرة مالية غير مستغلة بشكل مستدام: الإيرادات النفطية ارتفعت بشكل كبير، لكنها صُرفت في مشاريع شكلية ومهرجانات ثقافية ضخمة، بينما ظل الاقتصاد غير النفطي ضعيفًا، والاعتماد على الواردات مستمرًا، ما جعل الدولة أمام أزمة هيكلية اقتصادية وسياسية لاحقًا، دفعت لتبني سياسة التقشّف، التي مهّدت لظروف انطلاق الحراك لاحقا سنة 2019.

أين ذهبت الألف مليار دولار؟

مصير الألف مليار دولار ظلّ عالقاً في ذهن الجزائريين، وكان أول ما طرح خلال فترة الحراك الشعبي، حيث تساءل المواطنون: “أين ذهبت الألف مليار دولار؟”. كان رد المسؤولين دائماً أنها عادت إلى الشعب عبر برامج تنموية واجتماعية، وهو جواب غير مقنع بالنسبة للجزائريين، الذين يؤكدون أن واقعهم لم يتغير خلال فترة “البحبوحة” باستثناء كثرة المهرجانات، التي لم تغن ولم تسمن من جوع.

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا